في الأكشاك هذا الأسبوع

ملف الأسبوع | الإجرام في المغرب.. أكثر من 100 ألف سارق في سنة واحدة وألف وثلاثمائة طفل في سجون كبار الجناة

إعداد: عبد الحميد العوني

أورد أول تقرير للوكيل العام للملك في محكمة النقض رئيس النيابة العامة، موجه إلى المجلس الأعلى للسلطة القضائية، أن القضايا الجنائية في المغرب، وصلت في 2017 وحدها إلى مليون و169 ألفا و264 قضية، ولا يزال يروج منها في 2018، ما يعادل 258 ألفا و91 ملفا، واعتقل جراءها في نفس السنة، 92 ألفا و999 شخصا من مجموع الأشخاص الذين تم تقديمهم أمام النيابة العامة والبالغين 615 ألفا و306 أشخاص، ولم تكن محاضر الصلح سوى في 5 آلاف و384 حالة، بما فرض على التقرير، المطالبة بزيادة 300 قاض للنيابة العامة.

ورأى التقرير في الصفحة 84، “أن الأفعال الجرمية المتسمة بالعنف، تثير الهلع لدى الناس أكثر من غيرها، كالاعتداءات الواقعة على الأشخاص بواسطة أسلحة بيضاء أو التجول بهذه الأسلحة في الشوارع بما يخلق الرعب”، وقد سجلت الإدارة العامة للأمن الوطني وحدها، توقيف أكثر من نصف مليون شخص (541.140 شخصا) بجنايات وجرائم مختلفة، من بينها، 22 ألفا و755 شخصا من أجل السرقات بكل أنواعها، و39 ألفا و399 شخصا في قضايا مالية، ليرتفع مستوى توقيف عدد السراق في الفئات الصغيرة والمتوسطة، من طرف الأمن الوطني فقط، إلى 62 ألفا و154 شخصا في سنة واحدة، فيما بلغ عدد جرائم الأموال التي اشتغل عليها الدرك الملكي، 85 ألفا و692 قضية دون أن يكشف عن عدد المعتقلين، بما يجعل السرقات والسارقين في حدود 147 ألفا و846 شخصا، وتداول القضاء في 115 حالة واردة من المجلس الأعلى للحسابات.

وأوقف الأمن الوطني 9 آلاف و254 شخصا في الاتجار بالمخدرات، فيما أوقف الدرك 12 ألفا و697 شخصا من أصل 82 ألفا و487 شخصا، فيما تم توقيف 24 ألفا و717 شخصا من طرف الأمن الوطني من أجل الجنايات والجنح ضد الأشخاص، ويتجاوز هذا الرقم توقيف المهاجرين السريين، وقد وصل 38 ألفا و678 شخصا في طريقهم نحو أوروبا أو جزر الكناري.

وبالرجوع إلى إحصائيات المندوبية العامة لإدارة السجون، فإن المعتقلين في السرقة، يتجاوز جرائم الاتجار بالمخدرات بـ 2870 شخصا.

+++  السراق يتجاوزون الإرهابيين بـ 5400 في المائة

 

حسب تقرير رئيس النيابة العامة، الصادر قبل أيام، فإن عدد الأشخاص المقدمين في 2017 في قضايا تعتبر إرهابا أمام المحكمة المختصة، وطنيا (محكمة الاستئناف بالرباط)، هو 358 شخصا، منهم 75 شخصا صدر في حقهم قرار الحفظ، ويكون معدل جريمة السرقة وجرائم لأموال عموما، يتجاوز الجريمة الإرهابية بـ 5400 في المائة، وينم هذا الرقم عن أزمة صعبة تعيشها الفئات المتضررة من مستوى العدالة الاقتصادية واقتسام الثروة الموكولة للأجهزة المكلفة.

وانخفضت القضايا المكيفة في قانون الإرهاب، من 251 محضرا إلى 161 محضرا تعلقت بـ 358 شخصا، وعلق التقرير على التصدي لهذه الظاهرة، برصد إمكانيات هامة لمكافحتها.

ووصل القتل عن طريق الإرهاب إلى الدرجة الصفر في سنة 2017، فيما بلغت قضايا القتل العمد 560 قضية توبع فيها 692 شخصا، و449 شخصا متابعين في الضرب والجرح المفضي إلى الموت دون نية إحداثه، و649 شخصا حوكموا بالضرب والجرح المفضي إلى عاهة مستديمة، و46 ألفا و141 شخصا حوكموا لضربهم أو جرحهم آخرين مع عجز 20 يوما، و37 ألفا و959 شخصا حوكموا لتسببهم في عجز آخرين لأكثر من 20 يوما، وقد تورط في حالات الضرب والجرح، 84 ألف شخص.

ويكون المغرب قد دخل حالة عنف عميقة بعد تسجيل 8687 قضية في قضايا ضد الأصول، توبع فيها ضمن العائلات، حوالي العشرة آلاف شخص (9889 شخصا) مع وصول الجرح بالخطإ إلى 14846 متابعا، والقتل بالخطإ إلى 1494 متابعا، والتهديد إلى 16404 متابعا، والوشاية الكاذبة إلى 1143 متابعا.

وعرفت سنة 2016، ارتفاعا مهولا في عدد الجرائم، إذ تورط 158077 شخصا في جرائم ضد شخص أو أكثر، لكن جرائم السرقة زادت بألفي سارق سنويا من 2002 إلى 2012، وتجاوزت جرائم انتزاع العقارات، جرائم السرقة الموصوفة بستة آلاف متابع (6037 شخصا)، والنصب بـ 7 آلاف متابع (7485 شخصا).

وانتقل المغرب من 81 ألفا و532 قضية، توبع في إطارها 94 ألفا و472 شخصا في 2012 إلى 107 آلاف و974 شخصا في 2016.

ومن المفاجئ، أن عدد المتابعين في السرقة يتجاوز المتورطين في كل قضايا الاغتصاب، والإجهاض المؤدي إلى الوفاة، وزنا المحارم وهتك العرض بالعنف أو بدونه والفساد والخيانة الزوجية والبغاء والدعارة والشذوذ الجنسي وإهمال الأسرة واختطاف القاصرين وقتل الوليد والإخلال بالحياء العام، بألف حالة.

+++ 23 فقط هم عدد المتابعين باستغلال النفوذ، فيما توبع 5423 متسولا لأنه تسول، و1716 متشردا لأنهم جالوا في شوارع المملكة

 

توبع 7 آلاف مواطن (7069 شخصا) بتهمة إهانة موظف، فيما توبع 23 شخصا فقط بتهمة استغلال النفوذ، ضمن ما سماه التقرير “جرائم مرتكبة ضد الأمن والنظام العام” التي توبع في خانتها 5423 متسولا و1716 متشردا، وانخفضت هذه القضايا في سنة واحدة بـ 6434 قضية، بالنظر إلى التطور العادي للجريمة الذي يواكب ازدياد عدد السكان ونمو الهجرة القروية وازدياد ظاهرة الهجرة الدولية (ص 95 من التقرير).

وبناء عليه، فإن المغربي أكثر احتراما للنظام العام، لكن ظروفه الاقتصادية، وفشل النموذج التنموي المتبع، بلفظ أعلى سلطة بالبلد، وهو رئيس المجلس الأعلى للقضاء، يكشف صعوبة التعاطي بمنطق قانوني فقط مع إشكالات الاقتصاد، بما يؤدي إلى رفع منسوب محاربتها في الدوائر الصغرى والمتوسطة، ولذلك، شكل وصول عدد المتابعين باستغلال النفوذ، 23 شخصا فقط.

وشهدت المتابعات في القضايا، التي يسميها التقرير “موضوع السياسة الجنائية” في ارتباطها بالظرفيات الاقتصادية والاجتماعية، ارتفاعا زاد بـ 26 ألفا و275 قضية بين 2002 و2011 لانتقالها إلى 129.453 قضية، وفي السنوات الأخيرة إلى 188.437، أي أننا أمام زيادة مهولة مقارنة مع سنة 2002 وصلت إلى 85 ألفا و259 قضية.

ويتقدم الغش في المواد الغذائية هذه الجرائم بـ 6849 متابعا، ووصل الغش في قضايا التعمير، 37 ألفا و163 متابعا، فيما لم يعد ضمن مخالفات الشغل، سوى 470 قضية طول البلاد وعرضها.

وتكشف هذه المؤشرات، إلى حاجة المغربي إلى التغذية والسكن، ويريد بكل الطرق الوصول إلى تأمينهما، مما اضطره إلى الغش في قضايا تمس هذين القطاعين.

+++ المتابعون في الجريمة المنظمة يرتفع إلى 190.907 أشخاص، فيما زاد المعدل السنوي عن سنة 2012 بـ 12.560 مجرما، وهو رقم يؤكد أن المغرب يدفع كل يوم بـ 34 شخصا جديدا إلى الإجرام المنظم، إلى جانب معدل يومي يقدر بـ 523 مجرما

 

ارتفع عدد المتابعين في الجرائم المنظمة من 178.347 إلى 190.907 متابعين سنة 2016، بزيادة يبلغ معدلها السنوي 34 مجرما تضاف إلى 523 مجرما كل يوم.

والتطبيع مع هذه النسبة في الجريمة المنظمة، حالة صعبة، تضاف إليها جرائم المخدرات، ويشكل المعتقلون في قضاياها ربع الساكنة السجنية، وقد تضاعف هذا النوع من القضايا، حسب التقرير، ثلاث مرات (300 في المائة)، فانتقل من 27 ألف قضية إلى 85 ألفا و769 سنة 2017، كما أن عدد المتابعين، انتقل من 36 ألف شخص إلى 107.800 عام 2017.

وبناء عليه، فإن المعدل اليومي لاعتقال المتورطين في الاتجار بالمخدرات، كان في سنة 2012 ، 98 شخصا (حوالي المائة)، وارتفع في 2017، إلى حوالي 300 شخص يوميا.

ويتقدم رواج “الشيرا” بـ 71 ألفا و648 معتقلا عن الاتجار بالكيف الخام بـ 20 ألفا و986 متابعا، فيما توبع 636 شخصا بالاتجار في الكوكايين، و37 شخصا بالأفيون، و445 بالهيروين، و525 بالمخدرات التركيبية، وتجاوز “السيليسيون” التقديرات بـ 4 آلاف و44 متابعا، واعتقلت السلطات ألفين و246 شخصا من تجار “طابا”، إلى جانب اعتقال 3428 من تجار الأقراص المنشطة، و1458 من مروجي الأقراص المهدئة، وأكثر من 1700 من تجار “المعجون”.

إنه ارتفاع مهول في جرائم المخدرات، جعلت اعتقال التجار يتضاعف كل 20 شهرا؟ ويذكر التقرير بالحرف، أن غياب بنيات صحية خاصة بمعالجة الإدمان، يعطل مقتضيات الفصل الثامن من الظهير الشريف بمثابة قانون رقم 1.73.282 الصادر بتاريخ 21 ماي 1974 بشأن زجر الإدمان على المخدرات السامة، ووقاية المدمنين منها، ولذلك، فإن النيابات العامة تستعيض عن تطبيق الفقرة الثانية من الفصل الثامن المذكور، بإجراء متابعات قضائية، غير أن هذه المتابعات، لا تحقق الردع، بسبب الإدمان المرضي للأشخاص المستهدفين بها، والذين تتكرر حالات العودة في حقهم.

+++ متابعة الأطفال بالسرقة والجنايات والجنح المرتكبة ضد الأموال، وصل إلى 8 آلاف و511 جانحا

تجاوز الأطفال في الجنايات والجنح المرتكبة ضد الأموال، ارتكابهم باقي الجنح، بنحو ألف طفل، فيما اعتقل الأمن أكثر من 2354 طفلا لانتهاكهم الأمن العام، ويثبت أن القضاء يأوي الأحداث (أقل من 18 سنة) في السجون، لنقص الرعاية الاجتماعية، بما يؤكد “عنف المجتمع” المغربي تجاه أطفاله، ويزيد من انحرافهم، وفي نهاية 2017، وصل عدد الأطفال المودعين بالمؤسسات السجنية، إلى 1331 طفلا، بما يؤكد على وجود نقص في العدالة التربوية، لأن المسألة حسب التقرير، لا تتعلق بالعدالة العقابية.

ونقص العدالة التربوية كما توردها الصفحة 114 من تقرير رئاسة النيابة العامة، يكشف عن نقص العدالة الاجتماعية والعدالة الصحية تجاه المختلين عقليا، وباقي الضحايا، ويشكل هذا التقدير صعوبات إضافية، عندما أكد التقرير على المعالجة القضائية لظاهرة الجنوح، وأن على الدولة أن ترتكز على الوسائل الحمائية والتربوية.

وقد أودعت 36 فتاة في سجن الكبيرات أو البالغات إلى جانب المتورطات في جرائم جنائية، وهذا العجز فيما يسمى عدالة الأحداث، يبني مستقبلا أسود على صعيد الجريمة.

+++ الجريمة تضرب الأمن العقاري بقسوة، بالسطو على عقارات الأجانب في 61 قضية

ضربت الجريمة عقارات الأجانب بالمغرب، بما هدد سمعة المملكة عالميا، كما هدد تعاونها الدولي، حين بلغ مجموع القضايا التي جرى السطو فيها على عقارات الأجانب، 61 قضية، 16 قضية منها في البحث، و16 في التحقيق، و14 مماثلة في المرحلة الاستئنافية، فيما 11 ملفا من هذه الملفات، تحت مسطرة النقض.

وتشمل لجنة تباشر هذه الملفات، كلا من وزارات، العدل والداخلية والخارجية والأمانة العامة للحكومة والأوقاف، والمدير العام للوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية، وممثل الضرائب، والوكيل القضائي للمملكة، ورئيس جمعية هيئات المحامين بالمغرب، ورئيس المجلس الوطني للموثقين، ورئيس الهيئة الوطنية للعدول.

وتخشى العاصمة الرباط من رفع مؤشرها في الجريمة، في حال المساس بحق الملكية للأجانب، وعقاراتهم تحديدا، وحسب مؤشر الدول في مؤشر الجريمة “نومبيو” لعام 2018، فإن المملكة في المرتبة 42 عالميا بـ 48.51 في المائة، في مؤشر الجريمة و51.49 في المائة على صعيد مؤشر السلامة، بما يؤكد أن المغرب يعيش على حدود الانزلاق الكامل إلى الجريمة في محيط تتقدم فيه الجزائر التي مرت من عشرية سوداء بـ 2.17 نقطة فقط، وتتأخر فيه تونس عن المملكة في مؤشر الجريمة بـ 8.08 نقط.

وعلى صعيد المدن، فإن مؤشر الجريمة العالمي، يضع الدارالبيضاء تحت الرقم 54.21، وتراجع الأمن بأكثر من خمس نقاط عن المتوسط، لارتفاع الجريمة في الثلاث سنوات الأخيرة، وتبقى كل المخاوف قائمة، إلا من الاعتداءات بسبب اللون أو الدين أو الإثنية، حيث تنخفض مثل هذه التخوفات إلى 33.49 في المائة، وترتفع بشكل مهول، الاعتداءات بسبب السرقات والرشوة التي تصل إلى 72.64 في المائة، وفي فاس، ترتفع النسبة إلى 75 في المائة في السرقات والاعتداءات بالسلاح الأبيض (62.5 في المائة) واستعمال المخدرات (70.00 في المائة)، وفي مراكش تنخفض هذه المعدلات، لأن مؤشرها في الجريمة هو 46.91 في المائة.

ويعتمد مؤشر “نومبيو” على السمعة المباشرة، وعلى معايير أخرى علمية، في ترتيب الدول والمدن.

+++ المغرب يتقدم في الجريمة؟!

في الوقت الذي يرتفع فيه الاختصاص، لإطلاق بنك معلومات لبناء مؤشرات أكثر صلابة عن الجريمة، يكاد المغرب يرى وقوع العقاب، هو الآلية النهائية لسياسته الجنائية، وحسب المركز الوطني للبحث في الولايات المتحدة، فإن آلية محاربة الجريمة، تنطلق من معرفة توجهات الجريمة بحد ذاتها(1) وبنياتها المكانية، في الأحياء(2)، والذهنية في التعاطي مع الضحايا(3)، ومن خلال الإحصائيات المباشرة للجريمة، وأيضا إحصائيات العدالة الجنائية(4)، وفي كتاب بدأ تبويبه في 1993 وطبع في 2010، فإن المهم:

ـ بناء بنك معلومات عن الجريمة، هو أول مفتاح لمكافحتها.

ـ فصل المعلومات الأمنية القادمة من أجهزة الشرطة والضابطة القضائية عن الإحصائيات الموثوقة، كي لا تكون الأخيرة مجرد معلومات أمنية.

ـ السماح بآلية وطنية، لتصحيح إحصائيات الجريمة.

ـ بناء قاعدة معلومات (داتا) عن طريق التحليلات العميقة، لتوجهات باقي مؤشرات الجريمة من الحي إلى الدولة.

وتحلل ملينا تريبكوفيك، في “ذي هوارد جورنال أوف كرايم أوجوستايس”(5) الجريمة، من عدم التطبيق الصارم لمسألتين: الأولى، البعد الخاص للجريمة، وارتباطها بشخوصها وظروفها فقط، وبهذا يكون القانون فوق الجميع، لأن الدولة فوق الجميع، ولأنها كذلك، فلا يمكن لأي طرف أن يدعي تمثيل مصالحها، وكلما كان القانون لصالح المواطن وانتصف من الدولة، كانت الدولة أقوى، والثانية، الصرامة الجنائية والقانونية في تطبيق القانون الانتخابي، ولا يمكن لأي دولة بناء القانون مع أي تفسير خاص للديمقراطية، لأن هذا التفسير ينتهي بخوصصة القانون، ولابد في هذا الصدد من الدفاع عن مواطنة كل منحرف كي يعود إلى رشده، ولا يجب من جهة أخرى، تحديد أهداف مع ساكنة محددة يحاول طرف ما استهدافها، فالواجب تعميم القانون، لتحقيق المساواة كمقابل موضوعي لكل ضابط.

إن فرض الضوابط من أعلى، أسلم بكثير من فرضها من تحت، لإدارة الاستقرار الذي يتخيله الجميع تجميدا للمعطيات لا أقل ولا أكثر.

وبناء عليه، تقترح مقاربة “فان ديجك” المعتمدة في الدول المتقدمة، بناء مؤشرين: مؤشر الجريمة، ومؤشر السلامة(7)، ولذلك تعتمد الجريمة على كسر الصمت حولها، بما يناسب إثارتها لمشكل له امتداداته وجذوره، ويجب على الأمني والقاضي، البناء الفقهي بين النازلة وشروطها، وليس الفصل بينهما لتحقيق الردع.

ويدقق البروفسور كاتالانو هذه المتاهة، بقوله: “إن ما يقوله الضحية، يسبق ما يقوم رجل الشرطة بتكييفه(8)، فليس مهما تحقيق نصر أمني، بل انتصار السلامة يبدأ من مصالحة كبرى، فليس مهما أن نتفاعل مع قياس الجرائم(9) كما هو متداول من أول كتاب مرجعي لفاندر ويست هويزن، تم طبعه في 1981، ولا يزال مصدرا للدول النامية في نظرتها، وبناء قناعاتها المؤسسة على احتكار الدولة لإعطائها خصوصية محددة، وترفض العدالة مثل هذا الحس، فهل يمكن كسر بعض النوافذ؟ كما يقول جيرار ألكسندر(10) لمواجهة الجريمة الكلاسيكية بطريقة شاملة، في ظرف لا يتميز بالحوار، على الأقل، كما وقع مع الجريمة الإرهابية.

ومن المهم أن نذكر أن المغرب، لم يخرج من دائرة العنف والسيطرة، فالولايات المتحدة، لمؤشرها الذي يجمع من 1965 إلى 2005(11)، تؤطر لمعنى واحد، أن العنف فعل سياسي، وهذا الاعتراف المؤسساتي، يفضي إلى تحولات لقياس الجريمة على قاعدة 100 ألف شخص: بدءً من السرقة بفن، والإرهاب، والجرائم المستهدفة للأطفال، والجريمة الإلكترونية، والجريمة العنيفة، والتجسس والرشوة العمومية (وليس في القطاع الخاص)، وهي مؤشرات تشدد على قياسات أخرى، منها:

ـ أن المغرب يخسر 6 في المائة من ناتجه الداخلي الخام جراء الجريمة.

ـ أن المغربي الفرد يخسر 5580 درهما لنفس الآفة.

وتبعا لـ “غلوبال بيس أنديكس”، فإن المعدل العالمي قد يصل إلى 10 آلاف درهم مغربي مقابل كل فرد، وهي فاتورة مهمة، فيما ترى الأمم المتحدة عبر مجلسها الاقتصادي والاجتماعي، ضرورات منها:

ـ مضاعفة الجهود الرقمية لتواصل أفضل مع المواطن لحماية معطياته الشخصية، أو الأصول في حياته الشخصية.

ـ مضاعفة جهود التدخل الميداني على الأرض وفي الميدان.

ـ دعم السياسة الوقائية التي تعمل عليها بعض الأنظمة، ومنها المغرب الذي يواصل تمييز قدرته من داخل تشكيلة متنوعة من الأجهزة الفاعلة والمتداخلة، بل المتطابقة بين العمل الاستخباري والعمل الميداني.

ومن المخيف أن تتواصل أمور منها:

1ـ مواصلة ارتفاع الجريمة المتصلة بالمخدرات، لأن مضاعفتها بـ 100 في المائة كل 20 شهرا، سيكون فادحا في 2025.

2ـ أن الجريمة العقارية ترتفع بشكل قياسي، وفي 2023، يمكن تسجيل الاستثمارات الخارجية في حدود دنيا، إن تواصل الاعتداء على حق ملكية الأجانب.

3ـ أن وزارة الداخلية التي باشرت إجراءاتها ضد الغش، لمنع غلاء الأسعار، حاربت جزئيا الجريمة الغذائية، المسكوت عنها لسنوات.

وهناك جرائم خارج التداول العام ومساطر العقاب، لأسباب مختلفة، ولذلك، فإن معدل ارتفاع الجرائم الكلاسيكية، سيكون ملفتا للانتباه، لمؤشرات منها:

1ـ أن المجتمع المغربي، يريد قدرة متساوية في محاربة الجريمة بكل أنواعها.

2ـ أن الجريمة المالية، تسيطر على الأفق المراقب من المواطن ومن الأجهزة المختصة، وبالتالي، تعمل الرباط على فرض مستوى قياسي للجرائم المنظمة والقياسية.

ولا يزال ارتفاع السرقات في المغرب، موازيا لوعي متمكن في كل الأوساط حول الثروة في المملكة، وسبل توزيعها العادل على السكان، وخرجت تظاهرات واحتجاجات تشكل الرغبة العامة في طرح سؤال الثروة ونفقات الدولة ومشاريعها، من أجل توجيهها لصالح أوراش التنمية الاجتماعية، في مقابل الأوراش الكبرى التي تعرف بطئا أثر على الوعود التي أطلقها الرسميون إزاء الفعالية الاقتصادية ومحاربة البطالة، لكن هامش المجتمع، دخل في جرائم غير مسبوقة تؤرخ لـ “الاستثنائية الجرمية” في أصعب شروطها، ومنها: اغتصاب الموتى في 2015 بسلا التي عرفت اغتصاب 4 شباب لجثة شابة عذراء خلقت صدمة لدى الجميع، وأشرت إلى انتقال الجريمة إلى مرحلة أخرى، فمنذ حادثة 2010، سجلت المؤشرات ارتفاعا في الجنايات، يتقدمها المال والجنس.

اغتصاب الموتى، دليل على حاجة جنسية لا تستوعبها مؤسسة الزواج التي أصبحت مكلفة في المغرب، وتتعرض لهجمة اقتصادية واسعة، جراء ارتفاع الأسعار وتجميد الأجور، وبها دليل أيضا على انحطاط الأخلاق العامة.

وضبطت دورية ليلية الشباب متلبسين، وقد اعتقدت الشرطة قبل التدخل، أن المتورطين، سيكونون نساء يمارسن الشعوذة، وأكدت التحقيقات أن المتورطين هم من أبناء حي سيدي موسى الذي تنتمي له الميتة المغتصبة.

وسجلت سنة 2010، حوادث أخرى مماثلة لفظاعتها واستثنائيتها، منها الاحتيال الإلكتروني الذي بلغ 51 شبكة قبل أن يتضاعف في السنوات الأخيرة من العقد الحالي، ويعتقد المختصون: أن عقد 2010 – 2020، سيبقى علامة فارقة في تطور الجريمة بالمغرب، خصوصا بعد تسجيل ارتفاع حاد كل سنة بـ 10 في المائة في السرقة المالية الإلكترونية والتقليدية بكل أنواعها، وارتفاع الاتجار بالمخدرات بـ 100 في المائة كل عشرين شهرا.

وحسب الخبراء، فإما أن المسألة تتعلق بارتفاع الأداء الأمني في مواجهة الجريمة، بما يجعل الأجهزة تفكك جريمة المخدرات بشكل فعال، أو أن الجريمة ارتفعت بشكلها القياسي، لأسباب تعود لتطور السلوك والأداء الجرميين.

وعرف المغرب، قبل ارتفاع الجرائم المالية، تساهلا مع المتورطين الكبار في صفقات بالملايير، وأيضا الهجمات على الوكالات البنكية، بدأت في 2008 بالهجوم بقنابل مسيلة للدموع وأسلحة نارية على وكالة التجاري وفا بنك بالحي المحمدي بالدارالبيضاء ووكالة أخرى للبنك المغربي للتجارة الخارجية، وقبلها فرع البنك الشعبي في الناظور، وفرع البنك المغربي للتجارة والصناعة في القنيطرة والشركة العامة للمصارف في طنجة.

وبعد رفع الحماية الأمنية، وإعمال نظام يتناسب مع تطور الجريمة، تغيرت الأحجام هذه الحوادث، وأبقت على المستوى المرتفع للجريمة المالية في المملكة.

ويتغير واقع الجريمة في المدن، طبقا لمستوى الفعالية الأمنية، فمراكش التي تصدرت تقرير الجريمة والسلامة لسنة 2015، تراجعت، وكانت الدارالبيضاء في الدرجة الثانية وطنجة في الدرجة الثالثة.

وتتفق الدوائر الغربية على أن أغلب الجرائم، تتعلق دائما بالسرقة والنشل، ولذلك زادت احتياطات السياح القادمين للمغرب أو العابرين للبلد، ورفعت الحكومة في 2017 من نهجها ضد الجريمة وتحت مسمى “الصرامة والحزم” إثر نقل اختصاصات وزير العدل إلى الوكيل العام لمحكمة النقض، كما رفعت من بنائها للمؤسسات السجنية، حين قررت لسنة 2018، بناء خمسة سجون.

وسبق لـ “مؤسسة أبحاث السياسات الجنائية” بالعاصمة لندن (أ. سي. بي. أر)(12)، تصنيف المغرب في المرتبة 19 في مؤشر الاكتظاظ داخل بالسجون، ومنذ نونبر 2014، وضعت دراسة مشتركة للمركز و”المعهد العالمي للدراسات السجنية”(13) الذي يرأسه أندرو كويل، المملكة المغربية ضمن الدول التي عليها حل مشكلة الاكتظاظ، بفعل عقيدة قضائية محلية حول “الاعتقال الاحتياطي”، رفعت من حجم المحرومين من الحرية، لتغليب سلطة الضبط والإكراه على الدليل، إلا في حال قاعدته البديهية، وتسمى العقوبات غير السالبة للحرية، “عقوبات بديلة” وكأن الأصالة للإكراه البدني لا غير، وهو ما يجعل المغرب، بعيدا عن مجلة “متعدية علم الإجرام”، ففي آخر عدد لها ربيع 2018(14)، هناك انتقال لتعقد الجريمة من قاعدة “البداهة” إلى قواعد “البداهة” في الدليل الجرمي، وكل جريمة لا تقوم، إلا بتحقيق قضائي، يفصل الشرعية الأمنية عن الشرعية القضائية، وإقرار “الداتا” أو القاعدة التحليلية، فليس هناك استثناء جرمي من خلال الإخراج الجنائي لقضية محددة كي تختلف عما سبقها.

وبناء عليه، فإن القالب الجرمي أو مادة النسيج الجنائي، هي بحث لتطبيق “متعدية الأداة” في الجريمة، من أجل تدخل أمني مرئي عبر الكاميرا (غير القابلة للتدخل أو المعالجة)، بما يجعلها مادة صرفة أمام القاضي، لأن من المهم في القالب الجرمي، الوصول إلى “الوضعيات البديهية” المباشرة لما وقع.

وفي تعليق للبروفسور الشهير كريستوفر كوبر، فإن الشرطة تسهل عرض “الوضعيات البديهية المباشرة” أمام القاضي دون فرض أي من خصائصها، في تشكيل رأي ما حول قضية معينة، وهذه التقنية المدعاة “قاعدة الدلائل المصفوفة للشرطة”، وليس من الشرطة، تجعل الدليل يتجاوز إخضاعه إلى التكييف، إلا أمام قاضي الحكم.

والأخذ بسياسة مغربية جديدة في علم الإجرام، سيعد من الانحراف الجانح والذي ينبئ بقسوة جديدة قد تزيد من تأخر التطبيق الأمثل للقانون.

وفي خلاصات مباشرة، يمكن القول:

1ـ أن تكييف الجرائم المعقدة، يستند إلى أصل الجرم، لأن السياسة العقابية تنحو إلى الوقاية، وليس الدخول في شد وجذب مع أنواع الإجرام في أي مجتمع، بما يدفعها نحو المزيد من التطور.

2ـ أن الاحتكام ـ وليس الاعتماد فقط ـ إلى قاعدة الدلائل، يكون حصرا، بما تكون أمام قاضي الحكم، غير مبثوثة بتقدير أو تكييف، بل غنية بكل التفاصيل الميدانية.

3ـ أن اعتماد “تقنية المسح الاستقبالي”، كما تطرحه القواعد الإرشادية العشرة لشرطة كاليفورنيا، والتي كتب عنها رينيس ميتشيل، بشأن التقييمات التجريبية للجريمة، فتقوم الشرطة بهذه التقييمات وتترك التقييم القانوني مطلقا للقضاء الجالس، لأن العدالة يحققها مسار، وليس طرفا واحدا في العدالة الجنائية.

ومن المهم في هذا السياق، التأكيد على:

1ـ أن المعالجة الإحصائية لمعطيات الجريمة، حاسمة في قراءة مستقبل الأمن والسلامة في أي بلد، وحسب البروفسور نيلوفار ميزاني، فإن الإحصائيات لها “سلطة” لتحديد احتمالات الفعل الجرمي بما يسهل الوقاية منه، وشرطة الجرائم، قادرة على تحديد “التوجهات الجرمية” على المدى المتوسط، إن استعانت بالخبراء، مع العمل على فرض الهاجس العلمي على معطياتها، دون تغليب الهاجس القانوني المستلب بالتكييف، فعلم الجريمة قد يكون ضحية سلطة التكييف، لأنها تفرض التوجهات التي تراها جهة قانونية محددة، فيما يقضي الواجب، الوصول إلى “الخلاصات المباشرة” لتوجهات الجريمة في أي مجتمع، والعمل على وضع دقيق لكل جريمة أمام قاضي الحكم.

2ـ السلامة المجتمعية متميزة على سلامة النظام العام، لذلك، فاستعمال قاعدة معلومات مختلطة، حالة ممكنة، لكن لا يجب طمس الاستراتيجيتين لخدمة الاستقرار.

3ـ العمل على قاعدة عالية الجودة للتحقيقات.

4ـ فصل قاعدة التحقيقات عن التحليلات، لأن من المهم إنتاج مقاربة مغربية للمغاربة في علم الإجرام، للحد من هذه الظواهر الجانحة.

5ـ أن قاعدة المعلومات القيادية أو المعتادة أو محاولة صنع الاستثناء في قضايا عادية، عصيان يحرف الحقيقة، لذلك، فالعدالة تبدأ من القدرة على التفاعل والعمل على الشكوك من “داتا” الوضعية الجرمية، لإعادة فحصها والوصول إلى الوضع النهائي للجريمة.

6ـ العمل بقاعدة المحاسبة في صفوف رجال ونساء تنفيذ القانون.

وتتجاوز القواعد الجديدة في علم الإجرام الـ 30 قاعدة، واستيعابها في أي منظومة جنائية، يخدم إنجازين: سياسة وقائية من قاعدة إحصائية لتوجهات الجريمة، وسياسة قضائية من قاعدة علمية للجريمة للوصول إلى العدالة الجنائية المرغوبة.

+++ ضبط انحراف الجرائم الجديدة، رهان كل سياسة جنائية ناجحة

منذ سنة 2008، دخلت الجريمة المغربية توجهات أخرى، فرضتها الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، وزاد اندحار الطبقة الوسطى وارتفعت الجريمة المالية، بالإضافة إلى السرقات المباشرة أو الموصوفة عند صغار الفقراء، وكادت الجريمة أن يحددها الانتقال الذي حدث في 2010، وانتهى بحراك شعبي إقليمي تحت مسمى “الربيع العربي”، وزاد الوضع سوءا، فقرر المتضررون من الشباب تحديدا، الهجرة إلى أوروبا، واختاروا ليبيا أو تونس لإنجاز الرحلة، رغم وجود آلاف من المهاجرين الأفارقة الراغبين في دخول إسبانيا من التراب المغربي، في سبتة ومليلية، أو عبر المياه.

وحاصرت اتفاقيات مدريد والرباط، هجرة الشباب المغربي إلى أوروبا، وحولته، من أجل إيجاد المال للقيام بهذه المغامرة، إلى متابعين بالسرقة، أو بأحد التهم الأخرى في الجريمة المالية.

ويمكن القول أن ارتفاع السرقة المالية بكل أنواعها، وبصنفيها: الإلكتروني والتقليدي، ناتج عن ظرفية معينة، فإلى الآن، تعتبر الجريمة في المغرب، إجابة منحرفة عن حاجة طبيعية لم يستطع المتابع مقاومتها، وليس هناك تطور للعداء ضد المجتمع، لكن استعداء الأفراد بينهم، زاد بطريقة معقدة، وهو ما يقلق المختصين، فمن الهجوم على سائح فقط من أجل ماله إلى هجوم فرد على آخر لسبب شخصي، يمكن رسم المبرر الجنائي على أساسين: المال، والسبب الشخصي، الذي لم يوقر استخدام التلاميذ للعنف القاسي ضد أساتذتهم، وهو ما يؤشر إلى انحراف ضد الأشخاص، قد ينبئ بأن المغرب، دخل في مرحلة أخرى، قاسية وصعبة، فاللحمة الاجتماعية اندثرت، ويعوضها عنف قد يخرج عند الأجيال الجديدة، من المدرسة إلى باقي المؤسسات، وتلك كارثة المغرب، إن لم يتمكن من معالجة علمية للجريمة في منظومته، فلا يمكن استثناء مجرمين ومحاسبة آخرين.

وتوحيد الحرب على الجريمة من أعلى الهرم إلى أدناه، بداية لثقة تحتاجها العدالة الجنائية في المملكة.

هوامش:

  • Undrstanding crime trends workshop report, committee on understanding crime trends, u.s. national research council national acadrmies press,2008.
  • UNCRI ICVS overview, (4/3/2016).
  • The 5 round of international crime victims surveys, (1/2/2013).
  • European source book of crime and criminal justice statistics, aubusson de cavarlay, and others, fourth edition, hague, 2010.
  • The modern cives since suffragio: dimensions of criminal disenfranchisment in Europe, Melina Tripkovie, the Howard journal of crime and justice, 28/3/2016, 10111./hojo 12163.
  • The burden crime in EU. research report, a comperative analysis of the European crime and sefty survey, (EU.ICS).
  • The world of crime, breaking the silence on problems of crime, van dijk, justice and developments, sage publications, 2010.
  • The measurment of crime: victim reporting and police recording, catalao, S.M, LFB pub, New York, 2006.
  • Measurment of crime, Pretoria, van der westhuizen, university of south Africa, 1981.
  • A continent of broken windows, Gerad Alexander, the weekly standard (vol 11, issue 10, 21 November 2005).
  • United states uniform crime report, state statistics from 1960-2005.
  • Institute for criminal policy research (ICPR).
  • International centre for prison studies.
  • Center for evidence based crime policy (CEBCP) translational criminology magazine, spring 2018
Receptivity survey.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

Open

error: Content is protected !!