في الأكشاك هذا الأسبوع

الحقيقة الضائعة | لماذا كان محمد الخامس يفكر في التنازل عن العرش ؟

بقلم: مصطفى العلوي

قرأت في الأسبوع الماضي، مقالا لصديقي الصحفي مصطفى السحيمي، رئيس تحرير مجلة “ماروك إيبدو”، وهو الصحفي المحسوب طبيعيا، بأنه نموذج من الأقلية(…) التي لازالت تؤمن بحتمية استمرار النظام الملكي في المغرب، كضمانة للاستقرار، والاستمرار، وقد عنون مقاله بحروف غليظة تكشف عن هلع المحتوى، كتب فيه: ((مولاي.. إنكم الملاذ الأخير)) بمعنى أن المغرب أصبح على عتبة الأزمة القلبية(…) لذلك ناشده هذا الصحفي المطلع، كما يناشد المريض الملقى على عتبة الموت طبيبه المعالج.

وإن كان هذا الصحفي المتعقل، مطلعا أكثر من غيره على وضع الأمر الواقع(…) فإن الملك الحسن الثاني سبقه في ظروف كهاته، ليكون الملك الأكثر صراحة من الصحفي، فكتب هذا الملك بجرأة لم يكن يتمتع بها إلا الطبيب المجرب حين قال يوما: ((إني متضامن مع الشعوب، وليس مع الأنظمة، متضامن مع الملوك الذين ينجحون، فقد كان الكل يتنبأ بسقوط الملك فاروق في مصر، وإذا حدث لي ذلك، فسأكون قد استحققته)) (لونوفيل أبسيرفاتور. 25 جوان 1970).

عشر سنوات من بعد، عاد الحسن الثاني بعد الأحداث الدموية التي حدثت في الصخيرات، والهجوم على الطائرة، والأحداث الأخرى التي لم يعلن عنها(…) ليجدد حكمه على أي ملك أو مسؤول مقصر في ممارسة مهامه، ويقول: ((عندما يسود الشعب، الشعور بأن الملك لم يعد يعيش قضايا شعبه وظروفه، وأنه لا يتصف بصفة الاعتزاز التي يتسم بها شعبه، وهو شيء هام، فإني أعتقد أن الشعب سينبذ هذا الملك)) (جريدة تايمز. فاتح جوان 1981).

فقد سبق الحسن الثاني، إلى الاعتراف بهذا الأمر الواقع، في إطار معاناته الحقيقية مع جيل الاستقلال وما ارتبط بهذا الاستقلال، الذي كان غير منتظر(…) هذا الاستقلال الذي ارتبط بالمطالب الشعبية رغم الارتباط المغربي بماضيه الأسود، الذي يرجع إلى سنوات قليلة قبل الاستقلال، كان المغرب لا يزال فيها شعبا همجيا محكوما بديكتاتورية السلطة المحلية، حين كانت الرؤوس، حتى رؤوس المعارضين، تقطع وتعلق على مداخل المدن، لتكون عبرة لمن بقي على قيد الحياة(…) كانت الرؤوس المقطوعة المعلقة على مداخل المدن، لمن يعتبرون أنفسهم شجعانا في مجال الفكر أو الفوضى، ولا فرق بين الفكر والفوضى في كثير من الحالات ولنراجع حكمة الزعيم الكبير علال الفاسي، الذي كتب في نقده الذاتي: ((إن شجاعة المغاربة في الكفاح وكانت مضرب الأمثال، لكن كثيرا من شجعانهم يتأخرون عن القيام بما ينبغي منهم(…) لأنهم لا يقدرون الأشياء حق قدرها)).

فيكون مصيرهم طبعا، قطع رؤوسهم يا السي علال. رحمك الله.

وجاء هذا الاستقلال السريع، مهووسا بدعوى الديمقراطية التي تعتبر شيئا جديدا على المغاربة، لأن الدول التي تمارس الديمقراطية، كانت متمرسة عليها مئات السنين، بينما المغرب إلى سنة 1930، كان هو ما ورثه الحسن الثاني، وقد كتب الصحفي “أندري يوطار” عن ذلك الماضي الموروث، والذي ورثه المغاربة بدورهم بعد موت الحسن الثاني: ((إنه الماضي الهمجي والدموي الذي ورثه الحسن الثاني)) (مجلة ليفينمان. 4 غشت 1999).

ولم يكن بين المفكرين المغاربة، من يجرؤ على الاعتراف بحتمية هذا الأمر الواقع، وصعوبة الانتقال من عهد قطع الرؤوس في سنة 1930، إلى عهد الممارسة الديمقراطية سنة 1950، بينما الواقع أن الشعب المغربي، كان في بداية هذا القرن المنصرم، كما وصفه المؤرخ الفرنسي “إيدمون دو أمسيس” الذي كتب عن الحقيقة المغربية: ((كلما درست طبائع المغاربة، صدقت أولئك الذين يقولون: إن المغاربة من فصيلة الأفاعي والثعالب(…) خوافون أمام الأقوياء، خبثاء تجاه الضعفاء، كذابون بطبعهم، حقودون بطريقة عنيفة. الصديق فيهم يبيع صديقه بمليم.. والمتدينون منهم يتوضؤون كل يوم للصلاة، ولكنهم يتغوطون في جنبات بيوتهم، فيتركون الخبث دون أي اهتمام)) (إدمون دو أمسيس. كتاب: لو ماروك).

لذلك كان الملك محمد الخامس، كما كتب عنه صديقه الفرنسي “شارل أندري جوليان”، صاحب أول كتاب عن استقلال المغرب، وقد كتب عن صديقه ملك الاستقلال: ((إن محمد الخامس كان يائسا في الوقت الذي دفعه شعبه إلى درجة بطل أسطوري)).

وها هو الزعيم التقدمي الثوري، المهدي بنبركة، يعترف في فجر الاستقلال ويكتب: ((إن وراثة الحكم الاستعماري ارتبطت عندنا بخطة الليبرالية التي أخطأنا(…) بعدم تحليلها تحليلا كافيا)) (الاختيار الثوري. المهدي بنبركة).

لذلك، لم يذكر الزعيم المفكر الذي واكب مسيرة محمد الخامس، وهو علال الفاسي، لم يذكر كلمة الديمقراطية إلا خمس أو ست مرات في كتابه الضخم عن النقد الذاتي، وهو الذي حكى في هذا الكتاب، أن الباحث الفرنسي الكبير “لوي ماسينيون”، تقابل معه مرة في القاهرة، وقد قال له ((إن المصريين يعتقدون أن تأسيس الجمعيات الخيرية كاف لحل مشكلة البؤس، وهو غلط كبير، مثلما توزيع الأدوية لمحاربة الأمراض، لا يكفي إذا لم تجثت جرثومة الداء)).

وهو ما أجاب عنه الزعيم علال الفاسي بقوله: ((إن زماننا هذا غطته نشوة الراحة الكاذبة لأننا شعوب لا تحب التعب)) (نفس المصدر).

لذلك سجلت في كتابي “الحسن الثاني الملك المظلوم” ((أن الرصيد الدموي والهمجي المغربي، أقوى من طموحات الحسن الثاني)).

وها نحن نعيش في وقتنا الحاضر نتائج هذا التسيير الذي فرضته علينا ظروف هذا الاستقلال العاجل(…) والذي لخصه الباحث عبد الله العروي بقوله عن طريقة الحكم المغربي: ((كل مرة نشرف على الهاوية، ثم في آخر لحظة، نعثر على حيلة ننقذ بها الموقف، فنطبل ونغيط، ونظن أننا كسبنا المعركة، في حين أننا اشترينا مهلة، وهكذا تتوالى الأيام كلها أعياد.. كما تقول الأغاني)) (عبد الله العروي. خواطر الصباح).

ورحم الله الدكتور إدريس الكتاني، الذي مات منذ أيام، والذي كتب: ((هذا الاستقلال السريع الذي فاجأ الحركة الوطنية، التي لم تكن تتوفر على الأطر المقتدرة لإدارة البلاد)) (مقدمة إدريس الكتاني لكتاب عبد الله الصنهاجي).

الشيء الذي فسره الزعيم علال الفاسي الذي كتب في النقد الذاتي: ((إن الديمقراطية حسنة في كل شيء، إلا أن الأرستقراطية الفكرية شيء ضروري لتوجيه الأمة))، بمعنى أن النخبة هي المؤهلة لحكم البلاد.

وقد ودعنا علال الفاسي قبل ظاهرة الفوضى الإلكترونية التي رمت بالأغلبية الساحقة من الأجيال الحاضرة في أحضان الفوضى الإعلامية التي ابتدعتها الوسائل الإلكترونية التي ربطت الأجيال الحاضرة بالتلفونات النقالة، ويكاد عددها يتجاوز عدد سكان المغرب، والتي أصبحت أسلحة تنخر أدمغة المغاربة، التي وضعها تحت إشارتهم الفكر العالمي الجديد، فصنعت لنا كتائب أخطر من كتائب حزب الله، ولربما أخطر من خطورة داعش، وهو ما برع الزعيم علال الفاسي في التنبؤ به، قبل موته، حين كتب ((إن أخطر ما يواجهه المفكرون الممتازون(…) هو منطق الشارع، الذي سيستولي على أذهان الغالبية المطلقة من الناس)).

وكان الشاعر الفرنسي “فولتير” قد سبق علال الفاسي للتنبيه إلى هذا الخطر عندما قال: ((لنعترف بأن الأفكار أحدثت في العالم من الشرور أكثر مما أحدثته الطواعين والزلازل)).

لنقف بعقولنا وأفكارنا، أمام عظمة ونبوغ الملك محمد الخامس، والذي تدارس الظروف والأوضاع المغربية مبكرا.. حتى كاد يستسلم أمام خطورة الأوضاع المحدقة بهذا الاستقلال السريع(…) أيام يقينه بالحاجة الماسة إلى النخبة المفكرة المتزنة المفقودة(…) فأسر ولا شك إلى طبيبه الخاص، الفرنسي “ديبوا روكبير” الذي كتب في مذكراته: ((إن محمد الخامس كان يفكر وقت الأزمات في الاعتزال عن العرش، وترك المهمة لابنه مولاي الحسن الذي كان يرى فيه، الوحيد الذي يحسن التعامل مع الأزمات، وفعلا، كان محمد الخامس بصدد التحضير للاستقرار في إيطاليا التي أحبها بعد زيارته لها في 1957، وكان في إجازته في روما، يتتبع أحداث التمرد في المغرب(…))).

عظمة هذا الموقف من طرف أعظم ملوك المغرب، محمد الخامس، تكمن في أن هذا الرجل كان يشعر بضخامة المشاكل، وربما بعجزه عن مواجهتها، ففضل التفكير في تسليم المسؤوليات لمن هو أقدر منه في مواجهتها، وذلك هو النبل العظيم.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

Open

error: Content is protected !!