في الأكشاك هذا الأسبوع

الحقيقة الضائعة| المستقبل لا يبشر بالخير.. والفراغ يدفع الانتهازيين إلى تقبيل الأيادي

بقلم: مصطفى العلوي

في سياق الاستجوابات التي أجريتها مؤخرا مع موقع “هسبريس”، والتي لقيت ردود فعل إيجابية من طرف مسؤولين جزائريين ومغاربة، ذكرت بحادثة تاريخية من الأهمية بمكان، عندما كان قطبان من الحزب الاشتراكي الفرنسي الحاكم يخططان لتنفيذ البرنامج الذي وضعه المارشال ليوطي، لاحتلال المغرب قبل عقد الحماية، وفي أعقاب فشل مؤتمر مدريد الدولي، الذي انعقد سنة 1880، ذلك الزمن الذي كان فيه المغرب ممتد الحدود جنوبا، والملك الحسن الأول يحضر للقيام بزيارة رسمية إلى تامبكتو في أطراف مالي، التي لم تكن أصلا، والفرنسيون يخططون لاحتلال المغرب، في ذلك الزمن الذي تدارست فيه القوات العالمية إمكانية تبادل المغرب، وتسليمه لبريطانيا مقابل تسليم مصر لفرنسا، وكان القطب الاشتراكي الفرنسي “جان جوريس”، مقتنعا بأن احتلال المغرب، هو أحسن ما يمكن أن يفعله الفرنسيون، باتفاق مع مستشار فرنسي آخر، يسمى “ديلكاسي” الذي كان اسمه مطلوقا على الشارع الرباطي الذي يسمى اليوم شارع الأمير مولاي عبد الله.

وذكرت المتتبعين لاستجوابي، بأنه بينما كان قطب الحزب الاشتراكي، “جان جوريس” حريصا على احتلال المغرب ويشترط أن يتم ذلك في إطار الحفاظ على جمال هذه الدولة الحديقة(…) حتى نحافظ لها على جمالها، رغم مؤشرات الحرب التي كانت الاختيار الحتمي للمارشال ليوطي الذي كان يعرف أهمية معارضة القبائل المغربية.

ليتدخل المستشار الوزير، “ديلكاسي” بدهائه المعهود، ويقول لهم: حسب ما سجله المؤرخ الفرنسي “دنييل ريفي” في كتابه “ليوطي والمؤسسات”، إن أحسن طريقة لاحتلال المغرب هي العمل على تسليم سلطاته الحاكمة إلى مسؤولين ضعيفي الإرادة(…).

وكانت تلك هي الوسيلة التي تم تنفيذها.

مباشرة، وبعد خمس سنوات على هذا النقاش، عندما مات الملك العظيم الحسن الأول، وربما مات مقتولا حسب بعض المؤرخين الفرنسيين، واستطاعت سلطات الاستعمار الفرنسي أن تنجح عبر تعاملها مع الرجل القوي في ذلك الزمان، أيام الملك الراحل، وهو باحماد، الذي نفذ التعليمات(…) بإسناد مهمة الخلافة، إلى أصغر أولاد الحسن الأول، مولاي عبد العزيز، وسنه خمسة عشرة سنة، ولم يكن الفرنسيون يحلمون بحل أحسن من هذا، ولا سلطان أضعف من هذا، ففي عهد مولاي عبد العزيز تم التخطيط لعقد عهد الحماية واحتلال فرنسا للمغرب.

وحيث أن ضعف رئيس الدولة يسرب إلى الهياكل الضعيفة لرجال سلطته، فإن الرئيس العسكري لإحدى الجهات الشرقية، وكان يسمى “أندري هاردي”، كتب في مذكراته، أنه عندما كان يعقد جلسات عمل مع مسؤولي الجهة الشرقية بوجدة، وكان قائد الجهة القايد المنصوري، أنه عندما كان هذا المسؤول المغربي يحضر الاجتماعات لتدارس وسائل احتلال المناطق من طرف الجيوش الفرنسية ((يحكي الضابط الفرنسي أن القايد المنصوري كان حريصا في كل اجتماع على أن يحضر معه جريدة، يغرق في قراءتها ساعة النقاش، وكأن الأمر لا يعنيه)) (مذكرات سيد الحاكم. أندري هاردي).

ذكرني بهذا الحادث هذه الأيام، محتوى نقاش نظمته القناة البريطانية “ب.ب.س” جمع بين الصحفي المغربي رشيد البلغيتي، ومدير مهرجان موازين عزيز الداكي، الذي بعد أن توسع البلغيتي في سرد مبررات معارضته لتنظيم موازين، سأل الصحفي، مدير موازين عن رده، فأجاب بكل بساطة: أنا لا أعرف من هو هذا المتدخل الذي لا تعرفه إلا أمه وخالته.

منتهى الاستهتار بالمناقشة، ولكن السيد الداكي هو صورة طبق الأصل لفصيلة المسؤولين الحاليين في المغرب، لأن المتدخل الداكي، لو كانت عنده نقطة فوق دال اسمه، لانتهزها فرصة، لتبرير وشرح مخطط مهرجان موازين، ودوره خصوصا وأن البرنامج كان موجها عبر قناة بريطانية واسعة الانتشار.

وهذا هو المدخل المشروع، لانتقاد المجموعة الحاكمة(…) التي تنطلق في كل تدخلاتها من الاستهتار بالرأي العام الذي لا مكانة له في هذا الوطن.. استهتار بالرأي الآخر، واستهتار بكل ما يقال، وما ينشر.

وتتضخم خطورة هذا الاستهتار، ساعة بعد ساعة في كل يوم وليلة، بضخامة أجهزة الاتصال الإلكترونية التي جعلت حتى الأخطاء التافهة تتحول إلى أخبار تصل للملايين من المتعطشين بالصوت والصورة، مقارنة مع أجهزة الإعلام الرسمي، وصحفه وقنواته، التي بقيت محصورة في ثلاث قنوات تلفزيونية، لا تسمن ولا تغني من الجوع الإعلامي.

وكان طبيعيا ن تتضخم هذه الحملة الإعلامية، وتتوسع إلى المجالات الاقتصادية والسياسية، وتصبح بكل وضوح خطرا على المستقبل المغربي، وها هو فيما يتعلق بالمجالات الاقتصادية، وزير سابق، صلاح مزوار، عندما أصبح رئيسا لفيدرالية رجال الأعمال، وعلى ضوء تجربته الواسعة كوزير سابق في الاقتصاد، يوجز الوضعية المستقبلية للمغرب في استجواب صحفي بقوله: ((إن المؤشرات لا تبشر بالخير)).

وإذا كان الوزير مزوار، وهو محسوب على النظام(…) وعلى الطبقة الحاكمة، يحكم على المستقبل بأنه لا يبشر بالخير. فماذا يقول الرأي العام يا ترى؟ رأي عام البؤساء والمعوزين.

وتكشف مجموعة الصور، المنشورة في الصفحة الأولى، ترجمة حية صريحة واضحة لهبوط المستوى، حين يتهافت عدد من ذوي المصالح، على تقبيل الأيادي، بهذه الطريقة الإذلالية التي تكرس ظهور طبقة من الانتهازيين يقبلون الأيادي اليوم، وربما يقبلون الأرجل غدا، في زمن تهافت فيه الكثيرون من أصحاب الرأي الآخر على انتقاد قبلة اليد الملكية، انتقادا تدخل في شأنه الملك بنفسه، ليعفي المسلِّمين عليه من تقبيل يده. فهل تنازل الملك عن تقبيل يده لينكب آخرون على تقبيل الأيادي الأخرى؟

أم أن هؤلاء المتهافتين على تقبيل أيادي كل من بيده نفوذ(…) يعني بروز الحاجة عند المغاربة إلى تقبيل الأيادي، أيادي كل من هب ودب، للوصول إلى الاستجابة لمطالبهم.

أكيد أن الشعب المغربي ذي التكوين الديني العميق، والتربية الإسلامية المتأصلة، يعرف أن تقبيل أيادي الوالدين، وحتى تقبيل يد الملك، بصفته الأب الروحي للمغاربة جميعا، أصبح بحكم سقوط المستوى،و الاحتياج يوزع القبلات على أيدي كل من يلبس جلباب المخزن، كوسيلة انتهازية لقضاء حاجاتهم، أم أن طبقة من المغاربة، مجبولة على الخضوع والخنوع، مستعدة لتقبيل كل يد يرون في صاحبها مصلحتهم.

يحكي المستشار الفرنسي “كوستاف بابان” في مذكراته عن أيام الباشا التهامي الكلاوي، أن تقليد الانحناء أمام السلطان ((كان من التقاليد التي فرضها المارشال ليوطي إلى أن حصل يوما أن الباشا الكلاوي نفسه، وفي يوم العيد الكبير، جاء للسلام على السلطان مولاي يوسف، فرفض الكلاوي أن ينحني أمامه، أو أن يقبل يده، الشيء الذي جعل قائد المشور ينهر الباشا الكلاوي ويحني له رأسه بقبضته، إلى أن لامست جبهة معاليه التراب، وكانت فضيحة اهتز لها القصر)) (كتاب الباشا الكلاوي. كوستاف بابان).

أكيد أن صورا كهاته التي انتشرت مؤخرا، ربما تكرس هذه الظاهرة التي لم يسبق لها نظيرا في أيام الحسن الثاني، الذي كان المغاربة لا يقبلون إلا يده، وكان رجال المخزن أصحاب الجلاليب والسلاهم يتفادون إعطاء أيديهم للتقبيل، خوفا من أن تصل الصورة إلى الملك الذي كان بالتأكيد يؤدب كل مسؤول يسلم يده للتقبيل، على الأقل بطرده أو إبعاده عن المسؤولية المخزنية.

أم ترى يرجع بنا الزمن إلى أيام دخول الاستعمار الذي كان يستلهم ضعف الرجال، لتجريد المغرب من استقلاله وشخصيته، وهذا هو الواقع الذي تكرسه مظاهر المغاربة، وقد أصبحوا بحكم ضعفهم يقبلون الأيادي لكل مقرب من جهاز المخزن، ونحن نعرف أن كل من ينحني على يد يقبلها فإن لسانه بالتأكيد يردد في سره: الله يبارك فعمر سيدي.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

Open

error: Content is protected !!