في الأكشاك هذا الأسبوع
الحسين الوردي

أطباء يفضحون ثغرات قانون قد يلطخ يدي وزير الصحة بالدماء

      أصدر وزير الصحة خلال الأيام الأخيرة، قرارا يقضي بإغلاق 8 مصحات خاصة في مدن مختلفة بدعوى الجمع بين العمل في القطاع الخاص والعام، لكن المتتبعين لمسار الحسين الوردي الذي أصبح يحرسه حراس الأمن الخاص، وقف عاجزا عن وضع حد لنشاط ضريح “بويا عمر” الموجود قرب مراكش والذي يقدم خدمات علاجية من نوع خاص، لا تخضع للمنطق مطلقا.

وإذا كان البعض يجد في بويا عمر علاجا للجنون، فإن مشروع القانون الخاص بإصلاح مهنة الطب، والذي “تسرع” الوردي في إخراجه للوجود، قد يكون سببا في إصابة بعض الأطباء بـ”الحمق” نظرا لما يحمله من تناقضات، تؤكد أن واضعيه لا علاقة لهم بالطب، حسب ما يؤكده المهنيون.

الرباط: سعيد الريحاني

————————–

لا مجال للحديث عن سياسة صحية ناجعة في المغرب إلى حدود اليوم، ومن يشكك في هذه الخلاصة ما عليه سوى طرق أبواب أحد المستشفيات الجامعية، ليقف بأم عينيه على “المجازر” التي ترتكب يوميا في حق المواطنين، ماديا ومعنويا، والمثال هنا من إحدى ملحقات المستشفى الجامعي ابن سينا في الرباط، حيث يتم إلزام المواطنين بالدفع قبل الولوج للخدمات(..)، وفي بعض الحالات يتم إرغام المرضى على شراء لوازم العمليات بمبالغ قد تصل إلى الملايين، وفي الأخير يخبرهم موظف الاستقبال بغياب وجود سرير لإجراء العملية، فتضطر العائلة للحفاظ على “صمامات اصطناعية للقلب” لمدة تزيد عن أسبوع في البيت في انتظار حلول موعد العملية، الذي قد يتأخر إلى أن يقضي الله أمره.

————-

هل تعرف وزارة الصحة معنى كلمة “طبيب” ؟

قمة المفارقات، هي أن المغرب الذي لم يحقق بعد اكتفاءه الذاتي من الأطباء، يتوفر على 70 ألف طبيب يمارسون بالخارج، منهم 1100 طبيب في فرنسا وحدها، هذا الرقم وحده كفيل بتأكيد عدم وجود انسجام بين خطط وزارة الصحة وبين “طموح” وأحلام الطبيب، فمهما كانت الأسباب يبقى الاستغناء عن طبيب أحد أبشع وجوه هجرة الأدمغة، التي قد يساهم في استفحالها مشروع القانون الذي تبناه الوردي، والذي يهدف إلى “إصلاح مهنة الطب”.

ويعرف مشروع القانون الجديد (رقم 13.131) المتعلق بمهنة الطب، هذه المهنة (الطب) بكونها “مهنة إنسانية، تهدف إلى حفظ ودعم صحة الأفراد والسكان والوقاية من الأمراض وعلاجها وكذا البحث العلمي في ميدان الطب”، غير أن هذا التعريف يبدو كلاسيكيا في نظر الأطباء، حيث يقول بعضهم إن تعريف الطب يجب أن يشمل البحث في ميدان البيولوجيا والكيمياء والتكنولوجيا الحديثة، لما لهذه الميادين من علاقة مع الطب.

ولا تقف تناقضات القانون المذكور عند حدود التعريف بل إن إشكالا حقيقيا تطرحه كل من المادة 2 التي تقول: “الطب مهنة لا يجوز بأي حال من الأحوال وبأي صفة من الصفات أن تمارس باعتبارها نشاطا تجاريا..”، والمادة 58 التي تقول: “يمكن حيازة المصحة من قبل شخص ذاتي شريطة أن يكون طبيبة أو طبيبا أو من قبل مجموعة من الأطباء أو شركة تجارية..”.

هكذا يظهر الشيطان في التفاصيل، والشيطان هنا هو الشركات التجارية، وهذا ما تخفيه الدعاية لهذا القانون المعيب في نظر الأطباء، “اسمحوا لي أن أشبه ما يجري، اليوم، بالحملات الدعائية والتقييمية التي تسبق عادة تفويت ضيعات “صوديا” و”صوجيتا” وإيهام الرأي العام الوطني أنها لم تعد منتجة وخوصصتها تندرج في إطار المشروع الكبير للمغرب الأخضر(..) التشبيه بين مشروع في حملتي التشويه والتشهير الممنهجتين للأطباء التي تسبق طرح مشروع قانون ممارسة الطب، وفتح رأسمال المصحات على الاستثمار الخارجي. ومن حق نقابتنا أن تتساءل عما إذا كانت خوصصة الصحة تندرج في إطار: “المغرب الأبيض (الوزرة البيضاء) أو المغرب الأحمر (الاشتغال في الدم)؟”، (مقتطف من تعليق الدكتور: محمدين بوبكري من النقابة المستقلة لأطباء القطاع العام على مشروع القانون المذكور).

—————-

كيف يمكن لجاهل بالقانون أن يشرع

هناك عدة مواد تؤكد بالملموس أن من يشرع لممارسة مهنة الطب في المغرب لم تكن لديه دراية ببعض القوانين الأخرى، فما معنى أن تنص “المادة 25” الخاصة بشروط ممارسة مهنة الطب على أن يكون الطبيب مزدادا في المغرب، أو أقام فيه لمدة تزيد عن 10 سنوات، في حين أن الفصل 11 من قانون الجنسية يمنح حق اكتساب الجنسية للأجانب في 5 سنوات، “المادة يجعل واضعوها مقتضيات القانون الدولي الخاص”، يقول بوبكري.

كما يفتح الفصل 29 المجال أمام القوافل الطبية، ومشاركة الأجانب فيها، غير أنه يبدو فصلا غير واضح، لأنه لم ينتبه إلى خطورة فتح التراب الوطني أمام قوافل أجنبية باسم البعد الإنساني، في حين أن الواقع يؤكد أن هناك منظمات تستغل هذه النقطة لتمرير خطاب سياسي (حالة الصحراء المغربية مثلا).

ويبدو جليا من خلال مشروع القانون المذكور أن الهاجس الذي تحكم في واضعيه هو فتح المجال أمام تحرير رأس مال المصحات الخاصة، وعدم قدرة القطاع العام على منح العلاجات، غير أن تطور الأمور سيفضي لا محالة انتشار أكبر للقطاع الخاص أمام تراجع القطاع العام، في ظل التدهور التدريجي للمؤسسات العمومية، وارتفاع أرقام السياحة الطبية، خلافا لمقتضيات الخريطة الصحية.

————-

هل هي خروقات دستورية ؟

ينص الفصل 13 من الدستور على أن السلطات العمومية: “تعمل على إحداث هيئات للتشاور، قصد إشراك مختلف الفاعلين الاجتماعيين، في إعداد السياسات العمومية وتفعيلها وتقييمها، إذن أين هي هيئة التشاور التي أعدت مشروع قانون ممارسة الطب، ألا يعد هذا خرقا دستوريا؟

ويكشف الدكتور بوبكري، إحدى الجزئيات التي تطرح الكثير من علامات الاستفهام حول الاختصاصات، ما معنى أن يقترح أنس العلمي المدير العام لصندوق الإيداع والتدبير على السعوديين إنشاء مشاريع استثمارية في المغرب، في الوقت الذي طرح فيه السعوديون إنشاء مستشفيات بالمغرب على الطريقة الألمانية.

والطريقة الألمانية لمن لا يعرفها والتي طبقت منذ سنة 1980 هي الطريقة التي تحولت بمقتضاها كل المستشفيات الألمانية إلى شركات تحت وصاية السلطة العمومية، فهل سيفوض المغرب صحة المغاربة المعروفين بقدرتهم الشرائية إلى شركات للتدبير المفوض على غرار قطاع الماء والأزبال والنقل(..).

————–

اقتراحات عملية للنهوض بالقطاع الصحي

يؤكد الدكتور الشهبي الاختصاصي في أمراض العيون استنادا على إحصائيات منظمة الصحة العالمية، أن المغرب لا يتوفر إلا على عدد قليل من الأطباء مقارنة مع الكثافة السكانية، حيث نجد طبيبا لكل 1600 مغربي، في الوقت الذي نجد فيه طبيبا لكل 360 مصريا على سبيل المثال، “ففي عهد حكومة ادريس جطو كان الوعد المضروب هو تكوين 3300 طبيب في السنة، بهدف تقليص النقص، لكننا للأسف لم نقلص هذا الخصاص، وبالتالي استمر التساؤل حول الأطباء الذين تم تكوينهم في جميع الاختصاصات.

ولا تقف مشاكل الدولة عند حدود الخصاص بل إن هذا القطاع قد يبدو فوضويا من خلال الحديث عن إحدى الجزئيات غير المعروفة، حيث يلجأ الطلبة “الساقطون” في مهنة الطب بالمغرب إلى دول أخرى من أجل الحصول على دبلومات كالسينغال وتونس، ثم يعودون لمزاولة المهنة في المغرب، دون حاجة للنجاح.

وسبق للدكتور الشهبي أن قدم عدة مقترحات للنهوض بالقطاع الصحي في بحث خاص حول “المنظمة الصحية بالمغرب” غير أن هذه المقترحات لم تجد طريقها إلى التنفيذ، طالما أن وزارة الصحة لا تأخذ بعين الاعتبار اقتراحات المشتغلين في القطاع.

من بين الاقتراحات، يؤكد الشهبي حاجة المغرب إلى تكوين نوعية خاصة من الأطباء تحت اسم “طبيب القرية” وهو ليس طبيبا بالمعنى الجهوي ارتباطا بالجهة، بل هو طبيب يتم تكوينه في ظرف 5 سنوات بعد البكالوريا، ويكون مختصا في بداية مشواره بتشخيص التهاب اللوزتين، والحميراء، والحصبة، والتوليد، والتلقيح، وتضميد الجراح(..) وأثناء فترة اشتغاله يواصل تكوينه، مما سيؤهله إلى العودة لسلك كلية الطب.

كما يقترح الشهبي اعتماد نظام الطبيب الزائر وهو نظام سبق تجريبه في عدة دول خليجية، حيث يتم فتح الباب أمام أطباء أجانب للقيام بحملات صحية تتعدى التشخيص إلى القيام بعمليات جراحية، حسب شروط تحفيزية، غير أن الشهبي يقترح أن تكون هذه التجربة تجربة مغربية خالصة وتطبق في المناطق النائية، مخصصة لمعالجة المرضى الذين يصعب عليهم التنقل على المدن.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!