في الأكشاك هذا الأسبوع

الحقيقة الضائعة| الأحزاب التي أسسها أصدقاء الملك.. حزب الأصالة انتحر عندما دافع عن تجار الحشيش

بقلم: مصطفى العلوي

ونستمر في استعراض الأحزاب التي أصبح تقليدا عندنا أنها تنشأ على هامش الأحزاب التقليدية التي لا ثقة فيها(…)، وقد حصل أن الحسن الثاني، عندما أحس بالطمأنينة مع حزب صهره عصمان، وحزب أرسلان الجديدي، فأعجبته التجربة، ليضيف إليها حزبا ثالثا أسند تشكيله إلى صهر آخر، النقابي، المعطي بوعبيد، الذي أسس حزب الاتحاد الدستوري، وأسند إليه مقابل هذا التجديد رئاسة الحكومة، هو أيضا، ولكن يجب الاعتراف بأن الملك الحسن الثاني كان يمارس أيضا دور رئيس الجوق بالعصا التي كانت بين يديه، في شخص إدريس البصري، كان يؤشر إلى الثلاثي الحزبي، لتبقى المعزوفة السياسية متناسقة.

ولم يكن وريثه الملك محمد السادس بعيدا عن هذه السمفونية السياسية، التي كشف واحد من زملاء محمد السادس في المعهد الملكي، حسن أوريد، وكتب: ((إن الأصالة والمعاصرة مفهوم أبدعه الجنرال الفرنسي ليوطي لحكم البلاد بطريقة سلسلة لكنه فشل)).

والأصالة والمعاصرة التي أبدعها ليوطي، هو الاسم الذي أطلقه صديق الملك محمد السادس، فؤاد علي الهمة، على حزبه الذي تأسس على مرحلتين، مرحلة التفكير في إطار تأسيس حركة “لكل الديمقراطيين”، كانت كالنادي الذي استقطب نخبة من الراغبين في دعم هذا الملك الجديد، الذي بدأ مسيرته الملكية بإعلان نفسه ملكا للفقراء، والفقراء فعلا، هم الأغلبية الساحقة في هذا المجتمع المغربي، وكانت بداية مبشرة توجها الملك محمد السادس بإبعاد وزير الداخلية القوي إدريس البصري، وزينها بإعلان العفو عن السياسيين المبعدين، أبراهام السرفاتي، والفقيه البصري، وقد اكتشف فؤاد الهمة وهو يتفحص وثائق وزارة الداخلية، أهمية النخبة من المنتمين للاتحاد الاشتراكي، والذين كانوا مبعدين أيام الحسن الثاني وإدريس البصري، فطلب وقتها من صديقه عزيز أخنوش، وكان يسكن في شاطئ بوزنيقة أن يفتح بيته لعقد جلسات سرية يجتمع فيها فؤاد الهمة بالنخبة من هؤلاء الشبان الذين كانوا ثوريين، بل إن الاتحادي الساسي، وكان يشارك في هذه الجلسات، كشف في حديث صحفي أنه بالإضافة إلى الاتحادي الآخر حفيظ، كان يحضر مبعوث ملكي آخر، هو المستشار الملكي المعتصم الذي كان بمثابة عيون الملك وآذانه، بل إن فؤاد الهمة في هذه الفترة، ربط الاتصال بقطب من أقطاب الاتحاد المغربي للشغل، أمين سر المحجوب بن الصديق، الحسن بن عدي ليجعل منه قطب استقطاب عناصر أخرى، لولا أن نبتة الحكم التي كانت في بداية أيامها زاهرة مورقة، سرعان ما كبرت ونمت وأصبحت تغري صديق الملك، بأن تتضخم بسرعة، وتصبح حزب الأصالة والمعاصرة.

الحزب الذي ولد ذات ليلة في بيت أمين عام حزب الأحرار الذي خلف عصمان، وهو مصطفى المنصوري الذي أصبح بدوره يتقرب من صديق الملك فؤاد الهمة، فدعاه يوما لغذاء ضخم في بيته، حين جاء الهمة مرفوقا بنخبة من المقربين المجاملين للسي فؤاد، مزوار، والطالبي العلمي، وزنيند الذي ألقى خطابا قصيرا عن مسار حزب الأحرار، وربما كان يستهدف استقطاب الهمة ورفاقه للدخول في حزب الأحرار، فأعطى نبذة عن تأسيس هذا الحزب بدعم ملكي، ليجيبه فؤاد الهمة، وإذا كان عصمان أسس حزبا بدعم من الملك الحسن الثاني، فلماذا لا نفعل مثل عصمان، وكان هناك انطلاق الحزب الجديد لفؤاد الهمة والذي سماه حزب الأصالة والمعاصرة.

لكن طاحونة الحكم، بحكم تضخمها يوما بعد يوم، وجشع الهيمنة على المقاعد البرلمانية والمناصب الحكومية، كانت أكبر من طموحات صديق الملك، الذي أراد بدون تجربة سابقة، أن يكرس أساليب الحكم الشيوعي في الهيمنة على مقاليد الحكم، وفرصه السانحة في استقطاب أصحاب الأموال ليقول المفكر الطوزي في ندوة لمنظمة عبد الرحيم بوعبيد: ((إن هذه المبادرة من أجل إعادة هيكل الحكم السياسي من فوق(…)))، ويسنده المفكر الآخر، ظريف، ليقول: ((إن مبادرة فؤاد الهمة تستهدف إعادة هيكلة الحقل السياسي من فوق(…) بدافع من الحاجة إلى إعادة هيكلة الحقل السياسي، والحاجة إلى ملء الفراغ، وأنصح الهمة الذي جاء لمواجهة الإسلاميين بضرورة مراجعة هذا التوجه)).

ليسارع مفكر آخر، عمر بن دورو، إلى الكشف عن المخطط الحقيقي، ويكتب: ((إن حزب الأصالة يريد الحصول على أغلبية ليصل إلى الحكم، وهو نفس المشهد يعاد إنتاجه كما حصل في السبعينات حين أقدم الحسن الثاني على خلق حزب التجمع الوطني للأحرار)).

ويتولى ذوو الأغراض المستعجلة، وخاصة أولئك الذين يريدون الاستفادة من الحزب الجديد، هم الذين يضعون ثقل الادعاء بأن الحزب حزب الملك، ليزكوا العهد الجديد الذي أصبح فيه حزب الأصالة بين ليلة وضحاها هو حزب الأغلبية.

ويتضخم الوضع بالنسبة لفؤاد الهمة الذي غادر وزارة الداخلية ليتفرغ للحزب(…) وللانتخابات، وللتعيينات والامتيازات، ويضطر فؤاد الهمة ليقول: ((هل نحن حزب الملك، لقد قدمنا ما يكفي من الأجوبة، فنحن وراء مشروع مركزه الملك، ولكن مبادرة تأسيس الحزب تبين أنه غير مرغوب فيها)) (مايو 2009).

كيف لا، وها هو الصحفي رشيد نيني يكتب افتتاحية عنوانها: ((شركة الأصالة والمعاصرة المجهولة)) مدرجا هذا الحزب في سياق التجارة.

ولن ينتظر الانتهازيون الكبار طويلا، وفي صفقة سرية، يعلم الله كم دفعت فيها من ملايير(…)، ربما أخذت فيها بعض الأطراف الانتهازية من حزب الاستقلال نصيبها، ليعلن نواب حزب الأصالة وحزب الاستقلال لا تضامنا في إطار خدمة المصلحة العليا للبلاد، وإنما لتقديم مذكرة إلى البرلمان يطالبون فيها بالعفو على مزارعي الكيف والحشيش، وقال واحد من أعضاء حزب الأصالة، وقد أمضى الطلب، واسمه المحرشي: إننا نطالب بالعفو عن 58 ألفا من مزارعي الحشيش، ليسندهم النائب الاستقلالي نور الدين مضيان، ويقول: ولقد سبق لنا أن قدمنا هذا المشروع للمطالبة بالعفو العام عن مزارعي الكيف.

وربما كانت تلك هي الضربة القاضية التي تلقاها حزب الأصالة والمعاصرة في عز شبابه، حين كانت المسؤوليات الكبرى للتضخم قد غلبت فؤاد الهمة، الذي أصح يسند مهامه إلى شخص يسمى إلياس العمري، تقول الأخبار المؤكدة أنه أرفقه معه مرة إلى داخل القصر، وكانت تلك هي الغلطة الكبرى التي تضخمت بشكل تسربت فيه خطب العمري وتصريحاته بدافع من أفكاره القديمة(…) ليصبح الحزب الذي أصبح العمري هو الناطق الرسمي باسمه، يتبنى بعض الأفكار المتناقضة مع رسالة حزب يقال أنه حزب الملك، فيكتب العمري بعناوين ضخمة ((بأن دستور 2011 هو حكاية رديئة)) (تيل كيل. 4 أبريل 2013).

التناقض الذي جعل مؤسس الحزب، الهمة، يعلن للملإ استقالته من الحزب، ليذهب إلياس العمري إلى أبعد منه ويعلن: أن فؤاد الهمة لم يبق صديقه.

ولكن أصدقاء الهمة الحقيقيين في الحزب، فهموا الحكاية، وقرروا مغادرة الحزب بعد مغادرة الهمة، فانسحب أمين عام حزب الأصالة النقابي حسن بنعدي، وانسحب قطب الحزب، التقدمي صلاح الوديع، الذي أعلن للصحافة أن بينه وبين حزب الأصالة اختلاف، وانسحب المفكر الصحفي للحزب البشير الزناكي، الذي قال لجريدة “الحياة” 15 مايو 2009 بأنهم في الحزب اختاروا أشخاصا لهم ماضي أسود.

وانسحب الأقطاب السياسيون الذين سبق لهم أن أدمجوا أحزابهم في حزب الأصالة، نجيب الوزاني، وقطب حزب البيأة أحمد العلمي، كما انسحب قطب الحزب، الحبيب بلكوش، ليعلن فؤاد الهمة نفسه أن المشروع السياسي للأصالة والمعاصرة تعرض للانحراف، علما بأن المنطق يقضي بأن في استقالة فؤاد الهمة نهاية لهذا الحزب.

ويستغرب الكاتب الصحفي مصطفى الفن، ناقلا عن إلياس العمري تهديده بقوله: ((إذا تكلمت فكلشي غادي يهز باليزاته ويهرب إلى الخارج))، وأن قائل هذا التعبير طغى بشكل جعله كلما التقى ببعضهم يقول لهم: ((إن الملك سألني عنكم، إنني أرى من المهم أن أقول لهؤلاء الأثرياء الجدد داخل حزب الأصالة لم يسيئوا فقط إلى مؤسس الحزب، ولكني أريد أن أدلي بوجهة نظري حول اغتناء تيار داخل حزب الأصالة في خمسة أيام دون أن تتحرك أجهزة المحاسبة)) (موقع أذار).

ربما حتى ملك البلاد لم يقبل هذا المسار الذي جعل بعض أقطاب حزب المعاصرة، يجدون أنفسهم – كما قال حسن بنعدي – معنيين بالخطاب الملكي الذي تحدث عن الفاسدين.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

Open

error: Content is protected !!