في الأكشاك هذا الأسبوع

حالة الطوارئ في فرنسا وإشكالية التوفيق بين الأمني والحقوقي

محمد البشاري

أمست فرنسا هدفا للعمليات الإرهابية في الداخل والخارج، وكل يوم تكتشف العناصر الأمنية، مشروعا إرهابيا يستهدف أرواح الأبرياء من الأطفال والنساء وكبار السن، ويضر بالمنشآت الحكومية والخاصة.

فسلسلة الهجمات الإرهابية التي تعرضت لها فرنسا في السنوات الأخيرة، والتي راح ضحيتها المئات بين قتيل وجريح، أمام هذه المخاطر، واستجابة لتخوف المواطنين من استفحال ظاهرة الإرهاب، قام الرئيس الفرنسي آنذاك، فرانسوا هولاند، ورئيس وزرائه مانويل فالس، بفرض حالة الطوارئ في البلاد، واتخاذ العديد من التدابير التي تراعي الجانب الأمني فقط دونما أي اعتبار آخر، لا سيما بعد أحداث الثالث عشر من نونبر 2015.

لكن العديد من الساسة الفرنسيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، والكثير من جمعيات المجتمع المدني الداعمة للحريات، انتقدوا حالة الطوارئ التي تعيشها الدولة، بسبب العديد من المضايقات والانتهاكات للحريات الفردية والكرامة الإنسانية، لا سيما تلك التي واجهتها الجالية الإسلامية في كافة أنحاء فرنسا، إذ جرى تنفيذ العديد من حملات المداهمة الإدارية دون إذن من القضاء، بالإضافة إلى إصدار الإقامات الجبرية بحق الأشخاص الذين يشكلون تهديدا “محتملا” للبلاد، وكل ذلك من دون إذن قضائي، ليشبه ذلك إلى حد كبير، الإجراءات التي سبق أن تضمنتها حالة الطوارئ، مما دفع بفيونولالا ني أولين، المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحماية حقوق الإنسان في سياق مكافحة الإرهاب، بإصدار تقرير نقدي عن انتهاك الحقوق والحريات التي ارتكبتها فرنسا باسم مكافحة الإرهاب، إذ قالت المقررة الخاصة للأمم المتحدة، التي كانت في مهمة في فرنسا من 14 إلى 23 مايو، إنها “قلقة للغاية” بشأن انتهاك الحقوق والحريات الأساسية التي تمثلها القوانين الفرنسية لمكافحة الإرهاب، ناهيك عن التدابير الواردة في حالة الطوارئ والقانون لتعزيز الأمن الداخلي ومكافحة الإرهاب، التي دخلت حيز التنفيذ في 1 نونبر 2017، ما يسمح بإغلاق أماكن العبادة أو تقييد حرية الحركة للأشخاص الذين ينظر إليهم على أنهم “تهديدات”، بقرار بسيط من وزير الداخلية.

ذلك أنه بعد مرور قرابة عامين على أحداث باريس الدامية، يدخل القانون الخاص بالأمن الداخلي ومكافحة الإرهاب – الذي لم يلق ترحيبا من قبل الكثير من الجمعيات الحقوقية والمدافعين عن حقوق الإنسان – حيز التنفيذ منذ نونبر 2017، بعد رفع حالة الطوارئ التي جرى تمديدها من قبل الجمعية الوطنية الفرنسية 6 مرات متتالية منذ أواخر عام 2015م.

وفي الأساس، كان قانون مكافحة الإرهاب، الذي أقره البرلمان الفرنسي في 18 من أكتوبر 2017، يهدف إلى تعزيز صلاحيات السلطة الإدارية (المتمثلة في وزارة الداخلية والمسؤولين المحليين)، لفرض تحديد نطاق حركة أي شخص والقيام بعمليات تفتيش وغلق أماكن العبادة والاطلاع على الهويات عند الحدود.

وعلى الرغم من أن المقررة الأممية تعترف بوجود “آلية مهمة للرقابة التشريعية والقضائية”، فإنها مع ذلك تشعر بالقلق إزاء “حدود المسؤولية عند انتهاكات حقوق الإنسان”، فضلا عن عدم وجود سلطات تعويضية لحماية حقوق أولئك الخاضعين للتدابير الإدارية، وفقا للأمم المتحدة.

ومن الواضح أن المجتمع المسلم الفرنسي هو الذي كان محور إجراءات الطوارئ، سواء أثناء حالة الطوارئ، أو بموجب القانون الجديد، إلى جانب “تدابير مكافحة الإرهاب”، وقالت فيونولالاني أولين، مشيرة على وجه الخصوص، إلى احتمال قيام السلطات الإدارية الفرنسية بإغلاق المساجد دون الحاجة لقرار المحكمة، بالنسبة للمقرر الخاص للأمم المتحدة، “من المقلق للغاية أن نرى أن الأقلية المسلمة تعتبر نفسها مجموعة مشبوهة بسبب التطبيق المطول لقوانين مكافحة الإرهاب”.

واعترفت السيدة أولين، بـ”العمل الاستثنائي”، الذي قامت به فرنسا لضحايا الإرهاب ومبادراتها المهمة ضد التطرف في المدارس والسجون، ومع ذلك، أشارت إلى أن مكافحة الإرهاب يجب أن تتم فيما يتعلق بجميع الحقوق، “يجب على فرنسا مواصلة العمل في شراكة حقيقية مع جميع مواطنيها واتخاذ تدابير محددة لمنع مثل هذا الدمج، الذي ينطوي على التمسك بشكل خاص بأفضل الممارسات من حيث الضوابط المستقلة، والتشاور المجتمعي، والوقاية عندما تكون انتهاكات حقوق الإنسان قد ارتكبت بوسائل قضائية أو إدارية”.

وسعيا للحد من الخطر الإرهابي الذي يهدد المجتمع الفرنسي بعيدا عن التدابير الأمنية، تأتي “الخطة الوطنية لمكافحة التطرف”، التي كشف عنها رئيس الوزراء الفرنسي إدوارد فيليب في شهر فبراير الماضي لمكافحة التطرف، لاسيما في السجون والمدارس والفضاء الإلكتروني والمساجد التي تنتشر فيها الدعاية الراديكالية، لما لهم من تأثير في نشر الإيديولوجيات المتطرفة والمرتبطة بجماعات الإسلام السياسي والقتالي على حد سواء، ويبدو أن الحكومة الفرنسية تعتمد على “الوقاية من أجل الحماية”.

ورغم هذه الخطة التي تحاول بشكل أو بآخر، تطويق التطرف وتجفيف منابعه، إلا أننا نرى أن التصدي لظاهرة التطرف، لا يقتصر فقط على التدابير الأمنية، بل لابد من خطوات وقائية للوقوف على الأسباب والدوافع التي تقود الأفراد إلى الوقوعِ في براثينه والسّخط على المجتمع.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

Open

error: Content is protected !!