في الأكشاك هذا الأسبوع

الحقيقة الضائعة | عندما كشف الكاتب الخاص للفرنسيين عن ثروة السلطان أغنى رجل في المغرب سنة 1925

بقلم. مصطفى العلوي

   ليس سرا، أن الملك الحسن الثاني، عندما كان شابا متبدئا ووليا للعهد، قبل أبوه محمد الخامس أن يشتغل هذا الأمير، بحثا عن مدخل عيش، موظفا في الشركة التجارية الشبه حكومية “أونا” التي كانت قبل الخمسينات، شبه شركة حكومية، يرأسها الحاج التهامي الكلاوي، وتؤكد الكتب المنشورة عن “أونا” أن مولاي الحسن كان يشتغل بها بحثا عن الأجر، وربما أصر بعد أن أصبح ملكا مطلوق الأيادي، منتقما من أيام الميزيريا(…) أن يشتري أغلبية أسهم هذه الشركة التي أدرجت من بعد في الرصيد التجاري، التابع للقصر الملكي.

كذلك كتبت في مؤلفي “الحسن الثاني الملك المظلوم” كيف أن السمسار المغربي، التهامي، حكى لي يوما: ((أنه اشترى لولي العهد، فيلا صغيرة، خلف فندق يتواجد في شارع الجزائر بالرباط، وعندما طلب التهامي من ولي العهد مصاريف التسجيل، قال له الأمير: صرح لهم بقدر ضئيل، كثمن للشراء، حتى لا تدفع مصاريف التسجيل مرتفعة)).

كذلك يتذكر الحاضرون يوم رجوع محمد الخامس من المنفى كيف أنه بعد عبوره للطريق من المطار إلى القصر، وسط الأمواج البشرية من المستقبلين، وبعد دخوله إلى القصر الملكي، وجده فارغا من كل أثاث، لأن العبيد، بعد ترحيل السلطان السابق محمد بن عرفة من القصر الملكي، استولوا على الأثاث كله، وبقي الملك محمد الخامس محتارا أمام هذا الفراغ، فكلم باشا الرباط، العباس التازي، صاحب قصر التازي المشهور أن يؤثث القصر الملكي من أثاث بيته.

ذلك لأن أمجاد هذا الملك العظيم، العائد من المنفى، لم تكن مالية ولا مادية، لذلك بقي إلى اليوم معبود الجماهير، وأنه كأغلبية أفراد شعبه عانى هو أيضا من الحاجة المادية، الواقع الذي جعله أياما قليلة بعد رجوعه من المنفى، يبتدع طريقة شعبية، حيث كان سكان الرباط، يرونه بصفة تكاد تكون يومية، ينزل إلى شوارع المدينة وهو يسوق سيارته الفارهة، وحيدا تقوده سيارته بصفة شبه يومية إلى حي الصناع التقليديين بسلا، حيث ينزل عند أحد أصدقائه من الصناع ليوقف سيارته، وينزل لتناول كأس من الشاي عند صديقه، بالجبل الذي أصبح اليوم يسمى سلا الجديدة.

لقد كان محمد الخامس بالتأكيد، يعرف، وربما يحفظ نصيحة ابن خلدون في مقدمته: ((إذا تعاطى الحاكم التجارة، فسد الحكم وفسدت التجارة)).

لقد أطلت في هذا التمهيد لأصل للحديث عن سلامة الملك النموذجية عن كل المظاهر التجارية، والكثير يشهدون، كيف أن الملك الحسن الثاني بالغ في جمع الثروات وبناء القصور، وكيف أن النخبة من المقربين منه، أصبحوا يتعاملون بالملايير، لندرك في حاضرنا استمرار هذا الواقع الذي جعل بعض أعضاء الحكومة، هم أصحاب الملايير، الظاهرة التي تتناقض مع المنطق(…) وهي الظاهرة التي يخطئ الممارسون لها، وقد عميت أبصارهم عن القاعدة الأزلية التي فسر لنا ابن خلدون الحكيم مسارها في أنه ((عندما يرى صاحب الدولة(…) أنه أحق بتلك الأموال فينتزعها منهم لنفسه، وتتنكر الدولة لهم، فيعود وبال ذلك على الدولة، بفناء حاشيتها ورجالاتها، وأهل الثروة فيها، والنعمة من بطانتها، ويتقوض بذلك كثير من مباني المجد)) (مقدمة ابن خلدون).

فليس حاضر حالتنا التي شاهدناها معا، هذه الأيام(…) بالظاهرة الجديدة التي اتخذت شكل ردة فعل المقاطعة(…) وكل مقاطعة نجحت أو لم تنجح، تكشف عن ظاهرة الكراهية والرغبة في الانتقام، وهو الخطر الذي يتجاهل المعنيون به، قاعدة المصير الأزلي الذي عرض الكثير من السابقين إلى الفناء.

فعندما احتلت الحماية الفرنسية المغرب، سكت الكثير من المسؤولين والخبراء الفرنسيين، عن ظاهرة المقاومة المغربية للاحتلال، ليخصصوا كتاباتهم وتقاريرهم، لفساد الطبقة البورجوازية المغربية عن زمن كان فيه أثرياء المغرب أغنى من أثرياء العصر الحاضر، مقارنة مع سكان المغرب الذين كانوا لا يتعدون الخمسة ملايين من السكان، عند دخول الاحتلال الفرنسي، فاحتار المحتلون الفرنسيون، في طريقة التعامل مع أثرياء زمان، حتى اضطر الاستعماريون الفرنسيون إلى فرض قوانين، بقي بعضها إلى عصرنا الحاضر، حيث لازال المغرب الحالي لم يفصل بعد، في موضوع الأراضي الفلاحية المحتلة(…) من طرف المحظوظين الذين يبيعون ولاءهم للسلطان مقابل تلك الخروقات، والغموض الذي يلف ممتلكات الأوقاف، وغيرها من مخلفات الزمان الذي كان فيه السلاطين، يمنحون في إطار ما كان يسمى بالانتفاع المؤقت، ليكتب المؤرخ الفرنسي، دنييل ريفي، في كتابه الضخم “ليوطي والمؤسسات”، نماذج تعري للتاريخ المغربي أساليب التعامل، عند من شكلوا الثروات الضخمة بطرق مثيرة للاستغراب، لدرجة جعلت هذا المؤرخ يكتب عن واحد من أغنياء المغرب في ذلك الزمان، ويسمى عمر التازي بأنه: ((مخربق نشال، يهودي أكثر من اليهود، وذكي أذكى من أذكى الأوروبيين)) (كتاب ليوطي والمؤسسات. دنييل ريفي).

ويحكي كيف أن الحماية، اضطرت إلى الحد من الطموحات الاستيلائية لأربعة أثرياء مغاربة، امحمد المرنيسي، والحاج محمد بوهلال، ومحمد بن عبد السلام العلو، وعبد الرحمان بن جلون، وقد منحتهم الحماية للتخلص من أسالبيهم، مهام العضوية في المكتب الشريف للفوسفاط.

وعلى سبيل المثال، فالمسمى امحمد المرنيسي كان أغنى رجل في منطقة سايس ومنطقة الريف، وكان رئيسا للغرفة التجارية بفاس.

وكتب المؤرخ الفرنسي كيف أن الحماية لجأت إلى انتظار موت أو نهاية كل سلطان من سلاطين المغرب، لاسترجاع مائة ألف هكتار كل سنة، من المستفيدين من عطاءات السلطان، ينتظر الفرنسيون موته أو خلعه، لاسترجاع هذه الهيكتارات.

وكيف أن الحماية سمحت لقاضيين كبيرين، محمد رشيد العراقي، وعبد الرحمان القرشي، لإصدار فتاوي بنزع ملكيات الأراضي التي كان السلاطين يمنحونها لمن يرضون عنهم.

واحتار الاستعمار الفرنسي، لا مع الثوار ولا مع القبائل الثائرة، وإنما مع ثري مغربي كان يسمى المقري، الذي سكتوا عنه خوفا من نفوذه، وليس المقري الذي كان رئيسا للحكومة قرابة مائة سنة من الزمان، وإنما أخوه ((الذي عين ولده الطيب وزيرا للمالية، وولده الآخر باشا على الدار البيضاء، وأصبحت ثروته لا تستطيع الحماية أن تكون قادرة على الاستغناء عنه بعد أن حول الكثير من قصوره ومنازله إلى متاجر، متفادين ضخامة نفوذه الذي كان بضخامة الفيل)) (جريدة لوطان. عدد 4 دجنبر 1927).

وعندما ذكرت المعلومات التاريخية كيف أن الاستعمار الفرنسي حاول عدة مرات، خلع السلطان مولاي يوسف، وتعويضه بأحد أبناء عمومته، فإن السبب الحقيقي لم يكن سياسيا، رغم أن هذا السلطان، ساعدهم كثيرا سنة 1925 في مواجهة ثورة عبد الكريم الخطابي في الريف، وإنما كان المستعمرون الفرنسيون يريدون التخلص انتقاما من الكاتب الخاص، لمولاي يوسف، المسمى عبابو، وقد وصفه المؤرخ الفرنسي، دنييل ريفي بـ ((المكار، الخطاف، البارازيت، الذي شكل ثروة عمرانية ومالية وأصبح أغنى رجل في المغرب))، ولكنه يتصرف في السلطان بنفوذ جعل السلطان يميل إلى الاستغناء(…) والاستيلاء على الميزانيات المخصصة لتسيير القصور، حتى كتب المستشار كورو في 22 مايو 1913 رسالة إلى المقيم العام، يطلب منه الإذن لتسريح خدام وخادمات القصر الملكي بمكناس، كي يخرجوا للشوارع للاستجداء لأنهم لا يجدون ما يأكلون.

وبفضل الكاتب الخاص عبابو ((راقب الفرنسيون ثروة السلطان مولاي يوسف، وقد تضخمت في سنة 1912 من ثلاثة ملايين ونصف، إلى أربعة ملايين ونصف في 1920 لتبلغ ستة ملايين في سنة 1926 وربما هي أرقام كان يكشف عنها لهم الكاتب الخاص عبابو نفسه، وهو الذي دفع السلطان إلى الاستغناء ليشكل الفرنسيون لجنة للمتابعة، هجمت فرقة من الشرطة يوما على بيت الكاتب الخاص، ليحجزوا ثمانين صندوقا من الذخائر، ما بين أموال وجواهر وألبسة حريرية، يقول تقريرهم الذي كتب في 24 مايو 1928)).

فترة قصيرة من تاريخ المغرب، كشف عنها الفرنسيون بعد انتهاء حمايتهم للمغرب، ليفضحوا الطرق الغير السليمة، لبعض المحظيين المغاربة الذين كانوا بالنسبة لبعض السلاطين أصحاب السعادة والقدسية والمهابة، وكتب الفرنسيون، أنهم لصوص وخطافة ومكارين، لنفهم لماذا قال الملك الحسن الثاني، وكان يحفظ تاريخ المغرب، ويستوعب نصائح ابن خلدون، وهو يملي في آخر حياته مذكراته على الكاتب الفرنسي إيريك لوران: ((لقد أصبحت أشعر بأن شاه إيران – قبل سقوطه – أصيب بعاهة النخوة خصوصا بعد تنظيمه للمهرجان الألوهي في بيير سيبوليس، ويضيف: أما أنا فإذا فشلت في قضية الصحراء، فسأدخل للرباط لأجمع حقائبي، وأذهب للمنفى في فرنسا، أو في أمريكا، حيث أملك قصرا في نيوجيرزي)).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

Open

error: Content is protected !!