في الأكشاك هذا الأسبوع

الحقيقة الضائعة | الحريم السلطاني انتهى عندما سمى أحد السلاطين زوجته بالبرغازة

بقلم. مصطفى العلوي

     عجيب هذا التاريخ المغربي الذي يعيد نفسه، في كل حالة من حالات الحكم السلطاني، ومادام السلاطين يحكمون منذ وصول المولى إدريس إلى المغرب، فإن الذي كرس ظاهرة الإعادة طوال تبادل السلاطين، هو تواجد الحريم السلطاني، الذي سجله تاريخ السلطان العلوي، محمد الثالث، واسمه الكامل محمد بن عبد الله، وكان في مملكته هو أيضا، قطب حاكم يسمى أيضا، الحبيب المالكي، الذي اقتطع يوما منطقة خاصة به أدارها بسياج من الحراس، وسكن فيها، ابتداء من سنة 1767، ومنع أي أحد أجنبي من الدخول إليها، ليستغرب السلطان ويسأل جواسيسه الذين أبلغوه: بأن الحبيب المالكي يحتفظ في إطار مملكته الصغيرة، بحريم من النساء بلغ ثمان عشرة امرأة.. ليكلف السلطان بوليسه باعتقال الحبيب المالكي بتهمة الفساد وربما أيضا بتهمة الاتجار في البشر، وتم إيداع الحبيب المالكي في منطقة غائرة، لم تتحملها هو أيضا أعصاب المالكي، فمات من الغم، ولكنه دخل في تاريخ السلطان محمد بن عبد الله.

إلا أن الحديث وتأريخ واقع الحريم السلطاني، عرف بدوره استثناء في عهد السلطان العلوي مولاي إسماعيل، الذي اخترق قاعدة الحريم السلطاني المغلق، وقد خلف له أكثر من خمسمائة ولد وبنت، لكن رغبته في تقليد أو منافسة سلطان فرنسا، لويس الرابع عشر، جعله يختار من حريمه سيدة تسمى للا زيدانة، ظهرت أول مرة بجانبه في حفلة إعدام أحد المعارضين الأمازيغ ويسمى “مسلى إيزو” زعيم أيت عطا، الذي رفض مبايعة مولاي إسماعيل، واستغرب رجال المخزن الحاضرون، كيف أن زيدانة هي التي نزلت وهي ترتدي قفطانا فضفاضا أصفر اللون، لتعطي بيدها الإشارة بإعدام زعيم أيت عطا، ومرة شاهد السكان عربة السلطان تركبها زيدانة وهي تمسك بيدها سيفا، ليعرفوا أن السلطان القوي مريض.

ولكن.. وتكريسا للقاعدة المرتبطة بخلق الله، سلاطينا كانوا أو عبيدا، فإن السلطان مولاي إسماعيل، سرعان ما استغنى عن زوجته قاطعة الرؤوس، ليستحضر من الصحراء زوجة أخرى اسمها خناتة بن بكار المغافري، وهي التي لم تكن قاطعة للرؤوس مثل زيدانة، وإنما عالمة شاعرة مثقفة جعلتها هذه الميزات، تستقطب اهتمام مجموعة من الكتاب والصحفيين الإنجليز، أمثال الكاتب الإنجليزي “ويندوز” والسفير البريطاني في المغرب “شارل ستيوارت”، الذي أدرج اسمها في لائحة التشريفات الملكية البريطانية.

وبعد أن تدخل القدر ليجعلها السيدة الأولى(…) سنة 1714، بعد موت سليفتها في المحيط السلطاني، زيدانة، شوهدت خناتة بن بكار، في جلسة بروطوكولية مع السفير البريطاني “شارل ستيوارت”، وهي تمضي معه اتفاقية  تجارية بين المغرب وبريطانيا، وهي الجلسة التي خلدت هذه السيدة، أكثر مما خلده زواجها بالسلطان مولاي إسماعيل، خلدتها إلى عهدنا هذا، بعد ما كتبه عنها المؤرخ المرحوم عبد الهادي التازي في كتابه “أمير مغربي في طرابلس”.

وطبعا، رغم إعجاب السلطان مولاي إسماعيل بخناتة بنت بكار، فإنه وسع دائرته الثقافية، بالزواج بعائشة الرحمانية، ثم أراد أن يتذوق الطعم الإنجليزي(…) فتزوج بنتا إنجليزية اسمها “جانيت”، أطلق عليها بعد الزواج بها اسم بلقيس، ثم أنه بعد أن عين لدى الملك الفرنسي لويس الرابع عشر، سفيرا اسمه بن عائشة، سأله هذا السفير كي يرخص له بخطبة ابنة الملك الفرنسي الأميرة “دوكونتي” ليتزوج بها السلطان، لولا أن الملك الفرنسي أجاب بأنه على علم بحريم السلطان الذي يتناقض مع التقاليد الفرنسية.

التقاليد الفرنسية والحريم السلطاني المغربي، كانت موضوعا مطروحا للنقاش، حتى أيام سلطان آخر، سنوات طويلة من بعد، اسمه مولاي حفيظ، لم تسمح له ظروفه السياسية بالاستقرار طويلا في جنة الحريم(…) وهي الظاهرة التي كادت تنقرض تحت الضغوط السياسية(…) التي تجعل تمتع السلطان بهذه الشؤون(…) شبه مؤقت، فكان السلطان مولاي حفيظ وهو يعرف أن الفرنسيين أحضروه(…) فقط من أجل إمضاء عقد الحماية، الشيء الذي جعله يغرق متمتعا في الحفلات والسهرات، وكانت ظاهرة الصور جديدة على المجتمع المغربي، حتى إنه كلما قضى سهرة مع مجموعة من الفتيات، يتصور معهن، ويضع الصورة في إطار، ويضعها في الصالون، الشيء الذي تستغرب له الصديقات الغير مصورات، واللواتي ذهبن إلى لقصر مرة، وكان مولاي حفيظ قد توجه للصيد، فدخلت مجموعة من الصديقات(…) للصالون، وشاهدن الصور، فكانت النتيجة بعد رجوعه من الصيد، أن حصلت للسلطان مقاطعة من طرف صديقاته اللواتي لم يقبلن أن صديقهن السلطان يخرج مع النصرانيات، الشيء الذي جعل مولاي حفيظ يقول لأحد الصحفيين من أصدقائه: ((إن لأوروبا بعض التقاليد التي تجعلهم أحسن منا، فعندهم تقليد منع تعدد الزوجات ولهذا فإن الرجل رغم مخاصمته مع زوجته، يبقى مضطرا للبقاء معها، أما نحن…)) (النساء غير المحجبات. محمد بركاش).

ورجوعا إلى ذكريات الحريم السلطاني، يبقى واحد من سلاطين الدولة العلوية، ويسمى مولاي سليمان الذي يحمل مسجد السويقة في الرباط حاليا اسمه، وهو المسجد الذي بناه بعد أن سمع أن أختين في الرباط فاطمة الطريدة، وللا المطرودة، هربتا من أحد المعتدين عليهما(…) واصطدمتا مع جدار كان سبب موتهما، ليقرر السلطان بناء مسجد مولاي سليمان تخليدا لنبل الأختين الطريدة والمطرودة.. أما الزواج، ولا يمكن لسلطان أن يعيش دون زواج، لأن الزواج هو كمالة الحياة، فقد قرر السلطان مولاي سليمان، سنة 1811، أن يستقدم زوجته من ليبيا(…) حيث خطب بنت سلطان ليبيا، سيف النصر، كبير عرب الحنانشة التي استقبلت استقبالا رسميا نظم بمناسبته استعراضا عسكريا عرفته مدينة الرباط، التي استقبلت الأميرة المرفوقة بجوق من الموسيقيين الليبيين، محمولين على ظهر بواخر حربية، وصلت إلى ميناء العرائش، حيث استقبلهم باشا مكناس الحاج الطاهر بادو، لكن لم يكن من حظ السلطان مولاي سليمان أن يتمتع ، فمات يوم 22 نونبر 1822، ليخلفه السلطان مولاي عبد الرحمان.

ولكن الأمر ليس من السهولة بمكان، فكلما ضخم النفوذ السلطاني، موقع واحدة من زوجاته، يصبح الأولاد الذين يعتبرون الإرث حقا من حقوقهم، يواجهون بمنافسة أولاد الزوجات الأخريات، لنرى على سبيل المثال، كيف أن الإنجليزية “جانيط” زوجة مولاي إسماعيل، ورغم أنها سميت بلقيس، فإن ورثة العرش لم يقبلوا تنصيب ولدها محمد الذي كانوا يعتبرونه بأنه ولد الإنجليزية، فإنه غير اسمه وأصبح محمد ولد العربية قضى أيامه هاربا مختبئا من أن يقتل، وهو في بيت فقير، قريب من جامعة القرويين بفاس، كما أفرزت الأيام، ظاهرة تضخم عبيد السلاطين الذين تسمح لهم الظروف، بأن يلعبوا أدوارا مصيرية، إما في اختيار السلاطين، أو في الحكم بدلهم(…) لتضعف ظاهرة دور الحريم منذ أيام السلطان مولاي سليمان، الذي ترك الحكم بين يدي عبد من عبيده، اسمه أحمد بن مبارك السوسي، بعد أن رفعه إلى رتبة وزير، على رأس الوزراء الأوفياء، وبعد موت السلطان، وسلطنة محمد بن عبد الرحمان محمد الرابع، الذي عين خادم ووزير السلطان مولاي سليمان السوسي أحمد بن مبارك، وزيرا أولا يتمتع بكل النفوذ، فأقدم العبد السوسي على تعيين ولده باحماد حاجبا ثم وصيا على العرش، لتبقى أسرة باحماد، حاكمة للمغرب لمدة قاربت المائة سنة، كان لعائلة باحماد الدور الأساسي في تعيين حشد من السلاطين العلويين، بما فيهم السلطان العظيم الحسن الأول، الذي تنامى عهد باحماد بين يديه، لدرجة جعلت باحماد هذا يراهن على زوجة الحسن الأول، التركية(…) رقية، ليختار أصغر أولادها مولاي عبد العزيز، رغم صغر سنه، سلطانا على المغرب، الذي كان فيه باحماد هو السلطان الحقيقي.

كثير من كتب التاريخ، وهي تواكب هذا الانشغال السلطاني انطلاقا من زمن السلطان مولاي سليمان، تكاد تنطلق من خصام هذا السلطان مع زوجته شهرزاد ((التي شتمها مولاي سليمان يوما حين دافعت عن ولدها، فقال لها مولاي سليمان: أنت برغازة، بعد أن طالبت مفارقته وحق الشرع، فأمرها بالخروج بعيدا من القصر فأجابته قائلة: أنت الذي ستخرج أما أنا، فإني ساكنة في دار ولدي اليزيد)) (تاريخ الضعيف الرباطي).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

error: Content is protected !!