في الأكشاك هذا الأسبوع

حملات المقاطعة أو “المواجهة بالامتناع”.. دروس وعبر من التاريخ

بقلم: عبد الرحيم العلام

أولا: هي حملة تنضوي تحت عنوان “النضال بالسلب”، أي المواجهة من خلال الامتناع، وهو أسلوب قديم وله منظروه، وقد جرب في الكثير من المجتمعات من ضمنها المغرب، فمثلا كان عناصر المقاومة المغربية يدعون المدخنين المغاربة إلى مقاطعة شركة “طابا” المملوكة للشركات الداعمة للاستعمار، واستبدالها باستهلاك “الكيف المغربي”، كما لجأ طلاب الجامعات إلى مقاطعة كتب بعض الأساتذة الذين كانوا يرغمون الطلبة على اقتناء كتبهم بطرق ملتوية، كما أنها أسلوب يتم اللجوء إليه حتى بالنسبة للأفراد غير المؤطرين سياسيا أو نقابيا، وذلك من خلال مقولة “قوام الغلاء بالاستغناء”، أي أن المستهلك عندما يجد منتوجا مرتفع الثمن، فإنه يمتنع عن اقتنائه إلى حين انخفاض ثمنه.

ثانيا: جديد المقاطعة الحالية، هو أنها استعملت وسائل التواصل الاجتماعي التي أصحبت تتيح إمكانية مخاطبة الجميع وبطرق متعددة ومتنوعة، تجمع بين الإقناع والسخرية والإبداع في القول والرسم والنكتة.

ثالثا: هي أيضا حملة نضالية مجردة وغير مرتبطة باسم معين أو توجه محدد، وهذا يعطيها زخما ومصداقية بما أنها لم تظهر أي تحيزات إيديولوجية أو حزبية، وعندما نقول إنها غير حزبية، فهذا لا يعني أنها غير سياسية، بل إن فعل الامتناع عن الاستهلاك والمطالبة بتخفيض الأثمان، هو في حد ذاته فعل سياسي بامتياز، يعبر من خلاله ممارسه عن شعوره بالانتماء إلى المجتمع السياسي، واهتمامه بالشأن العام.

رابعا: كان ذكاء من الذين اختاروا أنواعا محدودة من البضائع وإدراجها ضمن المنتوجات المراد مقاطعتها، وذلك من أجل تحقيق أهداف عدة، منها:

1 ـ التدرج في فعل المقاطعة وعدم حشر المستهلك في زاوية ضيقة لا يستطيع معها اللجوء إلى المقاطعة الشاملة، وبالتالي، فشل هذا الأسلوب النضالي المستجد.

2 ــ اختيار عينة من المنتجات الأكثر استهلاكا من أجل تكبيد الشركات المنتجة لها خسائر تجعلها تراجع حساباتها، وأكيد أنه عندما يحدث ذلك، ستلحق بها باقي الشركات الصغيرة التي لا تشكل منتوجاتها إلا أقل من 20 في المائة من نسبة الاستهلاك.

3 ــ ربما كان الهدف الأساسي من وراء المقاطعة، هو شركات “المازوط” لكن إعلان المقاطعة، تضمن أيضا شركتي الماء والحليب، وذلك حتى لا يتكرر خطأ الدعوة الأولى إلى مقاطعة شركة المحروقات التي ارتبطت بصراع حزبي معين.

4 ــ أشرت حملة المقاطعة على قدرة وسائل التواصل الاجتماعي على تجاوز الوسائل الكلاسيكية في التواصل (التلفزة، المذياع…)، بدليل أن جل المغاربة، أصبحوا على علم بخبر المقاطعة، وأكيد أن منهم من انخرط فيها، كما أشّرت على أن العديد من المغاربة على استعداد للانخراط في حملات نضالية سلمية من شأنها النهوض بالوضع الاقتصادي ومجابهة الإضرار المفرط بمصالحهم.

5 ــ أظهرت هذه الحملة أيضا، ضعفا كبيرا لدى الشركات المقاطعة من حيث التواصل، بل إنها ارتكبت أخطاءً عدة ساهمت في تأجيج المقاطعة وأشعلت نار الغضب في صفوف حتى بعض الذين لم ينخرطوا فيها، وذلك عندما ربط البعض بين شركاتهم وبين حب الوطن، متهمين المقاطعين بأنهم “خونة” أو “مداويخ” أو مضرين بمصالح الوطن، وهذا أمر مستغرب ومستهجن، كون هذه الشركات تعتقد نفسها أنها عنوانا للمواطنة.

6 ــ كشفت تصرحيات المسؤولين عن الشركات المقاطعة، وبعض المسؤولين الرسميين، عن الكثير من الأمور:

أ- بسبب استفادة هذه الشركات من الريع، أصبحت ترى نفسها رمزا للسيادة المغربية، شأنها في ذلك شأن العلم المغربي، وأن أي إضرار بمصالحها هو خيانة.

ب- هناك خلط مروع وسافر بين المنصب الحكومي وبين المصالح الشخصية أبانت عنه ردور فعل المسؤولين الرسميين، فأحدهم استغل البرلمان من أجل الدفاع عن مصالح شركات خاصة، لا هي عمومية ولا هي مملوكة في جزء منها للدولة، والآخر استغل تواجده في معرض وطني يتم الإنفاق عليه من طرف خزينة الدولة، من أجل الانخراط في حملة مناهضة للمقاطعة والرد على المقاطعين، بل توظيف الفلاحين الذين تم استقدامهم من أجل عرض منتوجاتهم في سبيل الرد على المقاطعين.

7 ــ لم تجد الشركات المقاطعة إلا الحليب لكي تدافع عنه، بدعوى أن الفلاحين سيتضررون من هذه الحملة، والحال أن المقاطعة، لا تشمل الحليب فقط، بل المحروقات والماء أيضا، وهذا يتضمن احتمالات عدة:

أ- أن مناهضي المقاطعة، يعلمون أنهم لن يستطيعوا إقناع المقاطعين بأن مقطاعتهم لـ”المازوط” والماء، شيء سلبي، لذلك لجؤوا إلى تعويم النقاش والتركيز على الحليب من أجل جلب الاستعطاف وذرف الدموع و”الحرص على مصالح الفلاحين المساكين”، والحال أن الفلاح، هو أول المتضررين من شركات الحليب التي تقتني منه الحليب بأقل من 3 دراهم وتبيعه للمستهلك بأكثر من 6 دراهم، وقد شاهدنا احتجاجات بعض الفلاحين قبل أيام أمام التعاونيات وكيف أهرقوا حليبهم في التراب رفضا لتحويلهم إلى مجرد أقنان في ضيعاتهم، يجهدون أنفسهم من أجل تربية الأبقار وتسمينها من أجل أن تجود عليهم شركات الحليب ببقشيش لا يغطي حتى جزء بسيط من المصاريف (والشيء نفسه بالنسبة للشركة التي تقتني من الفلاحين الشمندر السكري).

ب- من الصعب تبرير أثمنة “المازوط” والماء في المغرب، لذلك التزم أصحاب هذه الشركات الصمت وانخرطوا في الرد على المقاطعة فقط من خلال الدفاع عن الحليب.

على الذين يتهمون المقاطعين بـ “الخيانة” وبقلة العقل والتفكير، أن يراجعوا تاريخ الأمم والشعوب المجاورة، وأن يتعلموا منهم كيفية التعاطي مع حملات المقاطعة، ويمكنهم أن يبحثوا في محرك البحث “غوغل” عن حملة المقاطعة التي لجأ إليها الفرنسيون قبل عقود، احتجاجا على زيادة محدودة في ثمن الحليب وكيف سالت شوارع باريس بالحليب المهروق، وما الذي قاله الرئيس شيراك، عندما امتنع عمال مطار “شارل ديغول” عن استقبال الطائرات، وما كان رد ملك إسبانيا بشأن احتلال عمال المناجم شوارع مدريد احتجاجا على سياسة التقشف، وذلك عندما طالب من الحكومة تخفيض أجره وأجر ولي عهده بنحو 7 في المائة حتى يكون أول من تطبق عليه سياسة التقشف، وحتى يكون قدوة لمواطنيه.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

error: Content is protected !!