في الأكشاك هذا الأسبوع

مواقف مشرفة لأصحاب البدلة السوداء

عبد الواحد بن مسعود. الأسبوع

للذين يرتدون البدلة السوداء مواقف مشرفة، سواء بالنسبة للقضايا الوطنية أو الدولية، ويشهد لهم التاريخ أنهم كانوا سباقين في اتخاذ مواقف صارمة من قضايا شائكة تعجز الدول بما لها من إمكانيات عن اتخاذها أو حتى مجرد التنديد بفظاعتها.

وسنذكر في هذا المقال، موقفا من تلك المواقف التي يرجع تاريخها إلى أمد بعيد، ويتعلق بقضية عربية مصيرية إن لم تكن قضية يهتم بها المتمسكون باحترام أراضي مهبط الديانات، وأعني بها مدينة القدس، والمسجد الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين.

لقد اتخذت الإدارة الأمريكية قرارا بنقل سفارتها من تل أبيب إلى القدس في تحد سافر وعدم مبالاة بالمشاعر الدينية ووضعية تلك المدينة من الناحية الدولية، وكون ذلك القرار، سيزيد من تعقيد الأزمة وارتفاع نسبة الكراهية، وما تفرزه من تصرفات لا تخلو من استعمال العنف.

اجتمع القادة العرب والمسلمون لاتخاذ موقف حاسم من القرار الأمريكي، لكن وكالعادة، لم يصلوا إلى قرار يثني الإدارة المركزية عن خطوتها، وإنما اكتفوا بخطب التنديد وعبارات الأسف وخيبة الأمل.

لقد سبق لأصحاب البدلة السوداء أن أعربوا عن استيائهم من القرار الأمريكي بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس، وعبروا عن ذلك بما يتوفرون عليه من إمكانيات، عبروا عنه بقلمهم ولسانهم، وليس في استطاعتهم أن يواجهوا ذلك القرار بما هو أنكى وأشد، وقد سجل التاريخ، أنهم كانوا سباقين في إعلان سخطهم وتنديدهم بالقرار الأمريكي.

لقد نشرت مجلة “رسالة المحاماة”، وهي مجلة دورية تصدرها هيئة المحامين بالرباط، العدد المزدوج 11 – 12 بتاريخ دجنبر 1995، وتحت عنوان ((القدس عاصمة الإسلام العربية يطالها الاستفزاز الأمريكي وخرق الشرعية الدولية))، نشرت تلك المجلة، البيان الصادر عن اجتماع هيئات المحامين بالمغرب المنعقد يوم 4/11/1995 والذي مر على نشره 23 سنة، مما يدل على أن قادة العرب لا يتوفرون على إرادة سياسية صارمة للوقوف ضد المس بكرامة ووضعية بيت المقدس، وعاجزون كل العجز عن مواجهة القرار الأمريكي، وفيما يلي، البيان الذي صدر عن جمعية هيئات المحامين بتاريخ 4/11/1995 تحت رئاسة النقيب الأستاذ إبراهيم السملالي: ((إن مكتب جمعية هيئات المحامين بالمغرب المنعقد يوم 4/11/1995 بطنجة، تدارس قرار الكونغريس الأمريكي الذي يتضمن الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل وبنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب، العاصمة الرسمية لإسرائيل، إلى مدينة القدس عاصمة الدولة الفلسطينية.

إن القرار القاضي بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس عاصمة فلسطين التاريخية والأبدية، قد صدر مخالفا لمبادئ النزاهة والحياد والاستقامة التي توهم بها أمريكا دول العالم من منطق قيادتها الوحيدة للعالم أنها مسؤولة عن الاستقرار والأمن وعملية السلام كلها بين الشعب الفلسطيني ومعه كل العرب والمسلمين وبين إسرائيل،

كما صدر القرار مخالفا لالتزاماتها الأممية القاضية بإحقاق السلام مقابل إرجاع الأراضي المحتلة بالقوة، من بينها القدس، لأصحابها الشرعين.

إن قرار نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، في وقت تحاول فيه كل الأمم إظفاء وترسيخ المصداقية على هيئة الأمم المتحدة، المحتفلة بعيدها الخمسين، قد خيبت كل آمال شعوبها في الوحدة والحرية واستقلال المبادئ التي قامت الأمم المتحدة على أساسها والتي ناضلت من أجلها.

إن الإدارة الأمريكية قد ضربت كل قواعد القانون الدولي والقرارات الشرعية التي تحظر على كل الأطراف، بما فيها الولايات المتحدة، أن تتخذ أي إجراء انفرادي يؤثر على الوضع النهائي لمدينة القدس.

إن مكتب جمعية هيئات المحامين بالمغرب، الذي يدين بشدة قرار الكونغريس الأخير القاضي بنقل السفارة الأمريكية إلى مدينة القدس، المخالف لقواعد الشرعية ولأبسط القوانين الدولية، يدعو كل المحامين بالمغرب والعالم العربي والإسلامي، كما يدعو الحكومات العربية والإسلامية وكل الحركات والمنظمات المختصة بحقوق الإنسان وحريات الشعوب والمهتمة بها، أن تعلن عن موقف موحد وتتخذ الخطوات اللازمة لمنع الولايات المتحدة من الاستمرار في استفزازاتها ضد الشعب الفلسطيني وتقرير مصيره)).

هذا البيان الذي صدر سنة 1995، هو أشد في صيغته من بيان القادة الصادر سنة 2018، ولكن يا أصحاب البدلة السوداء، هل هناك آذانا صاغية وعيونا واعية وضمائر حية تجاوبت مع بيان جمعية هيئات المحامين بالمغرب؟ وهل تعتقدون أن هناك من يستطيع أن يقف في وجه أمريكا بما تملكه من نفوذ وسيطرة على أصحاب الحل والعقد؟ وهل استطاعت الأمم المتحدة أن تحل المشاكل الدولية المعقدة الشائكة؟ بل إن مجلس الأمن، أصبح منبرا لتبادل السب والشتم والقدح والاحتجاج بالشعر الهجائي والعالم الغربي يتابع المسرحيات بسخرية وتهكم، وهم على يقين بأن القادة لن يتفقوا يوما على قرار يدحض القرار الأمريكي، ولن يتجرؤوا على معارضة رغبة الإدارة الأمريكية لأسباب معروفة ولا داعي للكشف عنها؟

هذا موقف من مواقف أصحاب البدلة السوداء، وإلى اللقاء في مناسبة التذكير بمواقف أخرى.

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

Open

error: Content is protected !!