في الأكشاك هذا الأسبوع

الحقيقة الضائعة | عندما كان العباس الفاسي سيتزوج أخت بوتفليقة

تاريخ صراع الفاسيين مع الدولة العلوية

بقلم: مصطفى العلوي

عجيب.. وفي سنوات قليلة.. منذ حكم الملك محمد السادس، الذي كتب عنه زعيم الحركة الشعبية المحجوبي أحرضان في مذكراته أنه ((منع وفود الأحزاب السياسية من السلام عليه، في أول عيد عرش احتفل به))، وبعد أن كان الفاسيون، بالخصوص هم أهل المال والسياسة، كما قال حسن قرنفل في كتابه عن “أهل فاس”، وبعد أن أصبحت الحكومة، في عهود العباس الفاسي الطويلة في رئاسة الحكومة، وعهود الطيب الفاسي الأطول، في وزارة الخارجية، وقد تحولت الحكومة والحكم في عهده رغم دستور 2011 إلى قيسارية، كما قال أحرضان، عندما قدموا للزعيم الحركي يوما مجموعة من المسؤولين، هذا بن شقرون، هذا بن جلون، هذا بناني، ورغم ذلك غطت حكومة العباس الفاسي على أحرضان وحزبه، هذا العباس الفاسي، الذي كان والده عبد المجيد قاضيا في بركان، على أطراف وجدة: ((حيث كانت عائلته تسكن في وجدة، غير بعيد من جاره والد الرئيس بوتفليقة.. وكانت والدة عباس تكلف أم بوتفليقة بالعناية بولدها العباس، الذي كان عبد العزيز بوتفليقة ولدها، يتكرفص على الولد عباس الفاسي، لدرجة أنه يوما وضعه في قفة.. وهرب به ليرميه في باب قهوة المرزوقي، والناس يستنكرونه: يا عبد العزيز خطفتي ولد القاضي الفاسي)).

قد تقولون هذه مبالغات من نسج الخيال، ولكنها ذكريات حقيقية، حكاها قائد المنطقة، الحاج عبد القادر الطالب، وسجلها في مذكرات نشرها بجريدة الصباح المغربية (عدد 15 غشت 2017).

وحكى القايد أكثر من هذا، وهو الذي كان شاهدا على تلك الفترة التي أراد فيها والد عبد العزيز بوتفليقة، الرئيس الحالي للجزائر أن يزوج ابنته لولد القاضي، العباس الفاسي، ولكن الله سلم، لأنه لو تزوج العباس الفاسي بأخت عبد العزيز بوتفليقة لكان الوضع كارثيا أكثر(…) خصوصا وأن هذا القايد الطالب، لم يفسر في مذكراته، لماذا منح والد بوتفليقة بيتا هدية إلى والد عباس الفاسي وزاده هدية أخرى عبارة عن سيارة “سيتروين”، لأن والد العباس الفاسي كان قاض بالمدينة.

والحقيقة أن والد بوتفليقة يعرف أن الفاسيين أينما كانوا في تاريخ المغرب، وهم يتلقون الهدايا، حتى في ذلك الزمان الذي رفضوا فيه مبايعة السلطان مولاي عبد الله سنة 1730: ((فاستدعى السلطان الوفود الفاسية إلى قصره وأهداهم قنطارا ونصف قنطار من الذهب وأمرهم باقتسامها فيما بينهم أمامه)) (تاريخ ابن زيدان. الأعلام).

ولكن الفاسيين كانوا دائما لا يقنعون ((لأنهم لم يتفقوا على بيعته، وتنازع علماؤهم فيما بينهم، إلى أن هاجمهم السلطان، ومات في هجومه نحو الثلاثين فاسيا بينهم القطب عبد القادر الدباغ، ثم ضربهم في مقتلة باب الفتوح بالقنابل، منها قنبلة العطارين، وقنبلة أخرى ضربت ضريح مولاي إدريس، حيث أصيب العالم بلخياط وعطلت صلاة الجمعة، ومات حوالي عشرين نفرا من الفاسيين)) (نفس المصدر).

وهو مجرد نموذج لمعارضة الفاسيين لحكم العلويين(…) رغم الذهب الذي أهداه لهم السلطان مولاي عبد الله ((حتى تسلسلت عداوتهم إلى أيام السلطان الحسن الأول، الذي كانوا ينازعونه في ظاهرة المخزن، وقرر السلطان الذهاب إلى فاس، مدينة العلماء(…) بعد أن علم – عبر مخبريه – طبيعة موقف أهل فاس من المخزن، وأنهم ثاروا ضد واليه(…) المدني بنيس الذي لاحقوه حتى هرب إلى أحد الحمامات، حيث اختبأ في غرفة مظلمة، مليئة بالسطول الخشبية، وهم يسألونه عن مكان خزنة الذهب، حتى أصدر السلطان بيانا – عن الديوان الملكي – يقول فيه إني لا أعطي اهتماما كبيرا للتصرفات الراهنة للفاسيين وعدم اكتراثي بالنقود التي سرقت من المدني بنيس)) (زمن المحلات السلطانية. لويس أرنو).

تاريخ طويل إذن، يربط الجشع الفاسي ورغبتهم في أخذ الأموال(…) أينما وجدوها، لنفهم لماذا ارتبط الفاسيون بالثروات إلى يومنا هذا، وصدق المؤلف حسن قرفل، الذي عنون كتابه عن الفاسيين: “أهل فاس، المال، والسياسة”. فقد دفعهم طموحهم، وخاصة صراعهم مع العلويين(…) حيث كتب مؤرخ آخر ((إن الفاسيين كانوا عند تأسيس الدولة العلوية ضد السلطان مولاي رشيد)) (كتاب ناطح صخرة. محمد العابد الفاسي).

وهو صراع أزلي، حسبما يظهر، واكب سلاطين الدولة العلوية، حتى الأيام التي سبقت إمضاء الحماية أيام السلطان مولاي حفيظ، الذي كان يصارع التدخل الفرنسي، وضغوط المارشال ليوطي عليه، لإمضاء عقد الحماية، حينما طعن الفاسيون الملك من الخلف ((ونصروا سلطانا آخر، اسمه مولاي الزين، سانده الفاسيون بتعيين نخبة من أقطابهم كوزراء في حكومته، وهذه حكومة هذا السلطان الانفصالي: الحاج عبد السلام الحلو، صدر أعظم. محمد مكوار، وزير الخارجية. السعيد بن الطيب، وزير الشكايات. التهامي بناني، وزير المالية. العربي بوعشرين، وزير الحربية. الحسن بناني، أمين الصائر. حمان بن عبد العزيز، الحاجب)) (الحركة الحفيظية. علال الخديمي).

وقد نظم الفاسيون حفلا رسميا في المسجد الأعظم بفاس يوم 17 أبريل 1911 حيث وقع الإشهاد بالعدول وقاضي المدينة، لنصر السلطان الثاني مولاي الزين، الذي ضرب عليه الفرنسيون حصارا كاد الفاسيون يموتون منه بالجوع قبل الاستسلام.

ولكن الاستسلام لم يكن بتلك السهولة، فقد تنامت بجانب الانفصال الفاسي، أفكار ثورية ضد الاستعمار الفرنسي، توسع فيها المؤرخ الفرنسي دنييل ريفي الذي اهتم بحيرة المارشال ليوطي أمام هذا الواقع، المرتبط بالأفكار الرافضة للنفوذ الفرنسي، وللسلطان الشرعي مولاي حفيظ.

ففيما يتعلق بالمارشال ليوطي ((أصبح المغاربة يطلقون شعارا يقول: إنكم أقوى منا ولكن الإنجليز أقوى منكم والأمريكيون أقوى منهم.

وفيما يتعلق بالسلطان المتفق مع المارشال ليوطي كان هناك شعار”بوس اليد التي لا يمكنك قطعها.. واجعل نفسك كبشا أمام الأسد، فغدا سيكون كبشا وأكون أنا أسدا”، لولا أن القضاة تبنوا هذه الأفكار بقيادة قاضي الدار البيضاء عبد الله الشرايبي الذي قال عنه الجنرال بوجولان: إذا كان الشرايبي قاضيا متخصصا فإنه أعمى بواقع نخوته التي لا تحتمل)) (ليوطي والمؤسسات. دنييل ريفي).

أفكار القاضي الشرايبي، هي التي تبناها فاسي آخر من بعد، يسمى علال الفاسي، الذي حمل المشعل الفاسي من أجل استقلال المغرب، ليمهد إلى زمن يصبح فيه الأمر مطياعا بين أيدي الفاسيين ويصبح العباس الفاسي رئيسا للحكومة والطيب الفاسي وزيرا للخارجية، وأخوه علي الفاسي إمبراطورا للماء والكهرباء، وكلهم طبعا في عصرنا الحاضر، يواجهون نفوذا أقوى من نفوذهم متمثلا في عنصر يسمى فؤاد الهمة الذي فوجئوا بأنه أسس حزبا يسمى الأصالة والمعاصرة، لم يصبر على عجرفة النفوذ الفاسي، الأصيل المتأصل، وقد فوجئ الفاسيون بالأمر الواقع، وهو أن الحزب الجديد التهم المواقع الانتخابية، وقد رأينا كيف أصبح حزب الاستقلال بزعامة الفاسي في المرتبة الثالثة أو الرابعة، فانبرى لهم المتكلم باسم الحزب الجديد، والناطق باسمه، بنشماس في ندوة عقدها بمقر الحزب الجديد بالرباط ((يتهم القطب الفاسي في الخارجية الطيب الفاسي صراحة بأن وزارة الخارجية جعلت خصوم الوحدة الترابية يصولون ويجولون ويعربدون(…) مما يحتم تعديل القانون الجنائي للتكفل بموضوع خيانة الوطن(…) والتخابر مع سلطة أجنبية)) (الأحداث المغربية. 9/11/2010).

بمعنى الحرب المعلنة ضد الفاسيين في العهد الحاضر الذي جعل ردة الفعل الفاسية أقوى وأعتى، فرغم أن الفاسيين وحزب الأصالة هما معا في خدمة القصر، إلا أن صراع القصور، أقوى وأشد من أي صراع آخر..

فقد تسرب رد الفعل الفاسي في شكل اتهام رئيس حزب الأصالة بالاستفادة عبر إحدى الشركات التابعة له من صفقة 750 مليون، بالوثائق والصور، ((وأن الاتحادي الزايدي، يمتنع عن التعليق، والداودي (العدالة والتنمية) يدعو إلى إحداث لجنة لتقصي الحقائق)) (المساء . 9 مارس 2011).

طبعا لم يكن بإمكان الصحفي أن يحصل على الوثائق والحجج من مكتب إمبراطور المياه والكهرباء صدفة، ولكن النتائج كانت متمثلة في بلاغ انتهت فقراته الأخيرة، بالتشطيب على الإخوان الفاسيين تشطيبا يذكرنا بجزئيات هذا الماضي الفاسي الذي انطلق من قيسارية المحجوبي أحرضان، وحول قيسارية الفاسيين إلى مقبرة يشطبها شباط.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

Open

error: Content is protected !!