في الأكشاك هذا الأسبوع

الحقيقة الضائعة | إذا لم يجدوا الخبز.. أعطوهم البريوش

بقلم: مصطفى العلوي

أكيد أن تضايق الناس الكبار(…) من الصحافة حتى في زمان هوانها وضعفها، يذكرنا بما قرأناه عن أيام زمان، حين لم تكن هناك صحافة، ولا صداع الراس، وإنما كان الكبار والصغار من المهتمين، يقنعون بما يقوله لهم العرافون والمنجمون والذين كانوا يستوحون توقعاتهم للمستقبل، من خلال ما يقولون بأنه من وحي النجوم.. كان الصحفيون إذن هم المنجمون، لأن كل ما نقرأه في الكتب القديمة، من توقعات المنجمين، كانت في الواقع مجرد ترجمة لما يراه أولئك المنجمون الصحفيون، وما يحسون به في مجتمعاتهم: ((فطرق التنبؤ بالغيب، وقد شاعت في زمن الدولة المرابطية، كانت نوازل من الارتباط الواضح بين الظاهرة الغيبية، والأوضاع لاقتصادية، ومع ما يتستر الناس به في أسرارهم(…) وما ينطوون عليه من أخبارهم، وما يحدث من غلاء في الأسعار، وانحباس المطر، ووقع القتل، وحلول الفتن)) (كتاب النوازل. عن ابن رشد).

ولكنه قبل نهاية عهد المرابطين، كانت أعناق الفقهاء ورؤوس الجند تشرئب نحو الانفصال عن الحكم المركزي(…) وهو ما مهد لسقوط واحدة من أكبر الدول المغربية.

وأستسمح لطول هذا المدخل، الذي أمهد به لتشبيه صحفيي اليوم، وأنا ألمح لحنين الصحفيين، الذين أصبحوا يلجؤون إلى أساليب المنجمين، لتبليغ رسائلهم، في زمن انقرضت فيه الافتتاحيات الخطيرة والمقالات الحامية، وأنا منذ فترات قصيرة كنت أستمع في القنوات الفرنسية إلى برامج خاصة، عن أيام الملك لويس 16 في فرنسا، وزوجته الجميلة، ماري أنطوانيت، صاحبة المقولة المشهورة، عند استشارتها حول موضوع الشعب البئيس، الذي لا يجد الخبز، فقالت لهم وهي لا تكاد تفتح شفتيها، آه لم يجدوا الخبز.. خليوهم ياكلوا البريوش، وهو نوع من الحلوى.

البرامج المتقنة للقنوات الفرنسية وكأنها تذكير بجذور الأخطاء التي ارتكبت في الماضي، ليتعلم منها الرئيس الجديد ماكرون، الذي شبهته أقلام المعلقين بالملك الذي همش الأحزاب وأصبح يحكم وحده(…).

ونذكر من باب التلميح، وصية الملك الحسن الثاني القريبة من نصيحة ماري أنطوانيت، حين زار يوما ملجأ خيريا، وقال بصوت مرتفع: تهلوا فيهم، واعطيوهم حلوى النصارى.. وحلوى النصارى، هي البريوش.

ولا أريد ن أفزعكم، فتذكير القناة الفرنسية، بالملكة الأنيقة(…) كان متبوعا بما حصل أيام الثورة، حينما بقي الرأي العام الشعبي مرتبطا بجواب الملكة عن أزمة الخبز ((فكان الناس يوم إعلان الثورة 1789 في شوارع باريس ينشدون أناشيد الظفر والنجاح، ويبشرون كل من يلقاهم، أنه لا خوف على باريس من الجوع، ابتداء من الآن، فقد أتينا بالخباز، والخبازة، وابن الخباز الصغير، وهم يعنون الملك والملكة)) (الثورة الفرنسية. حسن جلال).

أكيد أن التلفزة الفرنسية في عهد الرئيس الجديد ماكرون، والذي دخل التاريخ الفرنسي فيما بعد الثورة، بأنه حصل على دعم الشعب الفرنسي له في مخططه الذكي، وهو الذي كان مجرد وزير، استقال من الحكومة الاشتراكية فاستغل تذمر الشعب الفرنسي من الأحزاب الفاشلة العاجزة، ليهزم الأحزاب الفرنسية كلها وأصبح أقوى رئيسا للدولة الفرنسية. فتذكير التلفزة الفرنسية بسابقة الملكة والبريوش هو فقط في إطار التذكير بالتاريخ، التاريخ الذي أرغم الرئيس ماكرون على تفادي أن تكون زوجته مخنترة جميلة مدللة مثل زوجة لويس 16، ماري أنطوانيت، إنه أخذ الدرس من التاريخ.

ودروس التاريخ التي يظهر أن الوزير السابق في التعليم عندنا، حصاد رغم جهوده الواضحة في محاولة ترميم الهياكل المنهارة للتعليم في المغرب، لم يول لدراسة مادة التاريخ أي اهتمام، رغم أن تاريخنا هو المدرسة العليا التي يتخرج منها المغاربة جميعا، وقد كان سلاطينهم وملوكهم في أغلب حالاتهم، يرتاب كل واحد منهم من ارتكاب أخطاء من سبقوهم خوفا من التاريخ، ولنقرأ باهتمام رسالة سلطان كان يعيش على حافة السقوط تحت مدافع الاحتلال الفرنسي، السلطان مولاي حفيظ، مؤلف كتاب “داء العطب”، والذي كتب يوما لرئيس حكومته المدني الكلاوي، كيف أنه مشغول بقضايا شعبه: ((لا تمر علينا ساعة من النهار، إلا ونحن في شغل عظيم من أمور المسلمين، والله سبحانه يعلم ذلك، حيث ينجر الحال بنا، أحيانا، إلى العاشرة من الليل، وقدوم الباشادورات، ووصول الرسائل من الدول، وقدوم الحرابة(…) من فرنسا، زيادة على ما أتعبنا البدن والروح في تحصيله، لشراء ما يقرب من مليونين ونصف مدافع، وعدة، وكسوات، وقد شرعنا في شراء البوابير والفراكيط كثرها الله بخير)) (رسالة مؤرخة بفاتح يناير 1909).

وكان مولاي حفيظ هذا يردد في كل حديث له مقولة أبيه الحسن الأول: ((الملك بناء والجند أساسه، وإذا ضعف الأساس سقط البناء، فلا سلطان إلا بجند، ولا جند إلا بالمال، ولا مال إلا بالجباية، ولا جباية إلا بالعمارة، ولا عمارة إلا بالعدل، فالعدل أساس الجميع)).

وكان من بين منجمي، أي إعلاميي زمان السلطان مولاي حفيظ، مستشار مقرب، يسمى محمد بن الحسن الحجوي، لم يكن يقنع من السلطان مولاي حفيظ بجديته، ويرى بالعين المتفتحة حقيقة الأخطار التي تهدد ملكه، وهذه هي مهمة المستشار، فكتب له هذا المستشار يوم 16 أبريل 1911 رسالة ((دعاه فيها إلى سلوك سياسة عادلة تجاه الرعية، والتنبيه إلى ما يمارس باسمه من ظلم وجور، وبيع للوظائف، ونهب لأموال الشعب، ودعاه إلى إبعاد الفاسدين والمتواطئين على خدمة مصالحهم دون الاهتمام بمصير البلاد والعباد)) (كتاب الرحلة الوجدية. محمد بن الحسن الحجوي).

سلطان آخر كان ملكه أكثر استقرارا من عهد مولاي حفيظ هذا الذي تحالف ضده الاستعمار الفرنسي والفساد المغربي، فأطاحوا به إلى أن شوهد في مقاهي باريس، لاجئا سياسيا يرتاد البارات الفرنسية، وكان السلطان الذي سبقه، يسمى مولاي سليمان، ذكرنا به خطاب العرش الأخير، للملك محمد السادس، والذي انتقد فيه بجرأة مشكورة، الواقع السياسي والحزبي، وكان سلفه السلطان مولاي سليمان (1792-1822) قد تكلم في انتقاده بصراحة، ليصفي حسابه ولا شك، مع واحد من معارضيه كان هو أيضا وبالصدفة، يسمى بن كيران، وقد اكتشف هذا السلطان وكان على حق، أن الخطر على الدولة ينطلق من ظروف ممثلي وأعوان السلطان، وكان قد نسي مدة طويلة عاملا على مدينة فاس يسمى الصفار، هاجمه السلطان وهاجم الظروف المحيطة به والتي كانت سببا فيما كان آنذاك يسمى فتنة فاس، التي تعامل معها رجال مولاي سليمان مثلما تعامل رجال محمد السادس مع حراك الحسيمة. وفاس كانت دائما وعلى مدى الأحداث التاريخية، منطلق كل الفتن(…) لتواجدها في قلب خليط من القبائل المجاورة، وقد رأيناها مؤخرا وقد هيمنت جحافلها على المدينة وحولتها وحولت أمجادها الأثرية العلمية والعالمية إلى ثورة همجية تعتبر ظروفها الحالية أكثر خطرا على المغرب من أية منطقة أخرى(…)، ونذكر أحداث فاس في 1990 أيام الحسن الثاني، حين تم تخريبها وإحراق فنادقها على يد منتمين لنقابات، التي كان السي شباط، سامحه الله، من أكبر المسؤولين عنها، وهو قطب من أقطاب البدو المحتلين لمدينة العلم والعرفان، إلى أن فطن الحسن الثاني إلى تعيين مدير الأمن محمد الظريف، واليا عليها لاستعمال الوسائل الأمنية الجادة(…) إن كنتم تذكرون.

فاس أيام السلطان مولاي سليمان، كانت مقفلة لا تسمح للبراني أن يجتاز مداخلها الممنوعة في باب فتوح وباب بوجلود وباب الكيسة، ولكن رغم ذلك تولى الفاسيون إعلان الفتنة والتمرد ليكشف السلطان مولاي سليمان، لشعبه مكونات دور الفساد الفاسي(…) في الإساءة إلى المغرب، وأمام انعدام وسائل التبليغ الإعلامي التي نعرفها الآن، كتب السلطان رسالة للفاسيين قال فيها: ((إن العمال ثلاثة: عامل أكل السحت وأطعمه الغوغاء، وعامل انتصف من الظلم وعامل أكل وحده ولم يطعم غيره، فلو كان للعامل الصفار مائدة خمر وطعام، يتغذى عنده ويتعشى السفلة والفساق(…) ويدعو اليوم ابن كيران(…) وغدا بن شقرون، وبعده بنيس وبن جلون، يفرق عليهم، لأحبوه، وما قاموا عليه، فقل للصفار إن الكلاب لا تتهاوش إلا على الطعام والجيف.. فإن أشركهم فيما يأكل أكلوا معه وإن هو قطب وجهه وكشر عن أنيابه تراموا عليه)) (ظريف محمد. مؤسسة السلطان).

ويكون هذا نموذج من نماذج صراحة السلطان، في مواجهة الأخطار التي تهدد عرشه، لأن المغرب هكذا، أما الحوار في إطار الديمقراطية والدستور والبرلمان فإنه يذكرنا بنموذج اقترب به الباحث عبد الله العروي، من شرح الأمر الواقع، حينما حكى ما كتبه مبعوث لملكة بريطانيا يسمى “جون هاي” استقبله السلطان محمد الرابع (1859-1873)، وربما لإبلاغه رسالة من الملكة بشأن ((إصلاح أوضاع المملكة، والأمن والحرية والمساواة(…) وتحديث الجيش والشرطة، والعدل والتعليم، فاستمع إليه السلطان باهتمام واستحسن نصائحه وتمنى لو يستطيع أن يطبق هذا البرنامج، ولكنه رد على المبعوث الإنجليزي بقوله: كنت سأبادر بفعل ما تقول لو كنت أسوس رجالا عقلاء، لكني أتعامل مع أسود مفترسة)) (عبد الله العروي. من ديوان السياسة).

ويستدرك العروي في بداية القرن الواحد والعشرين ليتحدث عن كيفية التعامل مع الأسود المفترسة(…) ناصحا: ((لا يجب أن نحلم بحرق المراحل، فمن حكم الفرد يجب أن نمر إلى حكم الأقلية، أو ما يصطلح عليه بالنخبة، قبل أن نصل إلى حكم الجمهور(…) لتبقى الأحزاب والدساتير والديمقراطية والبرلمان مجرد ممارسة لحرق المراحل)).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

Open

error: Content is protected !!