في الأكشاك هذا الأسبوع

قــراصــنــة الــمــرمــوز

عبد الله ملول. الأسبوع

تحتفل القناة الثانية البيضاوية بأعياد ميلادها في الرابع من مارس منذ 1989، وبهذه المناسبة، تحضرني ذكريات نهاية احتكار القناة الأولى (إ. ت. م) للبث التلفزي الرسمي الذي انطلق رسميا ببث خطاب الملك الراحل الحسن الثاني بمناسبة عيد العرش في 3 مارس 1963، مع العلم أن انطلاق أضواء الشاشة الصغيرة ببلادنا، كان حسب بعض المهتمين بتاريخ الإعلام السمعي البصري ببلادنا، قبل ذلك بعشر سنوات، وذلك بواسطة قناة تلفزية كانت تحمل اسم “تيلما” وضعت لخدمة مصالح المعمرين ببرامج مدتها 30 دقيقة يوميا تأتي من الشركة الأم بفرنسا، بحيث استمر البث تقريبا لمدة سنة قبل التوقف النهائي نتيجة شدة مقاومة ومقاطعة كل ما هو فرنسي بعد نفي المغفور له الملك محمد الخامس، وبعد الاستقلال، صدر نص قانوني في 18 ماي 1959، يقضي بتوحيد احتكار البث الإذاعي والتلفزي في مجموع تراب المملكة، والذي سينتهي بانطلاق مولود جديد سنة 1989 تحت اسم “دوزيم” أو القناة الثانية، تبث برامجها لمشتركيها فقط، في حين أعطت لغير المشتركين من أغلبية المشاهدين ساعة واحدة في اليوم ينطلق بعدها البث بالمرموز بواسطة التشويش، وذلك بعد دقائق من مشاهدة بداية مسلسل أو برنامج، ليكون ذلك بمثابة ورقة حمراء تشهرها القناة الثانية في وجوهنا لطردنا من أمام الشاشة، فنضطر للرجوع في اتجاه برامج القناة الأولى، إذاك، رفع المغاربة شعارالحاجة أم الاختراع، وبدأ المشاهد المغربي يتطلع لمشاهدة وتتبع برامج تلفزية أخرى غير (إ ث م) أو اليتيمة، وذلك طبعا هروبا من الرتابة والروتين وطلبا للتنويع والفائدة.

ولتحقيق ذلك، كانت وسيلتهم، هي اللجوء إلى تغيير وتحويل أعناق الهوائيات في جميع الاتجاهات وعلى مختلف الارتفاعات، وعندما فشلت المحاولات، جاء اختراع ما كان يسمى بـ “الكسكاس” أو ما شابهه من صفائح معدنية وشبكات من الألمنيوم، فاجتاحت هذه الظاهرة كل السطوح المغربية بحثا عن الإرسال المغاير والاستقبال بالمجان والفرجة “فابور”، كما تمكن المحتاج الإعلامي إلى ابتكار هوائي عجيب ورخيص هو عبارة عن مربعين متجاورين يحاذي بعضهما البعض بسلام، صنعا من نفس المادة الرمادية المكونة للهوائيات العادية، وأطلق على المولود الجديد اسم الـ “8” بالفرنسية، وهو اسم على مسمى، أدى فعلا خدمة لعموم النظارة الكرام، ولعب دوره على أحسن ما يرام، دونما الحاجة لأجهزة مصاحبة.

ويجرنا الحديث من أيدينا بمناسبة هذه الذكرى، إلى موضوع الابتكارات السابقة كمحاولات لرفع التشويش عن المرموز، منها مثلا ربط الاتصال السلكي ما بين جهاز التلفزة والثلاجة، وذلك للاستفادة من خدمات الشبكة الخلفية التي تتكئ عليها الثلاجة، وذهب بعضهم إلى حد إيصال خيط بين التلفزة و “الحديدة” أو ”المصلوح”، أي المكواة التي تستعمل لكي الثياب، وذلك بحثا عن “الفراجة فابور”، واستمرت الحاجة إلى تحريك الأدمغة في اتجاه رفع التشويش عن المرموز، حتى وصلت إلى أن جرب آخرون من المشاهدين، متابعة فترات الإرسال المرموز ليس بالجلوس أمام الشاشة مباشرة، بل أداروا ظهورهم للتلفزيون وفضلوا المشاهدة بواسطة مرآة عاكسة كالمتواجدة في النافدة مثلا لكونها حسب زعمهم، تخفض شيئا ما من درجات التشويش، ولم ينته الصراع مع المرموز إلا سنة 1997، حيث تمت دمقرطة المشاهدة بوضع حد للتشويش التلفزي، فانتهت بذلك عجائب الابتكارات وطرائف المحاولات المتربصة بالمرموز في القناة الثانية، ولا يهم إن كانت تلك المحاولات تدخل في خانة الاجتهاد أو الاحتيال بقدر ما كانت في حد ذاتها، عبارة عن مواقف معبرة، وردود فعل شعبية تترجم مدى ضيق ذات اليد بالنسبة لأغلبية المشاهدين آنذاك، والذين بعثر المرموز أثاث بيوتهم حتى خرجت الثلاجة من المطبخ لتجاور التلفزيون ذات اليمين، وصعد  “الكسكاس” من المطبخ إلى سطح المنزل، فيما جلست “الحديدة” أو المكواة تحت التلفاز، بينما كل المشاهدين من أفراد الأسرة يولون ظهورهم للشاشة الصغيرة محدقين بأعينهم في زجاج النوافذ العاكسة، ولو دخلت عليهم آنذاك، لوليت منهم رعبا.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

Open

error: Content is protected !!