في الأكشاك هذا الأسبوع

متابعات | من جرادة إلى الراشيدية خطر يشعل الحدود المغربية الجزائرية وباقي المغرب غير النافع

إعداد: عبد الحميد العوني

لم يجانب الأمريكيون الصواب عندما قالوا بـ “حراك المغرب غير النافع”، حسب الخارطة القديمة للاستعمار الفرنسي، فيما الأوساط المحلية تقول بوجود هجوم على لحبيب الشوباني، رئيس الجهة المنتمي لحزب رئيس الحكومة، وهناك مطالب برحيله، فجمدت الداخلية منحه الموجهة إلى الطلبة لتحميله مسؤولية الانتفاضة الطلابية، فتربح مرتين، إزاحة “الخط الوسط” بين بن كيران والعثماني في الحزب الذي يرأس الحكومة، وقطع رؤوس سيناريو أي انتفاضة شعبية في المنطقة، كي تعود منطقة العلويين إلى صمتها.

ورددت التظاهرات شعار: “الريف ارتاح ارتاح سنواصل الكفاح” (القصر الصغير تي. في)، فيما يواصل النهج الديمقراطي الضغط على الإسلاميين لإبعادهم، بعد السيارات رباعية الدفع وقضية استئجار الهيلكوبتر، وتبديد أموال الجهة في شكل منح وزيادات وتقديم طلب لنائب في جماعة لمعاضيد للحصول على رخصة استغلال أرض تبلغ مساحتها 200 هكتار، لإقامة مشروع فلاحي، ورد الشوباني كل هذه الدعاوى إعلاميا، لكن الحرب متواصلة بين رئيس الجهة والوزير لفتيت، الذي لم يصادق على منح تقررت للطلبة الفقراء، خوفا من انتفاضة جهات أخرى، فانتهى الأمر بخروج طلبة الراشيدية أنفسهم إلى الشارع، في ضربة مزدوجة تؤكد أن قرار رئيس الجهة، أشعل انتفاضة في معقل العلويين، وينتهي المطاف بإبعاد حزب العدالة والتنمية من تسيير جهة درعة تافيلالت التي أصبحت على صفيح ساخن، فأمازيغ المنطقة يعلنون تضامنهم مع الريف، ويحاولون إكمال حزام ثائر على الحدود مع الجزائر (جرادة، بوعرفة والراشيدية)، ولأن ثورة 1958 في موطن عبد الكريم الخطابي انتقلت إلى عدي أوبيهي في ضواحي الراشيدية، فإن الريف يتحدث مرة أخرى من حناجر فيلالة، وهي رسالة قوية لحكومة اتهمت حراك الريف بـ “الانفصال” واعتقلت قادته، فيما يتوحد المغاربة في “المطالب الخبزية” لتعود السياسة ووسائطها، خارج سياق الصراع المجتمعي من أجل توزيع عادل للثروة، وقد تجرأ الهامش لتفسير شعار “المغرب أولا”، رافضا المساعدات الكبيرة نحو إفريقيا وأبناء الوطن يعيشون في درجات مرتفعة من الفقر.

 الاحتجاج في الريف استقر في مطالبه على مستشفى وجرادة على الخبز والراشيدية على المنح الموجهة للطلبة، وقد جمدتها الداخلية لسبب أمني، انتهى بتفجير المدينة نفسها لتعزيز الرواية الرسمية

في الراشيدية، الإقليم عسكري بالكامل، وقد انتقلت إليه باقي قواعد الجنود من مدينة مكناس، وحدودي، ومعقل العلويين، ودوحة مولاي علي الشريف، أول من رضي بولاية الأمر قبل أن تصبح في عهد ابنه مولاي رشيد، إمارة سلطانية، ثم ملكية بتغيير لقب السلطان محمد الخامس إلى ملك في عهد الاستقلال.

وجاءت أغلب العائلات الحاكمة من الهامش لتدير المركز لفترة، ولذلك، فما يعيشه المغرب، ينفصل كليا عما سبق، لأن المحتجين لا يناقشون الملكية أو دستور 2011، لكن يريدون تنزيلا له، بعد تراجع “التأويل الديمقراطي” للدستور و”التأويل الشعبي” للحقوق، مغلبا الحقوق الاقتصادية والاجتماعية على الحقوق السياسية، ليصير التراجع الحادث في دور الأحزاب “كارثيا”، فهي تسمع من فوقها ولا تسمع لقواعدها، وتخدم توزيع الكعكة الحكومية، فيما يطالب الشعب المنتفض، بتوزيع عادل للثروة الوطنية.

اليوم كل شيء يختزله التوزيع العادل، من أزمة بن كيران مع أخنوش في توزيع المناصب، حين طالب زعيم الأحرار بتوزيع يختلف عن نتائج حزبه في الانتخابات، إلى الأزمات المتنقلة من “إكديم إزيك” مرورا بسيدي إفني و”الكوشة” بتازة إلى صفرو، ثم حراك 20 فبراير 2011، ومدنا متوسطة تقدمتها أخيرا الحسيمة وجرادة والراشيدية، ويعتقد متابعون، أن دوائر في النظام ـ أو تسمت به ـ تلعب بالنار.

الانتفاضة المتقطعة في الراشيدية؟

انتفضت ساكنة الجرف في 2013، وأغالبو انكردوس التي نزل بها حزب الأصالة والمعاصرة، وفي باقي العالم القروي للراشيدية، وترك لحزب العدالة والتنمية المدن الصغرى والراشيدية التي تحتضن مقر جهة درعة تافيلالت.

وفشل تغيير قواعد اللعبة في الراشيدية، وبدأ الوضع يتعدى الحساسية الأمازيغية.

فمن جهة، هناك صراع دفين بين الزعامة “الأمازيغية” لورزازات و”العربية” للراشيدية، غابت فيها الموضوعية نحو تسييس العرق في المرحلة الأخيرة، وتزعمت كولميمة الحقوق الثقافية الأمازيغية، بسلاسة، وانتفضت ضد الظلم مرارا، وحمت آيت مرغاد العرب والشرفاء في حرب أهلية محدودة عرفتها المنطقة في نزاع أيت خباش وفيلالة.

وحاليا، تقف الراشيدية لرفض اتهامات الانفصال ومساندة مطالب حراك الريف، إيمانا منها بأن “وحدة المغرب” خط أحمر.

ويؤكد حراك الراشيدية الذي قد ينتهي متقطعا بنهاية الموسم الدراسي الجامعي، أن الطلبة جزء فاعل في حركة الشارع، فالفئوية التي منعت العاطلين مثلا عن المشاركة في حراك 20 فبراير، انتهت إلى تسطير برنامج يتفاعل مع قضايا المجتمع.

ومن جهة ثانية، نجد “توادا إمازيغن” (مسيرة الأمازيغ) منذ 2014، جزء من مطالب الشارع، لكنها لا تقوده، فمن تظاهرات دواوير أملاكو حول الحق في الماء إلى المتقاعدين، يسائل الجميع واقعا لا تجد فيه أي فئة نشاطها، فالوعاظ في الراشيدية لا مساجد لهم (كما يقول مقال مطول في هوية بريس)، والنهج الديمقراطي يسيطر على حركة الجامعة، لكنه حصان المرحلة لإزاحة حزب العدالة والتنمية من التسيير، والعدالة والتنمية فقد حاضنته الاجتماعية، وبضغوط الداخلية، تصبح إدارته للشأن المحلي مشوهة، بنفس ما عليه الحركة الأمازيغية التي تزداد تطرفا في الهامش كلما زاد اندماجها في نخب الرباط، وباقي المدن الكبرى.

ويقترب المخططون من تسخين القدر لحرق ما فيه، دون أن يصاب بسوء، ولأن حرق ورقة العدالة والتنمية، هدف استراتيجي يوحد الفرقاء ودوائر القرار.

في الحسيمة، اختلف الشارع والحزب الإداري المهيمن (حزب الأصالة والمعاصرة)، لأن الحكومة يقودها عدوه اللدود (حزب العدالة والتنمية)، وظن الجميع أن الحركة الأمازيغية ستسقط الإسلاميين، وتقلل من نفوذهم، فانتهى الأمر إلى النقيض، إذ تحالف الخطاب السياسي للنهج الديمقراطي والقاعدي من الجامعات مع المسحة الدينية للإعلام العام في قناة “الجزيرة” وغيرها، ليعود للشارع تقرير مصير التنمية والأجندة السوسيواقتصادية، وهو ما رفضته دوائر الحكم، وفي جرادة، خرج الجميع بالرموز الوطنية، كي لا تفسر الدولة أو تحاكم القادة لحملهم رموزا محلية، واعتصم الناس في الغابة، وبعيدا عن الفضاء العام، ومنعت الداخلية التظاهرات، فربط المتظاهرون أرجلهم بالسلاسل داعين القوات إلى اعتقالات جماعية.

وفي الراشيدية، خرج الطلبة إلى الشوارع ضد العسكرة، ودائما من أجل مطالب “خبزية”، لتتأكد قدرة التعبئة الجماهيرية ضد الجوع، ولأجل اقتسام الثروة، وعدم صرفها في إفريقيا.

 القوس المنتفض في المغرب لمطالب خبزية وتنموية من الريف، جرادة، بوعرفة، الراشيدية وصولا إلى تنغير وزاكورة، خلق دائرة تقسم مغرب الجبال والصحاري في مقابل مغرب الساحل والداخل

إن خسارة رهان التنمية في المغرب، خسارة مؤكدة، فالمغرب المستفيد وغير المستفيد، ومغرب الثلث الناجي من المقاولات بعد اتفاقية “الغات” والشراكات وآخرها مع إفريقيا، يتحرك، فهذا الحزام المنتفض، يعرف حضور المهاجرين الأفارقة المخترقين للحدود مع إفريقيا من الجزائر أو موريتانيا يقطعون البحر نحو أوروبا.

ويزيد الثمن السياسي غلاء، لأن فاتورة إخراج حزب العدالة والتنمية من البلديات التي اجتاحها، قد يدفع الدولة إلى لعبة الشارع التي حرمها الملك قبل الانتخابات التشريعية الأخيرة عقب تظاهرة الدار البيضاء المعروفة، وانتهت إلى استخدامها بشكل محدود في مدن الهامش، لكن المخاطرة تصاعدت وهيأت وعيا آخر.

وما طرأ في ما يسمى المغرب غير النافع منذ 2016، جدير بالقول أن فشل الإسلاميين في تدبير الصراع، نقله إلى الشارع.

والخروج عما سماه البعض “التأويل الديمقراطي” للدستور في 2017 بعد الخروج عن “المنهجية الديمقراطية” في 2002، أخرج الشارع من يد الأحزاب، فسمح لها بتبني مطالبه، ولم يسمح لها بقيادته.

إنها نتيجة طبيعية لإضعاف الأحزاب المغربية، والعالم القروي أو الفلاح الذي يحمي العرش كما يقول كتاب “لوفو” في الستينات والسبعينات من القرن الماضي، حيث انتقلت الإدارة إلى رجال الأعمال الذين يقودون مقاولات ليست بالضرورة “مواطنة”، بل مقاولات تنافسية في الخارج، تساهم الدولة في رفع حضورها.

والواقع، أن الفلاح ناصر المخزن ضد الاشتراكية، وناصر “المقاولة” الليبرالية الرسمية في مقابل التيار الشعبي الذي تحول إلى الإسلام السياسي، وبعد فشله في التدبير، انتقلت الدولة إلى أجهزتها الأمنية وإلى مقاولاتها لملء الفراغ.

فمن جهة، تريد بعض الأيدي اعتبار ما جرى في المغرب، عاما، وليس خاصا بجهة أو إقليم أو مدينة، وأن طي هذه المواجهة، سينتهي أخيرا بعفو ملكي عن الجميع، ومن جهة أخرى، وصف وزير العدل ما يجري بـ “التيارات العدمية”.

هل المغرب يعلن حربه على “التيارات العدمية”؟

في نظر المراقبين، نجح المغرب في إدارة حرب بدون خسائر كبيرة على “التيارات العدمية” في وقت تعيد فيه “الأحزاب الإدارية” هيكلتها بصيغة أخرى لاسترداد الثقة، بتعبير الأدبيات الجديدة لحزب الأحرار.

لكن حزب العدالة والتنمية، يسعى إلى تواصل أكبر لتمرير وتبرير السياسة الحكومية الحالية، لذلك فالمغرب غير النافع، ليس عدميا، ولا هو تحت تيارات عدمية، بل يحمل شعارات خبزية واضحة، تمثل فشلا حكوميا متواصلا، وبالتالي، فإن اتهام المحتجين بالانفصال أو بالعدمية، يؤجج دواخل الكثيرين، فيدفع الجميع إلى “انتفاضة هذا الشعب”، لكنه في كل الأحوال، صبور ومحتسب، ولا يريد خسارة بعضه، فكيف بخسارة الكل؟

إن الدفاع عن منطق الدولة، مرتفع عند المحتجين، وفي الهوامش أكثر من المركز، ولذلك، فإن فقراء المغرب أقل عدائية، لكنهم في حقيقة الأمر، تجانسوا مع الطبقة الوسطى التي انحدرت إلى القاع الاجتماعي، وهذا الخليط، خرج إلى الشارع.

ثورة “باردة” في المملكة

يكاد يجزم الجميع، بعد خروج المحتجين في الراشيدية، الإقليم الأكثر عسكرة وحساسية على الحدود، أن تحولا كبيرا طرأ في اختزال مطالب الناس في “ثورة باردة تحمل مطالب خبزية” مباشرة وواضحة ولا غبار عليها.

ولم تستطع الأحزاب تبني هذه المطالب لأنها لا تسمح بهامش للمناورة، فحكومة العثماني، التي زارت مدنا لمنع هذه المطالب، تراجعت ولم تستطع أن تدافع عن الأجندة الرسمية تجاه حقل معين أو ورش محدد، أو مشروع استراتيجي دشنه الملك.

وانتهت جولة رئيس الحكومة ليواصل الشارع، عبر التظاهر السلمي المنصوص عليه دستوريا، جملة مطالبه التنموية الهادئة، فالمسألة ليست متعلقة بالانفصال أو بتأخر الحل لسنوات في جرادة، بل هي متعلقة بسيطرة الداخلية على القرار في المؤسسات المنتخبة، كما حدث مع منح الطلبة في جهة الراشيدية.

إذن، مشكلة الريف التي لم ترغب فيها الداخلية أن تقيل الوالي اليعقوبي، وجرادة التي لم تغير فيها مسؤولا كبيرا، والراشيدية التي تريد إسقاط رئيس جهة تحدى وزارة الداخلية، علامات على أن المعضلة، هي مشكلة تدبير، ومحاولة الرجوع بهيئة الداخلية والأجهزة الأمنية إلى عهد سابق.

وتخوض الساكنة في مناطق عديدة “ثورة باردة” لا تريد تأزيما أو تنسيقا بين المدن، ولذلك تفضل الدولة اعتقالات القادة، بينما يراقب الجميع ما يعتمل في جوف المدن الصغرى والحدودية، وقد ظهرت أكثر نضجا وحضارية، ولذلك، فإن التحول سيكون أكثر إيجابية إن تمكن النظام من ضبط النفس.

الثورة “الباردة” لما يسمى المغرب غير النافع، سبقتها اضطرابات عنيفة في عهد الحسن الثاني، تقدمتها الأحزاب، وقامت بتسييس المطالب الخبزية، فكان الخطر، وهذه القنبلة فككتها الجماهير بوعي واضح، حافظ على الملكية العامة والخاصة، وأجهزة الدولة، وتصاعدت الخسائر كلما جاء التدخل الأمني لمنع التظاهر، وهذا المستوى لا يمس إلى الآن بالسلامة الداخلية للمملكة، بل هو التحاق مدني وحقوقي للعالم القوي بحركة الشارع التي عرفتها المدن إلى تسعينيات القرن الماضي، ولم تستطع أن تحييه حركة 20 فبراير بالشكل الكافي.

إن الراشيدية طفرة قوية توضح التحول الاجتماعي في المملكة، ودخول أجيال شابة غمار النضال الحقوقي العام، وهو الوجه الجديد لمطالب الشعب المغربي.

وانخفض منسوب الحريات في المملكة لمواجهة هذا المد، لكن دفاع المحتجين عن وطنيتهم، ميز الوطنية “الرسمية” عن الوطنية “الشعبية” في كل حراك، كما ميز المحتجون بين المغرب أولا لصالح المغرب، والمغرب أولا في تنافسية مع الآخرين في إفريقيا.

إن هذا الاختلاف متصاعد ومعقد، ينبئ أن المسألة ليست سياسية، ولا يمكن أن يكون للأحزاب دور في هذه المعضلة، في ظل تضارب حزبي حاد ومحاولة هيمنة حزب الأحرار وصناعته لمؤشرات أخرى ـ غير علمية وديماغوجية ـ انتقدها المندوب السامي للتخطيط، واعتبرها مخاطرة بالسلامة الوطنية، وقد قال وزير التجارة، مولاي حفيظ العلمي، أن القطاع الصناعي، خلق 46 ألف وظيفة، فيما المندوبية تقول بـ 7 آلاف وظيفة فقط؟

اتهام حزب الأحرار من طرف المندوبية السامية للتخطيط بالمخاطرة الوطنية، تواكبه مخاطر أمنية على الحدود مع الجزائر ومدن الهامش، بما يجزم أن الرهان على العسكرة لم يعد ناجعا في التطورات الأخيرة

خروج الراشيدية للاحتجاج وسط الثكنات العسكرية، وقد زاد عددها في الفترة الأخيرة، وهي منطقة لا يشك أحد في عشقها للملك وللملكية، تأكيد على أن باقي الاحتجاجات في المملكة، من الريف وجرادة وباقي النقط الساخنة، تحمل مطالب اجتماعية واقتصادية أو بالأحرى “خبزية”.

ومن الصعب على المملكة، أن تزيد الفجوة بين المغرب النافع وغير النافع، أو يتحول الأخير إلى هامش متفجر، إن تواصلت السياسة الحالية في موضوع الثروة الذي يحاصر الحكم المغربي في كل مدينة داخلية تحتج، كما تحملها البوليساريو شعارا للمرحلة، بما يضع مسألة الثروة في المغرب تحت المجهر، وقد أقيل بن كيران لرفعه نفس الشعار، وهو الذي أقدم على إصلاحات قاسية كان يريد منها إدخال بعض دوائر النظام في مسيرة الإصلاح، لذلك وافق الشعب على هذه المغامرة وسلم في الانتخابات أصواته لحزب العدالة والتنمية، لكن الإسلاميين أنهوا هذه المعركة سريعا بعد تعيين العثماني رئيسا للحكومة.

ويعتقد الملاحظون الدوليون، أن لعبة المصالح الضيقة بين المستفيدين، قد تغير المسار، ولذلك، فدوائر القرار دخلت في مغامرة للحفاظ على امتيازاتها.

 المغرب يحتاج إلى اليد العاملة؟

لم يعد ممكنا القول بأن المغرب يعيش في بحبوحة ورغد العيش إلى الدرجة التي أكد فيها مركز “بوليتزر”، أن المغرب سوى أوراق الأفارقة جنوب الصحراء للإقامة فيه، لأنه يحتاج إلى اليد العاملة؟ وينظر الغربيون إلى استقرار المغرب وسط فوضى إقليمية ولا يهتمون للديمقراطية، بل تؤكد الاحتجاجات هذه النظرة، إذ الشعب، وليس النظام المغربي، مصدر هذا الاستقرار، دون أن ينسى صحافي “الواشنطن بوست”، جاكي سبينر، أن “الحكم المغربي لا يزال معتدلا على العموم”.

 البحث عن “اعتدال” النظام المغربي وليس ديمقراطيته، واستقرار المملكة وليس مأسسة وحوكمة مؤسساتها، وقد حسمت التظاهرات في الراشيدية، المعقل التاريخي للسلطة الحاكمة، في توصيف موجة الاحتجاجات التي تجتاح المملكة، خصوصا في هامشها

لن يشكك أحد في ساكنة الراشيدية، من حيث ملكيتهم وحبهم لوطنهم، وقد خرجوا ليتضامنوا مع مدن أخرى، ليس امتدادا لمسيرة الأمازيغ أو لأن النهج الديمقراطي يشارك بقوة، ويهيمن على الاحتجاجات، وإنما لأن المشاكل “الخبزية” ومنها موجة الطلبة الفقراء المعوزين المطالبين بمنحهم لسد بعض رمقهم، هي التي تفكك عدم تكسير الفقراء لأملاك الآخرين، إنهم لا ينتقمون، بل يطالبون بتوزيع ما هو موجود، بشكل عادل.

على كل حال، فالراشيدية أعطت للدوائر الغربية، التفسير النهائي لما تعيشه المملكة، فالملكيون الفقراء أيضا يحتجون، ولم تعد المطالب عرقية ولا مناطقية، وهذه القفزة ستدفع أصحاب القرار في المملكة، إلى مراجعة سياستهم الحالية، لأن لا أحد يمس هيبة الدولة، سوى خروج أبنائها للمطالبة بالخبز.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

Open

error: Content is protected !!