في الأكشاك هذا الأسبوع

ملف الأسبوع | بعد 27 سنة من اتفاقهما على وقف إطلاق النار.. أول اتفاقية دولية تجمع المغرب والبوليساريو

إعداد: عبد الحميد العوني 

تجاوز المغرب مشكلة المعبر التجاري “الكركرات” بتوقيعه إلى جانب “دولة” البوليساريو، على منطقة التجارة الحرة القارية لإفريقيا، في قمة الاتحاد الإفريقي الأخيرة في كيغالي، وأصبح المعبر البري الوحيد بين المملكة وغرب إفريقيا محميا بالاتفاقية التي وقعت عليها 44 دولة في القارة السمراء، ضمنها طرفا النزاع في الصحراء، وقد وقع إبراهيم غالي عن الدولة المعلنة من جانب واحد في المخيمات إلى جانب سعد الدين العثماني رئيس الحكومة المغربي، وهو ما رفضته المملكة في وقت سابق.

وعزز القرار الأخير للعاصمة الرباط من عقيدة أنطونيو غوتيريس، الأمين العام للأمم المتحدة، الرافض للمساس بالوضع القائم، بما يحمي مصالح المغرب التجارية، دون إعلان حرب في المنطقة، ويسمح مستقبلا لقوات البوليساريو بمراقبة المنطقة ومنع التجارة غير الشرعية، وأيضا التأكيد على بلد “المنشأ” حسب الاتفاقية، والسماح بتحصين مصالح “دولة” البوليساريو عن طريق الطرق الدبلوماسية والقضائية.

وعدم توقيع نيجيريا على اتفاقية “أفسيفتا” إلى جانب المغرب، يؤجل طلب المملكة الانضمام إلى المجموعة الاقتصادية لغرب إفريقيا (الإيكواس)، التي يتزعم أول اقتصاد فيها (نيجيريا)، الدول العشرة غير الموقعة على الاتفاقية، وقد عززت اتفاقا آخر لـ 27 دولة يخص حرية انتقال الأشخاص.

وتدير الرباط مصالحها اليوم على أساس تجاري، غير مهتمة بالجانب السياسي والقانوني لخطواتها، مدركة أن تعزيز ميزان القوى الإقليمي سيحسم الاندماج عبر الحكم الذاتي لمنطقة الصحراء، فالمسألة تتعلق في نظر العاصمة الرباط بانتقال البوليساريو من دولة إلى “حكومة”، في إطار مبادرته للحل، فيما يعزز إبراهيم غالي من تواجد “الدولة الصحراوية” إلى جانب الدولة المغربية في المحفل الإفريقي، موافقا على المفاوضات المباشرة التي تشرف عليها الأمم المتحدة، لينقل هذا الزخم من القارة السمراء إلى المنتظم الأممي، ويواجه طرفا النزاع، منتصف الطريق الصعب بين الحرب أو “الدولة” في الإقليم، فيما يقدم المغرب مبادرة منفصلة، لأول مرة في لقاء كوهلر بلشبونة، عن الإدارة الذاتية للصحراويين، فسمح هذا التصور بتوقيع سعد الدين العثماني إلى جانب إبراهيم غالي كرئيسي حكومتين للمغرب والبوليساريو.

المغرب يوقع على اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية لإفريقيا في الخانة 23، فيما البوليساريو في الخانة 15، طبقا للبروتوكول الذي يراعي التمثيلية والأبجدية الإنجليزية في الترتيب

كانت الخطوة جريئة لتوقيع المغرب إلى جانب “دولة” البوليساريو، على أول اتفاقية دولية تجمع الجانبين، لكن المصالح تدار بمنعرجات، في مقدمتها، الورقة التي لا تزال محاطة بالسرية والمقترحة من المغرب بخصوص تفاصيل مبادرة الحكم الذاتي التي تسلمها هورست كوهلر، المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة في لقاء لشبونة، وقد فصل في التمثيلية، بين الصحراويين الممثلين للمنطقة التي بها نزاع وبين باقي الصحراء المحسوم في سيادتها للمغرب، فلم يعد هناك إغراق للصحراء ـ الغربية ـ من تخومها، فانفصلت خطة “الجهات” والجهوية عن “الحكم الذاتي” تماما.

وتسلم محمد خداد، قبل إحاطة كوهلر في مجلس الأمن، ما يقترحه المغرب مفصلا ومبوبا، مع الضمانات الأممية في 7 حواشي وملحق، لكن البوليساريو تشترط أن يكون ما يقترحه المغرب فوق طاولة المفاوضات المباشرة، لإطلاعه على وجهة نظر الجبهة.

ولم تقدم البوليساريو رأيا، لأنها تريد أن تبدأ المفاوضات المباشرة وتنعقد لتكون مناقشة كل الاقتراحات، بما فيها نقل “الدولة” من المخيمات إلى المنطقة العازلة مع الامتياز الاقتصادي والتجاري للمغرب، قبل إقرار الحل النهائي المتفاوض بشأنه من الطرفين، وتساهل المغرب في اتفاقيات تجارية إلى جانب توقيع البوليساريو(1)، يسمح له بحماية معبر “الكركرات”، وأيضا تليين الموقف الصارم حول “الثروات الطبيعية” في الإقليم بناء على حكمين قضائيين في أوروبا (محكمة العدل) وإفريقيا (المحكمة العليا لجنوب إفريقيا).

وكانت القمة الاستثنائية العاشرة للاتحاد الإفريقي بزعامة جنوب إفريقيا وحضور سيريل رامافوسا، وغياب نيجيريا، عاملا قويا في الأخذ بعين الاعتبار مصالح المغرب في هذه المنظومة الجديدة التي تشمل خلق التجارة الحرة القارية، وبروتوكول حرية انتقال الأشخاص، و”نداء كيغالي”.

ومن هذه الزاوية، فإن الانقسام بين جنوب إفريقيا ونيجيريا، صعب، لأن الاتفاقية القارية للتبادل الحر ناتجة عن رؤية لـ 40 سنة من “مخطط لاغوس” في 1980 و”اتفاقية أبوجا” 1991، المؤسسة للمجتمع الاقتصادي الإفريقي، وقد جاءت المنظمات الإقليمية والجهوية لتعمل على هذا الأفق، وطرح غياب مجموعة “الإيكواس” (أو سيداو)، سؤال التفاصيل المعقدة للوصول إلى “صنع في إفريقيا”، كما جاء في خطاب الافتتاح لرئيس رواندا، بول كاغامي.

الاتفاقية المؤسسة لمنطقة التجارة الحرة القارية لإفريقيا

تضم الاتفاقية وثيقتين(2)، الاتفاقية والبروتوكول حول التجارة في السلع والبروتوكول حول التجارة في الخدمات، وآخر في القواعد والإجراءات المتعلقة بتسوية المنازعات.

وعلى هذا الأساس، فإن الاتفاقية تحمي المعبر التجاري “الكركرات)، فيما البروتوكول يمكن البوليساريو من الطعن لتسوية الوضع في هذا المعبر، وتسمح النقطة 4 من المقرر للعاصمة الرباط، بالتحفظ، لكن ليس في النطاق والأهداف ومبادئ التفاوض والترتيبات المؤسسية التي تنظم المفاوضات حول التجارة في السلع والخدمات والاستثمار والملكية الفكرية وسياسة المنافسة على مرحلتين.

وبأحكام الملحق الأول، فإن التسهيلات الجمركية، تسمح للبوليساريو بفرض جمارك حول السلع المارة عبر “الكركرات”، إلا أن المغرب متمسك بقرار الأمين العام للأمم المتحدة بـ “الحفاظ على الوضع القائم”.

ويكون المغرب، حسب النقطة السابعة من المقرر بشأن “قواعد المنشأ”، مطابقا لتمييز الأمم المتحدة الصحراء عن المغرب، ولمعايير الاتحاد الإفريقي، وهي النقطة المعتمدة في الملحق الأول، وسيكون ما قبل أبريل 2019، تاريخا حاسما، لاعتماد قواعد المنشأ في نهاية الفترة، بما يساعد ويضغط لتعجيل المفاوضات المباشرة بين البوليساريو والمملكة، برعاية الأمم المتحدة.

ولابد في هذا السياق من ملاحظات منها:

1ـ أن الملاحق تعد من الاتفاقية.

2ـ أن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، ساعد فنيا وقانونيا، على شرعنة الوضع القائم بشأن معبر “الكركرات” وإعلان الدولة في المخيمات.

3ـ أن المرحلة الثانية حول الاستثمار والملكية الفكرية وسياسة المنافسة، لن تكون دون رؤية لحل نزاع الصحراء بين دولتين إفريقيتين، من جهة، هناك ترتيب جديد للأوراق، لأن الضغوط الاقتصادية، أصبحت جزء من المعادلة في حل قضية الصحراء، ومن إثارة مسألة الثروة الطبيعية، وإلى التزامات البوليساريو نحو المغرب في الجانب الاقتصادي والموجهة للأمن في 2007، وأيضا التوقيع المشترك للمملكة والدولة المعلنة من البوليساريو على أول اتفاقية دولية في 2018.

مصر أعربت عن انشغالها إزاء المادة 25 من مشروع الاتفاقية المتعلقة بالتحفظات، والقاهرة لا تريد لأي طرف موقع، إدارة موانع تمس بحرية التجارة، أو تفرغ تحويل القارة الإفريقية إلى سوق واحدة من أي مضمون

جاء انشغال مصر مانعا من أي تسييس مباشر لقضايا التجارة، أو انتصار القوانين الوطنية الحمائية على اتفاق التجارة الحرة القارية لإفريقيا يبدأ من السوق الموحدة للنقل الجوي، والبروتوكول المتعلق بحرية تنقل الأشخاص، درءا منها لأي تطور يمس هذه القضية، ويحافظ جزئيا على الوضع القائم، بعدما أعلنت الأمم المتحدة الإحصاء النهائي للاجئين، وباعتبارهم كذلك، لن تغلب عليهم صيغة مواطني “الدولة الصحراوية”.

وحصرت المفوضية السامية للاجئين العدد الإجمالي في المخيمات، لأن إبراهيم غالي، رئيس جبهة البوليساريو، يدافع بشراسة عن “الدولة”، ومن دون تعاون رسمي، ترك للأمم المتحدة إحصاء الساكنة، فيما يجد هامش المناورة في الاستغلال المشترك للمناطق العازلة، كما قال قرار مجلس الأمن الأخير، وقد تحول أخيرا إلى الدفاع عن الوضع القائم لدفاع أنطونيو غوتيريس عن الإدارة المغربية، بما لا يفقده السيطرة بدوره على “الدولة” في المناطق العازلة.

ويعي الأفارقة أن خيارهم في حل هذه القضية، ليس مسموحا، لأن المهمة حصرية للأمم المتحدة في إيجاد حل كما ينادي المغرب، فتحولت إفريقيا إلى منطقة مناورة، وقد كبحت الاتفاقية الأخيرة التي جمعت توقيعي المغرب و”دولة” البوليساريو، السير العادي لنظرة العالم إلى هذا المشكل.

وفي هذا السياق، فإن البوليساريو مهيأة لتدخل البنك الإفريقي للتنمية، وبعثة الأمم المتحدة الاقتصادية لإفريقيا ولجنة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية في المنطقة العازلة وشرق الجدار، ومن ثم البدء في:

1ـ تلقي الدعم من البرلمان الإفريقي.

2ـ العمل مع “المينورسو” على بناء وضع يسمح للساكنة في بئر لحلو وتيفاريتي بالاستفادة من برامج الدعم القارية.

3ـ تحرير التعريفات لتبرير مرور الشاحنات المغربية في معبر “الكركرات”.

المقرر بشأن الموقف الإفريقي من اتفاقية التعاون الجديدة مع الاتحاد الأوروبي، لا يستثني إعمار شرق الجدار والمنطقة العازلة

في سياق “اتفاقيات كوتونو” لما بعد 2020، سيكون التعاون الجديد مع الاتحاد الأوروبي بدون تحفظات، ولذلك، فإن إعمار ما يسمى المناطق العازلة ـ أو المحررةـ وشرق الجدار الدفاعي في الصحراء، لم يعد تحت أي ملاحظة أو تحفظ أو إعادة تقدير.

وإن تمسكت الأمم المتحدة بعدم تغيير الوضع القائم ليشمل كل ما يتعلق بالصحراء، فإن السياسة المدعومة من الاتحاد الإفريقي، تهدف إلى مساواة الطرفين (البوليساريو والمملكة) وكسر احتكار الأمم المتحدة للمشكل، واستجاب هورست كوهلر للقاء كل الأطراف، والاتحادين، الأوروبي والإفريقي، وهو ما ألزم المغرب بإخراج ورقة مفصلة عن الحكم الذاتي، باشر مناقشتها مجلس الأمن في جلسة سرية، عبر فيها عن دعمه لجهود المبعوث الأممي من أجل مفاوضات مباشرة، فالورقة المغربية المقدمة للأمم المتحدة، لن يكون لها مفعول إلا عبر طاولة المفاوضات.

ولا يمانع خداد، عن البوليساريو، في طرح المغرب وتفصيله ليأخذ مصداقية إلى جانب  خيار الدمج أو الاستقلال، كما لا يجد الاتحاد الإفريقي مانعا قانونيا في استفتاء يدمج “دولة” البوليساريو في دولة المغرب، أو يعزز خيار الاستقلال من خلال تعمير وتوسيع المناطق العازلة.

والأوروبيون بحكم الوثيقة الإطار، فإن دولة البوليساريو، حسب الوثيقة المعتمدة بشأن التجارة الحرة، قادرة على الاستثمار في الإقليم (الصحراء) بدون تحفظ، كما تفيد الوثيقة المعتمدة(3) أنها خارج سياق مجموعة دول إفريقيا والمحيط الهادي وبحر الكارايبي.

وحاليا، فإن قارة إفريقيا تتحدث بصوت واحد، في إطار تعاون واحد بين اتحاد واتحاد / قارة وقارة، ويكسب المغرب بند: الحفاظ على الاتفاقيات المبرمة بين البلدان في القارة الإفريقية والاتحاد الأوروبي وتمديد نطاقها لتشمل جميع البلدان الأخرى، بما يؤكد أن البند الثالث في الوثيقة، يسمح بالاتفاق مع المغرب حول الصيد البحري وتمديد نطاقه للصحراء ـ الغربية ـ بدون تحفظ ـ لكن التعويض المالي، سيكون موجها هذه المرة للسلطة القائمة بما فيها مسئولي المخيمات.

ويبدو أن اعتماد الموقف الإفريقي الموحد من “اتفاقيات كوتونو” لما بعد 2020، سيكون رهين موعد 15 أبريل 2018 لاستكمال إعداد النص، قبل الاجتماع الوزاري السابع بعد المائة (107) المقرر عقده في مايو 2018 في لومي عاصمة الطوغو، ويستخدم الاتحاد الإفريقي ترتيبين: التفاوض بشأن شراكات جنوب ـ جنوب، وبناؤه على النماذج القائمة والحسم في قضية “دولة” البوليساريو عضوا في المؤسسات الدولية.

ولتوضيح بعض التفاصيل الفنية في الاتفاقية، جاء تصريح السفير ألبرت. م. موشانغا(4) ليؤكد أن التواقيع قانونية بشكل كامل، وغير قابلة للطعن أو المراجعة، أو تحميلها لجهة في دولة محددة، وهو ما يعني أن قرار المملكة، قرار الدولة الموقعة، وأن المملكة لم تتحفظ على أي بند أو خطوة نحو إقرار الاتفاقية.

ودولة المغرب في هذه الحالة، ملزمة بـ:

1ـ قبول الرواج التجاري لأي سلعة مصنعة في الأراضي العازلة أو المحررة، لأنها في نظر الاتحاد الإفريقي، أراضي “دولة” البوليساريو.

2ـ أنه من حق “دولة” البوليساريو في الأراضي المعترف بها من طرف الاتحاد الإفريقي، بناء مطارات وضمها إلى تحرير النقل الجوي.

3ـ أنه من حق البوليساريو استغلال الشاطئ الأطلسي المقابل لأراضيها.

وهذه القرارات، لا يمكن لمجلس الأمن كبحها تحت أي مبرر، لأن الاستفتاء مؤسس بالصفة والمضمون في أدبيات مجلس الأمن، والمفاوضات حول حل سياسي، لا يمنع بأي حال، الأمور التي لم تتحفظ عليها المملكة.

قبول المغرب برواج أي سلعة مصنعة في ما يسمى “الأراضي العازلة “، وهي أراضي “دولة” في نظر الاتحاد الإفريقي، وبناء مطارات وضمها إلى تحرير النقل الجوي إلى جانب موانئ على الشاطئ الأطلسي، هي أمور قانونية، حسب الاتفاقية التي وقع عليها المغرب و”دولة” البوليساريو إلى جانب 42 دولة إفريقية أخرى

لن يكون ممكنا، حسب اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، رفض المملكة للرواج لسلعة مصنعة في الأراضي العازلة، أو بناء مطارات، أو بناء ميناء على الأطلسي لاستقبال مواد البناء وباقي البنيات الموجهة للاستثمار، وسيكون من الصعوبة على موريتانيا، قبل غيرها، القبول بميناء للبوليساريو على الأطلسي، وصراعها محتدم كي لا ينافس ميناء الداخلة ميناؤها في نواذيبو، كما يصعب على الجزائر قبول مطار جوي قريب من أراضيها، لكن السماح القانوني بهذه الإجراءات، دخل حيز التنفيذ.

وبشكل صادم، فإن ما يسمى “بوليساريو الداخل”، من حقهم حمل أوراق ثبوتية لـ “الجمهورية” المعلنة في المخيمات، والإدلاء بها للسلطات المغربية، لكنهم في هذه الحالة، يثبتون أنهم رعايا دولة أخرى، فيما يمكن ضمان حقوقهم على أرضهم على أساس حملهم لوثائق تشمل الأراضي التي يعيشون فيها، لذلك، فالاتفاقية قابلة لإعادة رسم خارطة المنطقة، وإيجاد سبل أخرى للعيش المشترك المؤهل لحل دائم لهذه القضية الشائكة.

ويسير التطور الجديد باتجاه سوق داخلي إفريقي يرفع التجارة الإفريقية إلى 53 في المائة عام 2022، وبصادرات نحو خارج القارة بـ 6 في المائة، في وضع يكون فيه التصنيع في حدود 42 في المائة من التجارة الإفريقية.

وتؤهل شرعنة هذا الاندماج، لخلق وسائل للشراكة من الناحية القانونية عبر وزراء التجارة والعدل في القارة، لذلك، فنحن أمام اتفاقية للتجارة الحرة القارية و3 بروتوكولات.

ومن المهم أن البروتوكول الثالث حول قواعد وإجراءات حل النزاعات، أخذ تقديرين:

1ـ أن الملاحق تسمح لـ “دولة” البوليساريو بممارسة هذه الإجراءات من داخل القواعد التي تؤمن بأنها دولة كاملة العضوية، وإلحاق أحكام بالمغرب، قد تعقد تجارته مع القارة، فهو بين قارتين وبحكمين قضائيين يحرمانه من السيادة على إقليم الصحراء أو استغلال ثرواته، وبمجرد تحويل الاستغلال إلى استثمارات، سيستثمر المغرب في مواصلة الوضع القائم.

2ـ أن العمل على الاتفاقية، سيكون بشكل منفصل بعد التوقيع، فاليوم دخل الوضع القانوني حيز التنفيذ، ولا يمكن بأي حال الوقوف عند التفاصيل السيادية التي تملكها “دولة” البوليساريو بحكم القانون والاتفاقية المذكورة والبروتوكولات ذات الصلة.

ولذلك، فإن السفير موشانغا، يعتقد بأن كل الرهان حاليا، على “جواز السفر الإفريقي”، حسب تصريحه.

جواز السفر الإفريقي سيضم “دولة” البوليساريو، وسيدخل به كل أفارقة الاتحاد إلى المملكة

سيتضمن جواز السفر الإفريقي كل الدول الأعضاء في الاتحاد الإفريقي، وسيوزعه المغرب على رجال أعماله ومواطنيه الراغبين في زيارة إفريقيا، كما سيستقبل الأفارقة بجوازات تضم “الدولة الصحراوية”.

وليس هناك سبيل لأي اعتراض قانوني بعد التوقيع، لذلك، فإن الإجراءات دخلت حيز التنفيذ بما يخدم هذه الرؤية، وجواز السفر الإفريقي، خطوة مؤكدة وقريبة لفئة رجال الأعمال بدون تأشيرات، بما يعني أن المملكة، لا يمكن أن تعارض هذا المسعى المترتب عن اتفاقية وقعتها.

وتخدم الخطوة الإيجابية، في نظر السفير موشانغا، أمرين: تحرير النقل الجوي وعبره تحرير الأعمال (وانتقال رجال الأعمال)، وسيكون قريبا بهذه الجوازات.

إن مسطرتي حل المنازعات والمنافسة الشريفة لاستثمار أو استغلال أرض إقليم تطالب به دولة إفريقية أخرى، يطرحان إشكالا تقنيا للمسؤول المغربي بفعل دخول اتفاقية التجارة الحرة القارية لإفريقيا، حيز التنفيذ، وهذه المساطر مرفوقة بتقرير مرصد إفريقي، ولن يكون متسامحا على حد السفير في:

ـ مراقبة أرض المنشإ للسلع المصنعة والمعدنية والمرتبطة بالإنتاج الفلاحي.

ـ الاحتكام إلى القواعد المعيارية لأرض المنشإ، بالإضافة إلى الأثمان والمستويات والبنيات والقواعد والمعايير التقنية للمنتج الموجه للآخرين.

ـ أن الصادرات ستكون بشراكة مع بنك إفريقيا للتصدير والاستيراد، وسيكون على مصر، رغم موقفها من قضية الصحراء، العمل على الأجرأة بما يضمن حقوق كل “الأطراف” الموقعة، وإن لم تستخدم القاهرة “الدول” الموقعة في الورقة الموجهة، حفاظا منها على عدم اعترافها بـ “دولة” البوليساريو.

ويلتزم البنك، بالتعاون مع أي طرف موقع على الاتفاق مع نظام للأداء، يضمن كل المعاملات العابرة للحدود في القارة السمراء بنظام مالي محترف يخدم عامل الزمن بشكل معياري، ويمكن من خلال الاتفاق مع هذا البنك، وصول منتوجات البوليساريو بتأمين مالي كامل ومن الأراضي العازلة إلى كل مناطق إفريقيا.

بنيات المنافسة تسمح لـ “دولة” البوليساريو برفع دعوى قضائية

ضمن أنظمة ومقاييس المنافسة، يمكن لـ “دولة” البوليساريو، رفع دعوى قضائية لضمان المنافسة، وتلك خاصية تضمنتها الاتفاقية التي وقعتها الجبهة، إتماما لمعركتها تحت عنوان “الثروات الطبيعية” للإقليم، لذلك، فالمصادقة على بلد المنشإ، وتأمين الجودة ومعاييرها، وتسهيل الاعتراف المتبادل أو متعدد الأطراف، شروط تراها الاتفاقية جزء لا يتجزأ من تأمين التجارة العابرة للأوطان الإفريقية، وبالتالي، بناء السوق الإفريقية الواحدة(5).

والدقيق أن نؤكد أن الاتفاقية، تضمن في حال الجودة العالية، عدم تحديد الأثمان على الحدود، وتطوير البنية التحتية للجودة الضامنة لنمو التجارة البينية والقادرة على التحدي.

وتذهب المساطر القانونية المحدودة بهذه الشروط، إلى سبع نقط تطرق إليها المؤتمر الاستثنائي في كيغالي، بعد نشر جزئي للكتاب الإرشادي عن اتفاقية التجارة الحرة الإفريقية، وقد وقع تقدير يرمي إلى دعم منافسة الأسواق الناشئة لتكون أكثر تنافسية وتأمين المسار الاقتصادي لباقي الأسواق في طريق النمو، لتأمين “المساواة” بين الفاعلين الأفارقة، فالمسألة تتوسع لتشمل قدرة السوق على مساعدة الدول الفاشلة، والتي تحت ضغوط الفقر  والمواجهة أو تحت تهديد السلاح.

وتبنى الاتحاد الإفريقي غزو السلع الإفريقية لكل المناطق، لتحسين قدرة القارة على السيطرة على قرارها السياسي والاستراتيجي، فالعامل الاقتصادي يخدم “الأجندة القارية”، والاتحاد الإفريقي تحديدا.

اليوم، تتحول إفريقيا إلى سوق بعد أن كانت أسواقا تتنافس أن تكون دولا، لذلك، فإن الاتفاقية التي دخلت حيز التنفيذ، وجدت في وسائلها القانونية، ما يحمي بعض توجهاتها، خصوصا اتجاه “دولة” البوليساريو المعترف بها، فهي ليست عبئا على إفريقيا، والتنافس على مقدرات الإقليم، سبب لغطا في أوروبا قبل أن ينتقل إلى جنوب إفريقيا، القوة الأكبر في القارة، وقد وجدت الذكاء القانوني الكافي في الصياغة لتأمين شركائها السياسيين والاقتصاديين، وهو ما رفضته نيجيريا، لأن محور الرباط ـ بريتوريا في الاتفاقية، يعوض محور الرباط ـ أبوجا، بعد طلب المملكة الانضمام إلى “سيداو”، وفي النهاية، فإن القوى الثلاثة تدور مع مصالحها المباشرة، ولن تتخلى نيجيريا وجنوب إفريقيا عن البوليساريو، خصوصا في ظل صراع المصالح، ومحاولة أبوجا إدارة ما هو خارج الاتفاقية، ووقعت “دولة” البوليساريو إلى جانب جنوب إفريقيا، على اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، كما لو كانت المناورة أن يبقى المغرب إلى جانب نيجيريا في مقابل جنوب إفريقيا والجزائر وجبهة البوليساريو، لكن الانطباع لم يكن سليما، ولم يكن المغرب انقساميا أو ضد مبادئه التجارية.

وقبلت الرباط بمساطر صعبة قد تستعملها جبهة البوليساريو، لكن الكابح، هو الاتفاقية نفسها، والتي لا تسمح لجنوب إفريقيا باستصدار أحكام قضائية إضافية ضد المنتوجات ذات المنشإ في إقليم الصحراء، وهو بند إضافي لتقرير الحكم القضائي القاضي بمصادرة شحنة من الفوسفاط القادم من “فوسبوكراع” من ميناء العيون.

إذن، فالخطوة السياسية للمملكة في التوقيع على الاتفاقية، دون الانعزال إلى جانب أبوجا، محاولة لإبعاد الضغط الجنوب إفريقي إن بقيت البوليساريو وحدها في مقابل صف آخر يقوده أو ينضم إليه المغرب.

اتفاقية التجارة الحرة القارية لإفريقيا التي وقعها قادة القارة في كيغالي، أعطت زخما كبيرا لبول كاغامي، الذي وعد بالعمل على حل قضية الصحراء

لأول مرة، هناك رئيس للاتحاد الإفريقي له رؤية لحل قضية الصحراء، وبول كاغامي في استقبال المبعوث الشخصي للأمم المتحدة الخاص بهذه القضية، هورست كوهلر، قال: “لن يمر أي حل دون موافقة إفريقيا، ولن نقتل دولة في الاتحاد لمجرد قرار من هذه الجهة أو تلك، نحن ندعم الجهود ولن يحصرها أحد في زاوية واحدة، فالمشكلة إفريقية والحل إفريقي”.

ويعتقد الأمريكيون، أن المرور عبر كيغالي، مسألة رئيسية بعد الاتفاقية، وجاءت زيارة السفير الأمريكي إلى “الدولة” في المخيمات، إشارة قوية إلى تأكيد الرئيس ترامب على مصادقة البوليساريو للسياسات الدولية الخاصة بالتجارة، وإن قسمت الاتفاقية إفريقيا مرة أخرى بين جنوب إفريقيا ونيجيريا، وكلا القوتين لن تتخليا عن موقفهما في قضية الصحراء، فيما شكل الأفارقة، دون نيجيريا، أكبر منطقة للتبادل الحر منذ خلق منظمة التجارة العالمية(6)، فمن جهة، حذفت إفريقيا 90 في المائة من الجمارك على منتوجاتها، وتحرر الأفارقة من إرث استعماري يجعل كل بلد يتاجر مع من استعمره، يقول المنسق في مركز السياسة التجارية لإفريقيا (سي. أو. أ)، ديفيد لوك، وفي هذا الاقتصاد، لا يمكن إيجاد فرص للعمل.

قد يجد البعض أن ما حدث، تجديد للسياسة النيوليبرالية الخطيرة، وقد منعت محمادو بوخاري، رئيس نيجيريا، من التوقيع، داعيا إلى المزيد من المشاورات بعد تقرير “كنوسيد” الذي يعلن شطب 4.1 ملايير دولار من جمارك وضرائب الدول الموقعة في مقابل ربح بـ 16.1 مليار دولار على المدى البعيد، والرهان كامل على الصناعة، وإلا عادت الدول المروجة لسلع الآخرين، دولا وكيلة واقتصادات وسيطة تتقدمها المملكة.

ومن الطبيعي أن تكون ورقة الصحراء، ورقة ضاغطة في يد المنافسين: نيجيريا وجنوب إفريقيا، وأيضا الجارة الجزائر، وبالتالي، فإن المنافسة الاقتصادية، ستكون منافسة جيوسياسية.

سيتحول كل شيء إلى السياسة، لأن عموم الخبراء الأفارقة، ضد إفريقيا، بعد توقيعها على هذه الاتفاقية ـ كما يقول إيير سالم شيبا عن “بروكينغر” ـ وتوقيع المغرب إلى جانب “دولة” البوليساريو، سيأخذ مناحي قانونية وسياسية في المستقبل القريب.

ومن المهم أن المغرب، أضاف عائقا آخر في علاقته الاقتصادية مع نيجيريا، لأن المملكة أصبحت سوقا بعشرات الشراكات، آخرها اتفاق التجارة الحرة الإفريقية.

وترى مصادر جنوب إفريقية، أن المغرب سيعدل قوانينه المحلية لموافقته التشريعية على اتفاقية منظمة التجارة الحرة القارية الإفريقية، وهذه القناعة لن تمس الإطار الذي ستكون عليه “دولة” البوليساريو.

من المهم أن قضية “دولة الصحراء”، لم تعد “طابو”، والخطوة موجهة لإعمار المناطق العازلة ضمن توقيع الطرفين المتصارعين في الصحراء على الاتفاقية المذكورة.

هل تورط المغرب وحده ضمن الكبار في التوقيع على اتفاقية التجارة الحرة القارية لإفريقيا؟

لم تحضر نيجيريا القمة الاستثنائية لتوقيع اتفاقية التجارة الحرة الإفريقية، ولم توقع جنوب إفريقيا قانونيا على الاتفاق، للتعقيدات المعروفة في المصادقة على الاتفاقيات الدولية(7)، فهل تورط المغرب وحده في هذه الاتفاقية إلى جانب مصر والجزائر، رغم اقتصادهما الأقل انفتاحا في شمال القارة، وهي البوابة التي تمنح المغرب عدم مصادقة برلمانه على هذه الاتفاقية أو نشرها في جريدته الرسمية؟

المسألة تتجاوز التجارة إلى الأبعاد الجديدة للصراع في الصحراء، بعد التوقيع، لأن البوليساريو ستواصل معركتها حول الثروات الطبيعية من داخل الاتفاقية وميكانيزماتها القانونية التي وافقت عليها المملكة.

ويؤكد الموقع الزامبي “تايمز لايف”، على تقدم المغرب وحده في هذه الاتفاقية، رغم تبعاتها المعقدة، لأن إنشاء بنيات إدارية وقانونية ولوجستيكية، حسب موشيكيوابو(8) عن الخارجية الرواندية، وأشارت المسؤولة في الرد على “دولة” البوليساريو بالقول: “إن كل دولة لديها مسؤولية العمل”، فيما طالبت سونغ سونغوي، السكرتيرة العامة المساعدة للأمم المتحدة، الدول الموقعة بجدول زمني لخفض الجمارك بطريقة قياسية، مع التأكيد على عائق يطرحه الخبراء، والمتمثل في إبقاء الجمارك النيجيرية وإزالة الجمارك المغربية، وسيكون من الطبيعي، تأجيل الاتفاقية أو تكييفها في أكثر من بلد.

وإن رأينا أفارقة طلبوا مهلة لتوسيع المشاورات قبل التوقيع، فإن هناك أفارقة وقعوا ويريدون مهلا قبل التنفيذ، وانتهى توسيع دائرة النقاش العمومي في إفريقيا إلى جزء من التحول الطارئ في المجتمع الأسمر من شمال القارة إلى جنوبها، واختارت دول التوقيع على إعلان الاتفاقية وليس على الاتفاقية(9)، فيما يسود صراع آخر بين البوليساريو والمغرب في الأروقة بخصوص الأبعاد وهندسة التكتيكات، فعاش الأفارقة بين موقعين على الاتفاقية لأهداف سياسية بحتة كما في حالة البوليساريو، أو لأهداف تجارية بحتة، في حالة المغرب.

كل بند في اتفاقية التجارة الحرة الإفريقية، لغم يمكن استثماره في احتواء البوليساريو، لأن المغرب ليس بوابة لإفريقيا، بل شريكا متقدما يصعب التخلي عنه

في تمسك الأوروبيين بالشراكة مع المغرب، بعد حكم محكمة العدل الأوروبية الذي ميز الصحراء عن المغرب، يسود اعتقاد أن الأوروبيين أو الأمريكيين لا ينظرون إلى وجود بديل محتمل للمملكة في شمال إفريقيا، فكيف النظر إلى البوليساريو؟

في مقابل العاصمة الرباط، هناك شركاء أفارقة ضد توسيع العمل المغربي إلى جانب الشركاء الأوروبيين والأمريكيين، لكن كل بند من الاتفاقية، هو لغم “قانوني”، وإطارها مدروس إلى الحد الذي يمكن فيها لـ “دولة” البوليساريو، وقف المنتوجات الصحراوية من العيون والداخلة، فيما يعد تعمير المنطقة العازلة، خيارا مفتوحا، حسب الاتفاقية المذكورة.

وحسب البنود الأولى من الاتفاقية، فإن هناك الحصانة القانونية للدول غير القابلة للتفاوض، وهو ما يؤكد على تعزيز الجسم القانوني لـ “دولة” البوليساريو، ولها الحق في إعلان إلغاء الجمارك في معبر “الكركرات”، لأن هذه الطريقة تشجع على التجارة الحرة.

الخارطة الاستثمارية على هامش المؤتمر في كيغالي، عرضت مسألتين، تمويل الاتحاد الإفريقي لتعمير الأراضي العازلة، وأن قروضا لأول مرة تعرض على إبراهيم غالي لأجل هذا الغرض، وأيضا حضور مراقبين أفارقة إلى المنطقة العازلة في معبر “الكركرات” التجاري لمراقبة الوضع.

إن ما جرى في “كيغالي”، خفض جزئي لخيار الحرب حول “الكركرات”، وتقديم للمعبر في صورة أخرى للتجارة الحرة، وهي ضربة للجمارك الموريتانية التي زادت إتاواتها بشكل قاس، والمغرب إذ يبعد كل تغيير عن الوضع القائم لمعبر تجاري تحميه الاتفاقية، فإنه يخنق موريتانيا إن زادت في أثمان جمركتها للسلع، والمغرب قد يربح تجاريا في مقابل الآخرين، إلا إن تحولت المعركة إلى الجانب القانوني في محاكم إفريقية.

هوامش

  • int/sites /default/files/pressreleases /34033 (indication of legal instruments to be signed at the 10 extraordinary session of assembly on the launch of the AFCFTA).
  • TI/AFCFTA/AMOT/S/FINAL /report and ext /STS /legal / min /report.
  • EXT /EX.CL/2(XVIII).
  • Towards the lauch of the African continental free trade area; media brifing ambassador albert. M. Muchanga, commissioner for trade and industry (au.intil) sites /default /files /speeches /34004 – sp – towards- the lauch of the African continental free trade).
  • Statement by amb. Albert Muchanga. (19 mach 2018).
  • African continental free trade area: what you need to know, by loes witschge, aljazeera (en) (20 mar 2018).
  • SA remains committed to Africa continent to Africa continent free trade area: davies, by linda ensor, times live.co.za.
  • AFCFTA to boost intra- Africa trade, herald.co.zw.
  • Watch: SA needs consultation before signing AFCFTA, says ramapho. iol.co.za. (22 mar 2018).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Open

error: Content is protected !!