في الأكشاك هذا الأسبوع
بن كيران

الحقيقة الضائعة | لهذا كان الملوك العلويون يتصاهرون مع العائلات الأمازيغية والصحراوية

بقلم: مصطفى العلوي

صفقت الأيدي الإعلامية المرتبطة بالأفكار الانتهازية، والشيطانية(…) لظاهرة إبعاد زعيم حزب العدالة والتنمية عبد الإله بن كيران، عن رئاسة الحكومة، وفرح الكثيرون منهم لعمرته المطولة في الديار المقدسة، متمنين لو أنه فعل كالكثيرين من المغاربة الذين سبقوه، وفضلوا البقاء هناك(…) مجاورين لبيت الله الذي هو بالتأكيد أشرف من بيت الدولة في شارع الأميرات، الذي سكن فيه خلف بن كيران، الدكتور العثماني.

وبدأت تهيمن على مقالات تلك الصحف(…) فكرة الدعوة لظاهرة انقراض حزب العدالة، إما عبر النجاح المصنوع(…) لمخططات تقسيمية، وها هو واحد من المستفيدين(…) من منصب الوزارة، وكان منذ أيام متمترسا خلف الأتباع، محمد يتيم، يصرح بحروف غليظة: ((هل بن كيران هو رسول الله؟)) (الأحداث. 13 مايو 2017).

وإما عبر الترديد المتكرر لأطروحات تقسيم هذا الحزب، مثلما حصل للأحزاب القوية السابقة، حزب الاستقلال، والاتحاد الاشتراكي، والكتلة الوطنية نفسها، وقد اختفى هؤلاء العفاريت(…) المخيفون في غياهب الضعف والانقراض، لفائدة من، لا ندري.

وتأتي الكلمة الفصل على لسان المفكر المجرب المتزن، عبد الله العروي، عبر شاشات التلفزيون الإنجليزي الجاد “سكاي نيوز”، التي اختارت واحدا من بين أعقل رجال المغرب، ليضع النقط على الحروف، ويرجع بالمغاربة إلى الأصل، وهو الارتباط العرقي بين المغاربة ونظامهم الملكي المشخص للعقيدة الإسلامية، عبر إمارة المؤمنين ليقول العروي: ((علينا أن نعترف ونقول بأن الأمور الدينية كلها موكولة إلى الملك بصفته أمير المؤمنين، لكن الحل(…) يكمن في أن كل ما ليس دينيا، وهو دنيوي، من اقتصاد ومال يخرج من بين أيدي الملك، ويكون بين يدي البرلمان المنتخب، لأنه كلما اختلطت الأمور الدينية والسياسية إلا وتخربت الدولة)) (تصريح عبد الله العروي. سكاي نيوز، 10 مايو 2017).

جدية عبد الله العروي المتأصلة إذن من سابق ما كتبه بصيغة الحكيم: ((أن الأسوأ هو النظام المتولد عن تفسخ الاستبداد، حين يكون هذا الأخير قد أفسد النفوس بتشجيعه الأرذل والأقبح، فالنظام الأقل سوءا هو الذي يزامن حكم الملك، عندما يشار إلى دور البطانة أو الحاشية أو الأصحاب(…) ويكون الملك هو الواجهة التي تنتشر بها الجماعة الحاكمة)) (عبد الله العروي. ديوان السياسة).

بينما تجربتنا الأخيرة، تكشف عبر كل ما نلمس ونرى، أن التصفيق لفكرة تحطيم الهياكل السياسية، وإفشال تجربة حكومة بن كيران، وحزبه الإسلامي المتعقل، هي كل ما استطاعت أن تؤثر في توجيهه هياكل البطانة والحاشية والأصحاب، والجماعة الحاكمة.

ليحتم علينا هذا الحاضر الفوضوي المقلق والغير مدروس(…) أن نرجع إلى الماضي المغربي المجيد، لنستخرج العبر، من ذلك التحالف النبيل، بين سلاطين زمان، وبين المكونات الوطنية التي كانت تعوض الأحزاب في زمن لم تكن فيه أحزاب، زمن كانت فيه الأحزاب هي الطوائف الدينية التي كان لها نفوذ أقوى من نفوذ الأحزاب.

يزور كثير من المكناسيين، بقصد التشفع والبركة، ضريحا مشهورا باسم ضريح “للا خميسة”، وقصة هذه الولية الصالحة، هو أنها لم تكن ولية ولا صالحة، وإنما هي الظروف ساقتها في الزمن الذهبي لتاريخ المغرب، أيام الولي الحقيقي سيدي بنعيسى، صاحب طائفة العيساويين، الذين كانوا في مهرجاناتهم يكسرون رؤوسهم عنوة، بالشواقير، لأنهم عيساوة، وربما تقليدا للشيعة الشرقيين الذين كانوا ولازالوا يضربون رؤوسهم وصدورهم في مهرجاناتهم الدينية، لذلك كان موسم عيساوة بمكناس، يحضره أتباع كثر من الجزائر وتونس، ومن طرابلس وحتى من مصر.

وقد سبقني للاهتمام بهذا الموضوع، كاتب أمريكي مهتم، زار المغرب واستقر به سنة 1907، ليلة إمضاء عقد الحماية وعاشر المغاربة، وتعمق في طبائعهم، واسمه “جورج إدمون هولت”، ربما كان بحسه السياسي يعرف أن الفرنسيين بصدد التحضير لاستعمار المغرب، خصوصا وأنه، كسبا للعيش، اشتغل كاتبا في المفوضية الأمريكية بطنجة، لذلك كتب للآخرين وصيته المشهورة: ((إن الإنسان المغربي لغز يعسر فهمه على العقل الغربي، فالمغربي هو الذي يقول: إن من يدعي أنه يحب ولدي فعليه أن يضع فوق رأسه تاجا)).

“إدمون هولت” تعمق ذلك الزمان، في واحدة من أكبر القوات السياسية المغربية نفوذا وتأثيرا على المحيط المغربي، وهو الحزب الذي كان المغاربة قديما يسمونه الطائفة(…) وعندما يغلب عليها الطابع الديني(…) تسمى “الطريقة” كأن نقول اليوم، طريقة العدالة والتنمية مثلا، كان الحزب في ذلك الزمان.. القريب(…) 1907، يسمى الطريقة العيساوية، التي يحكي الكاتب الأمريكي، أنها طريقة تأسست في المغرب، مائتي سنة قبل أيام السلطان مولاي إسماعيل، باني مكناس، الذي رغم عظمته وقسوته، وضع سلاح الاستسلام أمام قوة هذا الحزب، الذي كان مهيمنا على مكناس، وبينما السلطان يريد أن يجعل منها عاصمته، بدأ في مناورة أقطاب الطريقة، ليخففوا ضغوطهم من على المدينة، الشيء الذي اعتبره أعضاء الحزب الديني تضييقا لهم، وهم غارقون في طقوسهم الدينية المطولة، وبينما هم يفكرون في طرق معاملتهم مع هذا السلطان الخطير، خصوصا بعد أن شكل حزب عيساوة تحالفا كتلويا(…) مع طائفة أخرى اسمها حمادشة، ولهم تقريبا نفس الطقوس الشيعية(…) عند العيساويين، لا ترتاح أجسامهم إلا عندما تسيل عليها دماؤهم.

وفسر الكاتب الأمريكي هذه الظاهرة الدموية بقوله: ((إن الطريقة العيساوية والحمدوشية، كانتا ترميان في أصلهما إلى ترويض أتباعهما على تحمل المشاق، والاعتياد على رؤية الدم في بلد تتربص به دعوات المسيحية)).

وعن فترة الصراع بين السلطان(…) والطريقة العيساوية، والضغوط السلطانية لتخليص مدينته من النفوذ القوي لهذه الطوائف يحكي الكاتب الأمريكي ((أن زوجة الشيخ العيساوي كانت تسقي الماء من بئر بيتها، حين فوجئت بالدلو يطلع من قعر البئر، مملوءا بالذهب، وليس معروفا هل قام الشيخ مع زوجته بالعودة إلى البئر للبحث عن مزيد من الذهب، إلا أنه لم يطلع أحدا من الأتباع على هذا السر الدفين)) (كتاب عبد المجيد بن جلون جولات في مغرب أمس).

ويوالي السلطان مولاي إسماعيل ضغطه على حزب عيساوة من أجل تقليص نفوذهم على المدينة، ليكون رد الفعل الجماهيري نوعا من الإضراب، يقوم به أتباع الطريقة أسبوعا كل سنة ((يظل سكان المدينة الذين اعتنقوا الطريقة ليلا سجناء في بيوتهم كل سنة لمدة أسبوع)).

واضطر السلطان أمام الضغوط العيساوية، أن يصدر قرارا يقضي بطرد كل عيساوة من مدينة مكناس وكان قرارا شبه عسكري، من شأنه أن يزعزع الطريقة من مواقعها.

ويضطر القطب العيساوي لمفاوضة السلطان القوي، الذي يقول للعيساوي: اخرجوا من مدينتي، فيجيبه العيساوي: نشتريها منك يا سيدنا.. ويسخر السلطان طبعا، لكن عندما يعرض عليه العيساوي كميات الذهب يتنازل السلطان، ويقبل بيع المدينة للعيساويين، ليعطيه العيساوي محتويات الكنز الذي أخرجه من البئر، وتعود الهيمنة العيساوية على المدينة إلى أوجها إلى أن يخبر المتحكمون السلطان بأن الشيخ مريض وهو على مشارف الموت، وفعلا يموت الشيخ، وينسى السلطان الصفقة، ليقول: إذا كانت لهم بركة فعلا، فإني سأرميهم إلى حفرة كبيرة ملئى بالأفاعي، لينظروا إذا كان سيدي بنعيسى سيخرج من قبره، لينقذهم منها.

هناك وعند الزج بالعيساويين في الحفرة المليئة بالأفاعي، يكتب الأمريكي “هولت”: ((إن سيدة تسمى خميسة ظهرت وهي تتقدم المرميين أمام تراجع الأفاعي، لهذا عندما ماتت خميسة، أقيم لها ضريح يزوره العيساويون)).

والواقع أنه حتى قبل السلطان مولاي إسماعيل والطريقة العيساوية أو الحمدوشية، فإن سلاطين المغرب وملوكه، كانوا دائما مرتبطين بالتجمعات الدينية والقبلية، مكرسين هذا الارتباط، بما يضمن لهم الاستمرار، عبر مصاهرة السلاطين للقبائل الكبرى، وصولا إلى هذا السلطان مولاي إسماعيل، الذي وجد الحل في ربط المناطق السودانية الإفريقية بالمغرب يكمن في مصاهرة حاكم المناطق الجنوبية الشيخ بكار المغافري، يكمن في مصاهرته والتزوج ببنته خناتة، التي أصبحت سيدة القصر الملكي في مكناس، وهكذا كتب المؤرخ محمد نبيل مولين: ((إن عملية البحث عن عمق سلالي كان وسيلة لا مهرب منها لإنشاء علاقة شرعية بالزمن الذهبي للإسلام)) (كتاب السلطان الشريف).

وهكذا كان تقليد زواج الملوك العلويين، ببنات أقطاب القبائل، تقليدا راسخا في تاريخ القصور الملكية، تقليد مارسه الملك الحسن الثاني بمصاهرته مع أكبر العائلات الزمورية عائلة أمهروق، مثلما أنه بعد الاستقلال، كان حريصا على إطلاق أسماء القبائل الكبرى على الثكنات العسكرية الكبرى، وهكذا سمى الحسن الثاني الموقع العسكري الاستراتيجي بمدينة الحاجب، ثكنة موحى وحمو الزياني، وسمى ثكنة قصبة تادلة، ثكنة موحى وسعيد، والموقع العسكري بورزازات ثكنة عسو باسلام، ومقر الجيش في قصر السوق، ثكنة زايد وحماد، والقاعدة العسكرية بالرباط، سماها باسم مرافقه العسكري الذي مات في الهيليكوبتير، ثكنة ميمون وحفصة.

وبالمقابل كان أقطاب الحركات الدينية والفكرية، أمثال القطب المؤسس للعائلة الفاسية، الفاعل الفكري والموجه أبو المحاسن الفاسي، من أوائل المشاركين عسكريا في معركة وادي المخازن (سنة 1578).

وهو ما انطلقت منه الأفكار التي واكبت السنوات الأولى من حكم الملك محمد السادس، حين فكر المقربون منه مليا في طريقة جديدة للتوجيه، لإطلاق حزب سياسي يسمى الأصالة، والأصالة هي طبعا في تكاثف الجهود من أجل جمع الشمل والرجوع إلى القواعد الأصلية، في إدماج كل المكونات الوطنية على اختلاف مشاربها، وقد أضيف إليها تعبير المعاصرة، تليينا وترطيبا لضخامة الأصول المكونة للمجتمع المغربي، قبل أن تطغى المكونات الحضارية العصرية المشتراة بالمال والأعمال، ولهذا كتب الباحث أحمد عصيد: ((إن جميع الأحزاب في المغرب، توظف الدين في السياسة بما فيها حزب “الهمة” نفسه)) (التجديد. 27 فبراير 2009).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

error: Content is protected !!