في الأكشاك هذا الأسبوع

ملف الأسبوع | الأرشيف “المزيف” الذي احتفل به المغرب

من يوسف بن تاشفين العبري الاسم إلى ماسونية المؤسس “أدولف كريميو”

إعداد : عبد الحميد العوني

“كل إسرائيل هفريم” (أصدقاء كل إسرائيل) هو الاسم الحقيقي لما يسمى التحالف الإسرائيلي العالمي وقد تداوله الإعلام المغربي باسم الرابطة اليهودية العالمية في تسليمه لأرشيف المغرب، 253 ألف و630 صفحة بما يعادل 3 شاحنات، حسب المقدم مبتسما، في حفل التسليم الذي حضره أندري أزولاي ووزير الثقافة والاتصال ولكثيري عن مندوبية المقاومين.

والمنظمة التي أسسها الماسوني “أدولف كريميو”، باعترافه، حولت يوسف بن تاشفين إلى “يوسب توشفين” المنسوب إلى اليهود القادمين مع الفينيقيين (توشفيم) وكتبوا بـ “تيفناغ”، قبل أن ينتقل اسمه من “المدسوس بعيدا” إلى “المهاجم” المقدام أو “السيف المسلول” في هذا الإطلاق.

منظمة “أصدقاء إسرائيل الكاملة”، في أوراق مؤسسها، كريميو، ساهمت في تزويج المارشال ليوطي بأرملة جوزيف أنطوان فورتول، بعدما قتل زوجها في الجزائر يوم الأول من أكتوبر 1900، وفي وهران التي انطلق منها احتلال وجدة، كانت منظمة “كل إسرائيل هفريم” حاضرة، ويعرف المؤرخون دور الماسوني باعترافه “أوجيين أوتيين”، ممثل وهران في البرلمان الفرنسي.

وما يجري، تسليم نسخة من “تبييض التاريخ” بالقفز على أصعب لحظاته وإسقاط الكثير منه، ويبدأ الأرشيف من سنة 1860، ومن ظهير السلطان محمد بن عبد الرحمن (1859ـ 1867) المؤرخ بتاريخ 5 فبراير 1864، وتقرر فيه الدفاع عن اليهود “ليزيد اليهود أمنا على أمنهم، ومن يريد التعدي عليهم، خوفا إلى خوفهم، صدر به أمرنا المعتز بالله في السادس والعشرين من شعبان المبارك عام ثمانين ومائتين وألف)، وينتهي الأرشيف المسلم بـ 1940 قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية التي أعقبها تسليم فلسطين لليهود وهجرة اليهود المغاربة إلى إسرائيل.

منظمة الماسوني باعترافه “أدولف كريميو”، تعيد صياغة التاريخ المغربي

منظمة “كل إسرائيل هفريم” التي أسسها الماسوني “أدولف كريميو”، تعيد صياغة التاريخ المغربي والفرنكفوني في المنطقة، تبعا لتوصيتها الثالثة، من إقامتها بـ 27 شارع “سنغور” بالدائرة السابعة لباريس ومكتبتها في الرقم 6 مكرر (الدائرة 17) بالعاصمة الفرنسية.

واستهدف المنتسبون لها، مظاهر مناهضة اللاسامية، بعد أحداث دمشق 1840، وإرغام الطفل اليهودي إدغار دوموتارا، على اعتناق المسيحية في 1858، وقد أدارها كريميو إلى حين مماته بباريس في 10 فبراير 1880.

والمحامي إسحاق يعقوب (أدولف كريميو)، مؤسس المدرسة الإسرائيلية الشرقية أيضا، وصاحب مرسوم كريميو المعروف في أكتوبر ،1870 قد شرع المواطنة الفرنسية ليهود الجزائر.

وقد صدمه تحول أخته إلى الكاثوليكية، فأراد أن يزيد من لحمة اليهود، ونسب اليهود المغاربة والجزائريين إلى فرنسا الأم، غير مؤمن بتمييز الشعبين، رافضا أي كيان مستقل في المغرب أو الجزائر، ولذلك، فتاريخه تطويعي لضرب أي خصوصية مغاربية، وفي انتصاره لقيم بلاده، يحول منظمته إلى النشاط الماسوني العالمي، من خلال الثقافة الفرنسية، وهو “العم العظيم” للروائي الشهير مارسيل بروست، لتزويجه إياه ابنة أخيه.

وفي علاقته بالمغرب، فإن منظمته حاولت صياغة تاريخ لليهود المغاربة، لدعم اندماجهم في فرنسا، مواطنين متساويي الحقوق مع الأصليين في بلاد الغال، وهو من “يهود البابا” إحدى السلالتين الشهيرتين والمحددتين للنسل اليهودي فوق الأراضي الفرنسية، وأراد عبر اليهود الجزائريين والمغاربة، دعم الإدارة الفرنسية للمملكة الشريفة والجزائر.

هذا المحامي، دافع عن “المحتجين” وعن الأميرة ماتيلدا بونابارت، ليكون في بحر هذه التناقضات، وزيرا للعدل الفرنسي يوم 25 فبراير 1848.

وأعلن في أول مارس من نفس السنة، نهاية قسم الولاء للتاج أو للملك، وظهر واضحا أن “كريميو”، هيأ لغزو المغرب، واعتماد احتلاله حقا حضاريا باسم الشعب الفرنسي، فالمسألة لا تتعلق بنظام، بل بشعب فرنسا، ناكرا على الجزائر والمغرب، صفة “الدول” أو “وجود أنظمة سياسية فيها”.

واستقبل “كريميو” في 9 مارس 1848، بعثة من السود والملونين من المستعمرات الفرنسية، مؤكدا أن كل واحد منهم فرنسي حر، لأن الجمهورية الثانية، لا تتخلى عن الوعود التي قطعتها الجمهورية الأولى، فمثل الشعب في المجلس التأسيسي والتشريعي (1848ـ1849).

ويكاد تاريخ ما يسمى “الوكالة اليهودية العالمية” لا يختلف عن مواقف مؤسسها الذي شارك في حكومة الدفاع الوطني بالجمهورية الثالثة وزيرا للعدل، ثم منتخبا عن الجزائر إلى 1875 وبقي سيناتورا إلى حين وفاته سنة 1880.

وقبول المغرب لرواية ماسوني مثل الاحتلال في الجزائر باسم شعبها، روج لاحتلال المغرب عشرين سنة، وطيلة رئاسته لما يسمى “الرابطة اليهودية العالمية” إلى أن تحقق ما خطط له في 1912، يعد خسارة كبرى لدم الشهداء.

وفي داخل منظمته، خطط وأدمج اليهود وأرضهم بالمغرب والجزائر في فرنسا، وفي خارجها، وحاول أن يدافع عن الحرية الدينية، وهو القائل: “الله هو عدم موت الروح، وهذه عقيدتي”.

ولا يكاد يربط المثقفون الفرنسيون الذين يؤكدون على علمانية الرجل، بينه وبين منظمته (كل إسرائيل هفريم)، رغم أنه صاغ تاريخ المستعمرات كجزء من فرنسا، لأنه القائل عن فرنسا “إنها الأمة التي تنخرط فيها جميع الشعوب والأديان”، وفي لحظة حاسمة، أظهر تمسكه الشديد بعد فرنسا بيهوديته عندما قال قولته الشهيرة “الدين الذي يعلن وحدانية الله، المكتوبة على جبل سيناء، أجمل خلاص أخلاقي ونظري ممكن للوصايا الأبدية العشر، وهي ركيزة لكل قوانينكم”.

وعلى هذا السبيل، دافع عن يهود العالم، وتدخل لتخليصهم من يد نائب الملك المصري محمد علي، فاتح دمشق، وأطلق سراح اليهود بعد 24 يوما من المفاوضات في الإسكندرية، إذ حرر 9 من 13 يهوديا يوم 6 شتنبر 1840، لينتهي هذا الجهد بإصدار السلطان التركي، عبد المجيد، مرسوم حماية اليهود في الإمبراطورية العثمانية.

ومن أخطر ما قامت به ما يسمى “الرابطة اليهودية العلمية”:

1ـ تمييز الأمازيغ عن العرب، لصياغتها ما يسمى المرسوم أو الظهير البربري بنفس ما حدث في 1867 بتأييدها المارونيين(1) بالسلاح والمال.

2ـ أن “كريميو” في 1843، ترأس “المجلس الكنيسي المركزي الإسرائيلي” لفرنسا، وبعدها أنشأ منظمة لخدمة اليهود من خدمة أهداف فرنسا الحضارية “التوسعية”، رافضا تعديل ما صاغه نابليون الأول عن فرنسا، وقد تحول المجلس الكنيسي إلى أداة للدولة الاستعمارية، وبعد 1945 التي لم ترغب الرابطة في تسليم أرشيفها إلى المملكة، نلاحظ:

أولا: أن كل عمل الرابطة، كان من الجزائر، وضد مصالح المغرب إلى جانب 75 جمعية ثقافية في فرنسا والجزائر، وفعلا انتقل 120 ألف جزائري في 1962 إلى فرنسا، ولم يتفق المجلس وباقي التمثيليات اليهودية حول ما حدث، سوى في 2004.

واتفقت الأطراف اليهودية أخيرا على رواية واحدة لتسليم جزء منها إلى المغرب، وستواصل تسوية الأمور المستعصية، خصوصا مع رئاسة “المجلس المركزي” و”مجلس باريس” من نفس الشخص (جزييل ميرغي)، وامتدت نفس الرواية اليهودية في أمريكا بزعامة عائلة روتشيلد الفرنسية الأصل.

وهذا الجهد اليهودي الدولي، خصوصا في شمال إفريقيا والشرق الأوسط، له أجندة سياسية وثقافية فرنسية، فالمسألة تتعلق برواية تاريخية مكملة لرواية المستعمر، إلى جانب معركة للدفاع عما يسمونه “حقوق المغاربة في الأمة الفرنسية”، إلى جانب يهود رومانيا وصربيا وفارس (إيران) والبلقان وروسيا وتونس.

ثانيا: أن اليهود المغاربة شكلوا عبر الرابطة، سندا كاملا بلا تحفظ لإدماج المغرب في فرنسا.

ولا تزال أهداف “كريميو” الستة المعروفة بمراسيمه تحرم:

1ـ تعدد الزوجات في الجزائر، وهنا يبدأ بتجاوز التشريع الإسلامي في الحياة الاجتماعية.

2ـ الاعتماد على الإدارة العسكرية واستبدالها بالإدارة المدنية في الوثائق والتدبير الشامل للمستعمرات.

3ـ وضعية الذمي.

4ـ إطلاق اسم “القاضي المسلم” وتحول قانونيا إلى “قاضي السلام” وليس قاضي الإسلام (المرسوم 137).

5ـ إطلاق اسم “الرعية” واستبدلته المراسيم بـ “الشخص”.

6ـ إطلاق الحقوق المدنية على الحقوق التي يعترف بها الإسلام، قصد حصرها في القوانين المدنية والسياسة الفرنسية، طبقا لمفاعيل المرسوم 132 والقرارات ذات الصلة.

ويعد بعض اليهود هذه القرارات، “قرارات ماسونية” والرابطة تاريخ ماسوني للمغرب في ثلاث شاحنات من الوثائق، لأن “كريميو” أعلن ماسونيته عام 1818 في مدينة نيم المرتبطة بمجمع الشرق الكبير بفرنسا(2).

وتسلم أرشيف المغرب، الجدولة الماسونية التي وضعها “كريميو” عقب تقلده مرتبة “صاحب الجلالة أمير المؤمنين”، ويترجمها البعض بـ “أمير الأتباع الأكبر” في 1869، وعلى هذا الأساس، فصل مدنيا وسياسيا بين أراضي على الحدود الجزائرية ـ المغربية لصالح السكان الفرنسيين والمحليين في هذه المناطق، في مقابل السلطان المغربي.

وفي الصفحة 51، يذكر بنجامين ستورا، هذه السنة المصيرية في كتابه “المنافي الثلاثة ليهود الجزائر”(3).

وفي عام 1875، استطاع “كريميو”، في لوزان بسويسرا، جمع كل المجالس العليا للماسونية، من أجل مطابقة التقليد الاسكتلندي القديم مع ما سماه “الفروض الشرعية للحضارة المعاصرة”، وأبدع التجمع، المبدأ الجامع والحي الذي تعمل عليه الماسونية جمعاء إلى اليوم.

وحسب “الأرشيفات اليهودية 36/2 للفصل الثاني من سنة 2003، الرسائل المطهرة ص: 139″، فإن ما يسمى “الرابطة اليهودية”، لم تكن سوى واجهة للمجلس الكنيسي المركزي وللمبدأ الخلاق التحديثي لـ “اجتماع لوازن” في التقليد الاسكتلندي الماسوني، الرافض لأي زعامة دينية إسلامية في شمال إفريقيا والشرق الأوسط، وقد استدعت “إمارة المؤمنين” بالاسم، منذ 1971، السنة التي تذكر المغاربة بالانقلاب العسكري.

أوراق وتوقيعات ما يسمى “الرابطة اليهودية العالمية” ورئيسها “كريميو”، توجد في مبنى الأرشيف الوطني الفرنسي في “الجانب 369 أ. بي”

لم يتسلم المغرب أرشيف ما يسمى بـ “الرابطة اليهودية العالمية” الموجود بالأرشيف الوطني الفرنسي، وفيه وثائق دقيقة تغطي البياضات التي يخلقها ما رتبته هذه الجهة من أجل إعادة تفسير بعض الأحداث، وتكريس الهوية اليهودية والفرنسية للمغرب في مقابل إسلام المغاربة، ويبقى البعد الأمازيغي، موقع الصراع الحضاري لحسم هوية خاصة للمغرب أو إلحاقها بالدائرة الأوروبية.

واليوم، لم تعد لما يسمى “الرابطة اليهودية العالمية” بنية بشرية، ولذلك، فهي تعيد تفسير التاريخ لاستثمار جزء من الأمازيغ في معركة يقول “كريميو”، إنها حضارية لصالح قيم المعاصرة، وضد التخلف المشرقي.

وما تسلمه المغرب، ليس دقيقا، لأن “الجانب 369 أ. بي” في الأرشيف الفرنسي(4)، يكشف البقية، وقد استعدى الماسونيون نظام السلطنة وإمارة المؤمنين، قبل الاستقلال وبعده.

وما يسمى الرابطة، جاءت لرد المسلمين على إهانتهم لليهود، بما يسمح لفرنسا بالتدخل، ولهذه المنظمة، بالعمل من أجل تواصل أكبر مع القادة في المنطقة، وأيضا تطوير نظام مدرسي لتحديث يهود المغرب العربي والشرق الأوسط، وربطهم بقيم فرنسا، وفي وثيقة تابعة لهذه المنظمة، فـ “إن هذا التحالف، لخدمة الميزات الفرنسية في العالم اليهودي”(5)، ومطابقة الحضارة الفرنسية لليهودية الفرنسية(6).

نحن إذن، أمام أرشيف فرنسي في أرشيف المغرب لا أقل ولا أكثر، لأن المنظمة فرنسية، ولأن أرشيفها تابع لباريس، ومحاولة بناء تاريخ منذ 1860 إلى جانب التاريخ السلطاني، رؤية رصدها الماسونيون منذ 2007، ويجري تطبيقها بدهاء، لكن يجب على باقي الأطراف، الإدلاء بما لديهم واعتماده رسميا من المملكة.

الرابطة التي حولت باب المغاربة في القدس إلى وقف ليهود المملكة، وقد افتتحت في شارع يافا بالمدينة المقدسة مدرسة عام 1882، رأت في نفس الوقت، أن مدينة تطوان “أورشليم” أو “قدس الأطلس”، في معادلة تنهي نفوذ السلطان على الأوقاف

50 ألف تلميذ في سنة 1939 درسوا الفرنسية في مدارس “الرابطة اليهودية”، فمثلت الوجه الفرنكفوني، ومنحت الخارجية الفرنسية دعمها المباشر عبر قسم خاص بها(7) لهذه المدارس، لأنها وجه فرنسا في المشرق العربي والدول المغاربية.

ونفذت الرابطة قرار الخارجية الفرنسية لمزاحمة إسبانيا، كي يبقى نفوذها في شمال المغرب محدودا بسبتة أو الساحل، طبقا لـ “اتفاقية الجزيرة الخضراء”، وفي 23 دجنبر 1862، أطلقت أولى مدارسها في العالم بمدرسة تطوان، لأن “كريميو” لم يكن يرى سوى المغرب هدفا رئيسيا لأجندته، وأجندة فرنسا.

ومن الصادم أن يعرف الباحثون، أن أول نقاش ومشروع لـ “الرابطة”، جاء حول المغرب ومستقبله، فتقرر أن يكون أول مشروع في تطوان، لأن نائب القنصل الفرنسي في المدينة، يهودي (مناحيم ناهون)، ومن هذه المدينة جاء اللقاء الماسوني ليقول: “إن المغرب هو قاعدة التمركز في المنطقة”.

وساهم اليهودي الآخر (ليفي كازيس)، عمدة تطوان، طيلة الاستعمار الإسباني للمدينة (1860ـ1862) في هذا المشروع المؤيد لنزع الصفة المغربية، وبيعة السلطان عن المدينة.

ويظهر من الوثائق، أن “الرابطة” لم تشجع فقط الاستعمار الفرنسي للمغرب، بل دعمت وساندت ومثلت الاستعمار الإسباني في تطوان وباقي الشمال المغربي، في أكبر تحد لشرعية السلطان والتقاليد في حينه، وفعلا، أطلقت “الرابطة” مدرسة للبنات في 4 يوليوز 1864، ليتأكد للجميع أن اليهود يتقدمون على المسلمين في تقبل بعض وجوه الحداثة(8).

وما حدث، لم يكن بريئا، رغم أن المسلمين لم يحتجوا البتة، لكنهم رفضوا “الاختراق الفرنسي” للسيادة المغربية بوسائل تربوية، داعين إلى إدماج القيم المدنية والمعاصرة في نمط حياة المغربي الذي وقع تحت الحماية في نظر “الرابطة” ومنظريها، منذ اعتماد هذا النظام عام 1881.

“الرابطة اليهودية” أعلنت المغرب محمية فرنسية عام 1881، وقاوم الشعب وسلطانه هذا القرار إلى 1912

يقول جاك طيب، إن نظام الحماية اعتمده الفرنسيون عام 1881(9) بدعم من “الرابطة” التي أعلنت تأييد المجتمع اليهودي لهذه الخطوة، وبشكل علني من دفيد كازيس، خريج مدرسة تطوان، ابن ليفي كازيس، مدير مدارس “الرابطة” تحت الإدارة العثمانية، وفي تونس والمغرب المسمى “الإيالة الشريفة” التي تركت الشمال لصراع إسبانيا وفرنسا، وطنجة لموازين اللعبة الدولية، فانتقل الصراع إلى فلسطين، وفي 1911، أكثر من 35 في المائة من الأطفال اليهود، دخلوا مدارس “الرابطة” التي اجتاحت 15 بلدا بـ 43.700 تلميذ (منهم 13 ألف و700 فتاة).

وفي المغرب، انتهت فكرة “السلطنة” و”الإيالة” في هذه المدارس، ودخلت “الرابطة” في علاقات مباشرة مع الصهيونية، وساهمتا معا في هجرة اليهود المغاربة إلى إسرائيل، باسم المصلحة الفرنسية، فالمسألة لا تتعلق في “الرابطة” باللغة العبرية، بل بالفرنسية على قدم المساواة مع لغة التوراة، وحاليا، تعيد “الرابطة” تموقعها في المغرب، ليس لدعم اللغة الفرنسية، بل لإعادة قراءة تاريخ المملكة إلى 1940، دون التطرق إلى العوائق الرئيسية: دور الرابطة في الحماية ودعم الاستعمار الفرنسي، وبوفاة آخر موقع مغربي مسلم على وثيقة المطالبة بالاستقلال، تقرر عرض وثائق الرابطة للإدلاء بالرواية العبرية للتاريخ المحلي في المغرب.

وفي واقع الحال، فإن تراجع “التاريخ السلطاني” وتحوله إلى مجرد حوليات، إلى جانب تاريخ الحركة الوطنية، جعل التاريخ الفرنسي “المعبرن” يتقدم لإيجاد مكانة إلى جانب رفع السرية عن مجمل الأرشيف الفرنسي، ولذلك، يطمح اليهود للتأثير على توازن الصياغة التاريخية للمملكة، لأن دور اليهود، لم يكن مستقلا كمكون، بل كان تابعا بالكامل لفرنسا، وهو ما يشكل عائقا تحاول “الرابطة” تجاوزه.

لقد خطط ونظر اليهود لاحتلال فرنسا للمغرب قبل ثلاثين سنة من وقوعه، وساهموا في الوصول إليه، فعملهم لم يكن هينا، وبناء علاقة فرنسية ـ مغربية حالية عبر قناة اليهود في باريس، بعد هجرة أغلب اليهود المغاربة إلى إسرائيل، مسألة محورية وجدية إلى حد بعيد.

“الرابطة اليهودية” تحمي الصهيونيين من اليهود المغاربة وتدعم العقيدة الأخلاقية لفرنسا قبل سنتين من استقلال المملكة

لم يكن مفاجئا، أن تدعم “الرابطة” الاحتلال الفرنسي دون اعتبار للتواجد اليهودي في فلسطين ضمن المشروع الاستعماري العالمي، فمن المهم أن تكون الصهيونية تحت القوتين، الفرنسية والبريطانية، ومن ثم الأمريكية.

وبمبادرة من شارل نيتر، عضو المجلس المركزي لـ “الرابطة”، انطلق بناء المدرسة الزراعية (ميكفي إسرائيل) في 1870، وبعد الحرب العالمية الأولى، دعمت نفس الجهة مبادرة “الوطن القومي لليهود” و”وعد بلفور”، معتبرة الصهيونية، وجه اليهود مع بريطانيا، و”الرابطة” وجه فرنسي لنفس الأهداف، لينتهي الوضع إلى:

1ـ أن يكون لـ “الرابطة” دور رئيس في نقل اليهود المغاربة المجنسين بالجنسية الفرنسية إلى إسرائيل.

2ـ إعادة تسليم جوازات سفر مغربية ليهود المغرب الذين هاجروا سرا من المملكة إلى إسرائيل، وتسوية وضعيتهم ومن ثم عقاراتهم.

3ـ دعم هذه الجهة لما يسمى “الاندماج”(10) في الأوطان الأصلية والوطن القومي لليهود على نفس القدر، وهذا التصور يجسد اللعب من داخل دوائر القرار في فرنسا وبريطانيا وأيضا في ألمانيا، ومن خلال منظمة “تبسيط المساعدة الموجهة ليهود ألمانيا”(11)، النسخة الألمانية للرابطة في 1901، اشتعل رد فعل هتلر الذي لم يتقبل إهدار المصلحة الألمانية، وقد اعتبر المنظمة “غير وطنية وتزور التاريخ”، وقد أدارها رجل القطن، هنري جيمس شيمون.

وفي دخول الألمان إلى فرنسا، نهبت “الرابطة” ودمر أرشيفها، وفي هذه الأزمة، تتوقف الوثائق المسلمة أخيرا إلى المملكة.

من جانب آخر، وجدنا روني كاسان، كان يخدم الجنرال ديغول، وفي الجزائر، أنجزت عمليات سرية قبل أن تجند “الرابطة” قادة مغاربة إلى جانبها، وجندت مسلمين في الحرب إلى جانب باريس بميزانية ضخمة لم ترد في الوثائق الموجهة لأرشيف المغرب.

وبهذا التاريخ المزيف والبياضات الكثيرة في الوثائق، يسير الوضع باتجاهين: المصالحة الكاملة مع المحتل، وأيضا تدمير أي قراءة وطنية للأحداث، فيما عمدت “الرابطة” إلى:

1ـ التنظير ودعم احتلال المغرب منذ 1881، وأفقدت جزء من تراب المملكة لصالح الجزائر الفرنسية.

2ـ المس بالسلطان المغربي وشرعيته، منذ 1860.

3ـ تجنيد المسلمين المغاربة لصالح القتال مع فرنسا ضد النازية، بطريقة ملتوية وغير منشورة، إلا في بعض الوثائق التي رفضت “الرابطة” تسليمها لأرشيف المغرب.

4ـ التحكم بقسم كامل في وزارة الخارجية الفرنسية، فأدارت الجانب القانوني لـ “اتفاق إكس ليبان”.

5ـ الاستمرار في إعداد خطط جديدة تجاه الذاكرة المغربية، وكما قال كاسان: “مستعدون للاستمرار، لأن بناء ذاكرة إيجابية لنا يعني مستقبلا إيجابيا”، وبقي رئيسا لـ “الرابطة” من 1943 إلى وفاته عام 1976، ليعود أندري غوليت، أمين عام “الرابطة” من الثلاثينات إلى عمله.

وتطوى صفحة أخرى مع المغرب، لأن كاسان وقف إلى جانب المغرب في قضية الصحراء، ويبدو الثمن الذي يدفعه المغرب في تشويه تاريخه لربح رهانه في الصحراء، غاليا، لكن انحرافا حدث في هذا الملف أيضا.

ولا تزال رؤية “الرابطة” منذ تصريح 11 شتنبر 1945، والمكتوبة في دجنبر من نفس السنة، هي التي تقود الأوليات المبنية على ثلاث نقط:

ـ استمرار الأنشطة التربوية والدفاع عن التعليم الفرنسي.

ـ الدفاع عن حقوق اليهود، وهو مؤشر على حقوق الإنسان في المغرب، وباقي الدول التي أخذت استقلالها.

ـ حماية حياة اليهود وتحسين ظروف عيشهم.

وحاليا، تستهدف “الرابطة” الوصول إلى بناء منظومة تعليمية في المملكة متصالحة مع التعليم الفرنسي، والذاكرة المتعددة، ومنها العبرية تحديدا، لإعادة تشكيل وعي مغربي جديد يبدأ من تاريخ متصالح مع “إرث فرنسا واستراتيجيتها في المنطقة”.

ورش التعليم في المغرب، دفع “الرابطة” إلى التأثير على آفاق العمل مع فرنسا لتأسيس منظومة فرنسية كاملة في المملكة وذاكرة متعددة تضم الرافد العبري، من خلال العامل الفرنسي في التربية والتكوين

 من المهم الوصول إلى مطابقة الأهداف المحددة في أجندة المغرب مع “الرابطة اليهودية” التي سعت إلى فرض مصالحة عميقة، من خلال المكون العبري المغربي مع التاريخ الصعب لفرنسا، في المملكة،  بين 1912 وإلى 1956.

وفي هذا الإطار، تدعو “الرابطة” إلى الاندماج في المنظومة الفرنسية، بشكل كامل، ومنها يمكن بناء التصور المتعدد المتصالح مع الجذور البعيدة للمملكة، لأن الدولة الإدريسية والمستمرة إلى الآن، مرفوضة، وتحاول هذه الجهات، إعادة صياغة الدولة المغربية قبل الإسلام وإلى الآن.

من جهة، لابد ـ في نظر “الرابطة” ـ من إعادة بناء تاريخ الطائفة اليهودية في المغرب، ضمن خطة كشفها المؤرخ نيكو، فقال بـ “وجود قطائع واستمراريات” في تاريخ وأهداف هذه المنظمة.

ومن جهة ثانية، فإن حضور “الرابطة” في هذه المرحلة، تأكيد على ميلاد آخر، أو تلمس نهضة يهودية مغربية كما جرى في السابق(12)، لإعادة كتابة تاريخ المملكة.

وفي لحظة عصيبة، تدخلت هذه المنظمة في المملكة أمنيا في 1965 لتأزيم الأوضاع، وفشلت فساعدت في هجرة اليهود المغاربة إلى إسرائيل، ولم تتحرك بالقوة نفسها إلا في الفترة الأخيرة، عندما قررت الهجوم بأرشيفها على أرشيف المغرب، ولاحظ المراقبون:

ـ إسقاط 20 سنة من أرشيف “الرابطة” في الأيام الأخيرة للفترة من 1940 إلى 1960، ولم يوافق، منذ سنوات، مثقفون يهود منهم أندري شوراكي، على تسليم أرشيف غير مكتمل للمملكة.

ـ عدم وجود نقد ذاتي لأحداث تاريخية بعينها لمصالحة لا تنبني على عامل الزمن فقط، أي مرور سنوات عديدة لإطلاق تأريخ جديد للأحداث.

ـ العمل في الأرشيف المسلم للمملكة بنظرة أرييل دنان، الذي عمل على أساس معلوماتي من مرحلة 1860ـ 1939، كما ظهر في الأرشيفات اليهودية المجلد 37، 2004(13)،

رابطا بين قادة المنظمة و”حركة التنوير” (هازقلاه) وأقانيم الثورة الفرنسية ليتمسك الجميع بقيم “الرابطة” وتركيزها على التعليم منذ 1913، حين صنع عملها قوسا من المغرب إلى إيران.

ومما قاله دنان بشكل خطير للغاية:

1ـ إن طابع “الوطنية المغربية” متراجع في مقابل الوطنية التركية والشرق أوسطية، فكانت المملكة الشريفة، فرصة لتعاظم نفوذ “الرابطة” واليهود(14)، وبإعادة صياغة تاريخ المملكة ومصالحة تعليمها مع فترة الحماية، تكون حالتنا قوية ومتطورة.

2ـ أن الوثائق الحقيقية لـ “الرابطة” ودورها في المغرب، موجودة في روسيا وارثة الاتحاد السوفياتي، وقد اعتبرها الأرشيف في برلين “غنيمة حرب”.

3ـ تدير “الرابطة”، بعد المصالحة المغربية مع فرنسا واللغة الفرنسية، مصالحة أخرى مع الأنجلفونية، لتجريبها في هذا المجال(15).

والفرصة مواتية لإعادة تقديم التصور العبري من خلال اللغة الفرنسية، وبناء تصور تعليمي وتربوي آخر يخالف النموذج الحالي.

إذن، فتسليم وثائق “الرابطة” له ما بعده.

“الرابطة” تحاول، بعد السيطرة على تاريخ المملكة، إدارة المدرسة المغربية

يجمع المختصون على أن “الرابطة”، أقوى شبكة لانتشار التعليم بالفرنسية، وترغب بعض دوائر القرار في العاصمة الرباط، في وضع هذا الملف بيد اليهود المغاربة، وقد قدموا تجربة المدرسة الجامعة بين المغرب وكندا (5300 تلميذ تخرج منهم جاد المالح الذي تعلم في أسلاك البلدين)، امتدادا للنشاط المغربي(16) كما يؤكد موقع “الرابطة” في 13 شتنبر 2013، ولا يمكن التحكم في تعليم بلد معين دون التحكم في ذاكرته ـ وأرشيفه ـ وستكون المادة الأكاديمية المتطورة، مركزة على “أرشيف المغرب” عنوان أرشيف “الرابطة اليهودية العالمية”.

وتعتقد ورقة في 2010، أن دولة المغرب:

ـ قادرة على تجاوز الوطنية الضيقة، والسماح بتداول وثائق تاريخية حساسة في فترة الحماية.

ـ متقدمة في تركيزها على تاريخ اليهود والأمازيغ بدون عقد.

ـ مرتبطة بفرنسا في ورش التعليم، وأن “الرابطة” جزء من المشروع الإقليمي للفرنكفونية في المغرب وغرب إفريقيا.

ـ قادرة على السيطرة على النشاط التعليمي بينها وبين كندا، بشكل شبه كامل، وهذه البوابة فتحت المجال لأبحاث متواترة، وجاء تسليم أرشيف “الرابطة” إلى مؤسسة أرشيف المغرب، للتأثير على البحث العلمي ودعم القضايا المتصلة بالبعد أو الرافد العبري في الثقافة المغربية.

ـ قادرة على بناء منظومة لغوية متساوية في التعليم العالي.

ـ قادرة على موازاة النظرة الرسمية بين جيش التحرير المغربي وبين العمل تحت المظلة الفرنسية، كما تمثلها الرابطة وباقي الحساسية اليهودية في المملكة، ولن يتكرر ادعاء الدولة، أن يهوديا مغربيا محددا هو برازيلي كما سبق.

وحاليا، هناك أكثر من 400 نقطة معلقة في أرشيف “الرابطة” تشوه روح المقاومة المغربية ضد فرنسا، ويتقدم تبييض الاستعمار، وهي قصة خطيرة ولا شك، لها ما بعدها.

 

هوامش

  • Historique de l’alliance (archive), a i u.org/fr.
  • Jean jacques Rassial in Isaac – Adolphe Crémieux, républicain, juif et France maçon, conférence de la loge Segmond Freud, 13 Mars 2013, site officiel du B’nai B’rith trance, bb France.org.
  • Benjamin stora, les trois exils, juifs d’Algérie, Paris, stock, 2006 p: 51.
  • www.archives – nationales, 6144151d9g.
  • C, Nicaut l’alliance au lendemain de la seconde guerre mondial: ruptures et continuités idéologiques, archives juives 2001 /1, n° 34 p: 23.
  • Heinrich graetz, histoires des juifs, chapitre XVIII.
  • Eoeuvres françaises a l’étranger (SOFE) du Quaid’orsay.
  • Sarah leibovici, chronique des juifs de Tétouan (1860-1896) éditions maison œuvre et la rose p: 62-64.
  • Jacques Taieb, sociétés juives du Maghreb moderne (1500-1900) maison œuvre et la rose, p: 56.
  • Loel hanhart Waldemar, moedekhai haffkine (1860-1930) biographie intellectuelle, honoré champion, 2016 p: 692.
  • Hilfseverein der deutschen juden.
  • André chouraqui, l’alliance israélite et la renaissance juive contemporaine, 1860-1960, PUF, 1965.
  • Archives juives – 2014, cairn.info.
  • L’étude était effectuée sous la direction d’Alain dallo.
  • Aron Rodrigne, de l’instruction à l’émancipation les enseignants de l’alliance israélite universelle, 1860-1939 traduit de l’anglais par jacqueline carnaud, paris, calman lery collection a diaspora 1989 p: 236.
  • L’alliance israélite, émission les lundis de l’histoire du 13 septembre 2010.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Open

error: Content is protected !!