في الأكشاك هذا الأسبوع

الحقيقة الضائعة | اليوسفي يكشف أطرافا من حقيقة اختفاء المهدي بنبركة

عندما قال الوزير الاتحادي في العدل بأن ملف المهدي بنبركة اختفى

بقلم: مصطفى العلوي

أسهم الأستاذ الشاهد، عبد الرحمان اليوسفي بالصفحات القليلة التي أدرجها في مذكراته، عن قضية المهدي بنبركة في تكسير أطراف المؤامرة التي كانت أخطر من مؤامرة اختطاف الشهيد المهدي بنبركة نفسها.

وكل من يهتم بهذا الملف الذي لم يغلق بعد أربعين عاما، يكتشف أن قضية المهدي بنبركة، تم استغلالها من طرف الأجهزة المغربية، والأجهزة الفرنسية، لتبادل كرة المسؤولية، واستعمال هذه الجريمة حتى من طرف فاعلين مغاربة، حيث سبق لـ”الأسبوع” في عدد سابق أن أخذت من كتاب الأستاذ اليوسفي، سابقة الملك محمد السادس الذي نصح ابن المهدي بنبركة باللجوء إلى القضاء المغربي لمعرفة الحقيقة، فلما تكلف حزب المهدي برفع الدعوى أمام القضاء المغربي، حكم هذا القضاء: أولا بتقادم القضية، وثانيا، بانعدام الصفة عند الاتحاد الاشتراكي، للترافع باسم المهدي بنبركة، كما أن وزير العدل الاتحادي بوزوبع قال أمام البرلمان المغربي، كما ذكرت بذلك مذكرات الأستاذ اليوسفي: ((بأن ملف هذه القضية قد اختفى)).

فكيف للمغاربة أن ينتقدوا القضاء الفرنسي، وقاضي قضاتهم يقول بأن ملف قضية بنبركة قد اختفى.

قد نجد للجنرال أوفقير، الذي قال الأستاذ اليوسفي بأن رئيس الدولة الفرنسية الجنرال دوكول اتهم الجنرال أوفقير بأنه هو الذي دبر العملية، قد نجد له مبررات تدفعه إلى خلط الأوراق، ولكنه ليس من حق وزير العدل المغربي أن يقول بأن الملف اختفى.

ونعود إلى الحقائق الثابتة التي أوردها الأستاذ اليوسفي في مذكراته، وقد ربط كل حدث بتاريخ وقوعه، وقسم سرده لقضية المهدي على مرحلتين:

المرحلة الأولى: عندما كان الملك الحسن الثاني يعمل على إشراك المهدي بنبركة في العملية السياسية، واليوسفي يكتب أن الحسن الثاني في غياب الجنرال أوفقير طبعا: ((استقبل جلالة الملك يوم 26 أبريل 1965 قادة الأحزاب السياسية والنقابات وسلمهم مذكرة خطة عمل، وبرنامج من أجل تشكيل حكومة وحدة وطنية، وكنت، يقول اليوسفي، ضمن الوفد الاتحادي برئاسة عبد الرحيم بوعبيد وبمرافقة حسن الأعرج، وعبد الحميد الزموري، وأخبرنا الحسن الثاني بأنه مقبل على حل البرلمان، لأنه ليس في المستوى، واقترح على الاتحاديين أن يعينوا عبد الواحد الراضي رئيسا للبرلمان المقبل، وأخبرنا بأنه كلف الأمير مولاي علي، بإقناع المهدي بنبركة بالعودة إلى المغرب)).

وتبقى قضية رغبة الحسن الثاني في رجوع المهدي بنبركة وهو يسألهم، كما كتب اليوسفي: ((ويستغرب لماذا لم يعد بنبركة لحد الآن)) ليجيبه اليوسفي: ((أنا على استعداد أن أسافر لأعود به في أقرب وقت)).

ويقحم اليوسفي شاهدا آخر هو الأستاذ محمد الحبابي الذي ((اجتمع بالمهدي بنبركة في باريس، وأبدى بنبركة موافقته على تحمل الحزب للمسؤوليات الحكومية لإنقاذ البلاد)).

ويضيف اليوسفي: ((في شهر أبريل 1965 اتصل الأمير مولاي علي، ابن عم الحسن الثاني، بشقيق المهدي بنبركة، عبد القادر، وأخبره أن الحسن الثاني طلب منه أن يكون هو الوسيط، لأن الملك ملّ من الوسطاء الذين لا ينقلون الرسالة بأمانة(…))).

ثم اجتمع الأمير مولاي علي في: ((لقاء بين المهدي ومولاي علي، بمدينة فرنكفورت الألمانية، حيث أكد المهدي للسفير أنه ليس له تخوف من الملك)) إذن.. يتخوف من محيطه.

عبقرية المهدي بنبركة أنه أوضح وقال للسفير الأمير: ((لكني لا أثق في بعض الضباط الذين يهيمنون على أمن البلاد))، وهي الفقرة التي أعقبها اليوسفي في مذكراته، بموضوع عنوانه: ((الجنرال أوفقير وعصابة الإجرام)).

أما المرحلة الثانية التي توسع فيها الأستاذ اليوسفي، فهي مرحلة الاختطاف، الذي توسعت شخصيا في وصفها خلال مناقشة سجلتها منذ شهور قليلة، مع صحفي الموقع الإعلامي “هيسبريس”، الزميل نور الدين الاشهب، حول ظروف اغتيال الشهيد المهدي بنبركة، الاغتيال الذي حضر له الجنرال أوفقير، وحرص على أن يكون غائبا عنه، خلافا لما أشيع ونشر بأنه كان حاضرا، وأنه كان بخنجر يشرط صدر المهدي بنبركة إلى أن مات بين يديه، بينما هذا داخل فقط في إطار تضخيم أحداث لم تكن، وحرصت بعض المصادر المغربية على تدوينها.

وهذه مذكرات الأستاذ اليوسفي، الموثقة في كتابه تؤكد أنه بعد اختطاف المهدي بنبركة يوم 29 أكتوبر بمقهى “لبيب” بباريس، ونقله إلى بيت الفرنسي منظم العملية، “بوشسيس” على متن سيارة كان يرافقه فيها صديق أوفقير الموظف في مطار أورلي “لوبيز”، الذي قال اليوسفي: ((بأنه وضع شاربا وشعرا مستعارا حتى لا يتعرف عليه المهدي)) وأنه عندما وصل المهدي إلى دار “بوشسيس” ((اتصل البوليسي “شوسون” من مطار أورلي برقم في المغرب 201.03، وحاول الاتصال بالجنرال أوفقير، ثم طلب إبلاغه بأن الطرد يوجد عندنا)).

أما الدليمي وأوفقير، فيوثق اليوسفي: أنهما وصلا في اليوم الموالي، 30 أكتوبر(…): ((حيث وصل الدليمي في الساعة الثانية بعد الزوال إلى مطار أورلي بباريس، قادما من الجزائر، ووصل أوفقير في نفس اليوم 30 أكتوبر إلى مطار أورلي قادما من المغرب ومعه كل من ميلود التونزي الشتوكي(…) والغالي الماحي، المخبر في القطاع الطلابي، وكان في استقبالهم لوبيز الذي رافق أوفقير إلى منزل بوشسيس حيث يحتجز بنبركة)).

ويصر الأستاذ اليوسفي على التلميح إلى من سماهم ((القتلة(…) الأربعة الذين وجدهم لوبيز رفقة أوفقير والدليمي والممرض الحسوني وهم بوشسيس، ولوني، ودوباي، وباليس)).

ثم يؤكد اليوسفي: ((أن أوفقير غادر مطار أورلي في اليوم الموالي 31 أكتوبر على الساعة الثامنة صباحا متوجها إلى جنيف، قبل أن يتوجه بوشسيس إلى المغرب قبل أن يلتحق به الثلاثة الآخرون)).

فماذا جرى للشهيد بنبركة؟ جزئيات بعد أن أكد اليوسفي أن أوفقير والدليمي وصلا غداة اختطاف المهدي بنبركة، إذن يوم 30 أكتوبر بعد الاختطاف بيوم، جزئيات لم ترد تفاصيلها في مذكرات اليوسفي الذي كتب: ((لقد تأكد من قلب إسرائيل أن عناصر الموساد الأمني الإسرائيلي ساهمت في قضية المهدي بنبركة عبر تكليفهم من طرف أوفقير بإخفاء الجثة. التفاصيل التي نشرتها إحدى الصحف في مقال كتبه الصحفيان الإسرائيليان شيمال مور، ومكسيم غيلان، أكدا تورط جهاز الاستخبارات الإسرائيلية الموساد في اختطاف المهدي بنبركة، حيث قدم الصحفيان إلى المحاكمة وصدر في حقهما حكم بشهرين حبسا مع منع الصحيفة)).

فماذا جرى بين وصول المهدي بنبركة عشية 29 أكتوبر 1965 وتدخل الموساد الإسرائيلي الذي أدى إلى اعتقال الصحفيين اللذين كتبا ماذا جرى(…)؟

لقد أعطيت لموقع “هسبريس”، وكنت حاضرا في المحاكمة بصفتي صحفيا وترجمانا رسميا للمحكمة، الصيغة الحقيقية لما وقع للمهدي بنبركة في ذلك المساء الحزين، حيث لم يستطع المهدي ولم يقبل أن ينتظر وصول الجنرال أوفقير الذي قال له مختطفوه أنهم جاؤوا به هنا للاجتماع به.

وحوالي الساعة العاشرة ليلا رفض المهدي البقاء، وأراد الخروج من البيت عنوة، فأوقفه بوشسيس، ومعه من سماهم اليوسفي القتلة: لوني، وباليس، ودوباي، لأنه بعد وقوف المهدي تولى واحد منهم ضرب المهدي بضربة كاراطي على عنقه، حيث تم مرة أخرى كسر رقبته التي سبق أن تكسرت أثناء محاولة اغتيال له في الرباط وهو في سيارته بقنطرة واد بوزنيقة، وأنه مات بتلك الضربة، إذن مات بين أيدي القتلة الفرنسيين الأربعة، الذين تم نقلهم إلى المغرب، حيث كان أوفقير، كما سبق أن ذكره اليوسفي: ((في غشت 1965 استقبلهم أوفقير، وهم مطلوبين من طرف العدالة الفرنسية وهم بوشسيس، وجون باليس، وجولبان لوني، وبيير دوباي، قد وعدمهم بأن يسهل لهم فتح ملاهي فاخرة للدعارة بالمغرب)).

وهي التفاصيل التي أعطاها مؤلف آخر، لكتاب حول الموضوع، كتاب “18 سنة من الوحدانية”، لعلي بوريكات الذي كان في أحد المعتقلات السرية، وحكى أن هؤلاء الأربعة تم إعدامهم ودفنهم في 14 نونبر 1974، كما حكى لهم حارس يسمى مولاي علي، بعدما سألوه عن عملية دفن توابيت شاهدوها، وهم معتقلون في سجن P.F.3 بطريق زعير.

حقا عندما قال وزير العدل بوزوبع بأن ملف بنبركة اختفى، فإن الحقيقة لازالت ضائعة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Open

error: Content is protected !!