في الأكشاك هذا الأسبوع

ملف الأسبوع | محكمة العدل الدولية تمنع الحكومة المغربية من الفوسفاط وتخوله للملك حصرا

قصة أول ظهير ملكي يدخل القضاء الدولي ومحاولة إيطالية لإجهاض “أونا” والمكتب الشريف للفوسفاط

إعداد: عبد الحميد العوني

طبقا للائحتها العامة 71 لـ 14 يونيو 1938 حول الفوسفاط المغربي، وفي عملها القضائي تحت الرقم 74، فإن الفوسفاط لمنطقة البروج ووادي زم، للمخزن حصرا، طبقا لظهير صادر عنه عام 1920 في قضية الخلاف حول هذا المعدن بين فرنسا وإيطاليا، والتزمت باريس بتطبيق الحكم، تبعا للبند 36، الفقرة 2 من قانون المحكمة.

ولوجود الحكم، لم تتمكن باريس، أمام محكمة العدل الأوروبية أخيرا، من الدفاع عن استغلال المغرب لفوسفاط بوكراع بالصحراء، لما صدر عن القاضي م.غيريرو رئيسا، والسيد سيسيت هورست نائبا له، وبحضور الكونت روسوروسكي، ولا يزال المكتب الشريف للفوسفاط منسوبا لنفس الجهة القانونية مستغلا لفوسفاط المغرب.

والقضية “أ/ب 74” بين حكومة المملكة الإيطالية، الممثلة في شخص وكيلها م. ر مونتانا والجمهورية الفرنسية ممثلة بالوكيل م.ج باسديفان، ونائب له (ليمونون)، بدأت بمقال افتتاحي في 30 مارس 1936، طبقا للبندين 40 و32 من قانون المحكمة وجاء فيه: نظرا للبنود 105، 112، 72 و74 من “اتفاق الجزيرة الخضراء” المؤرخ بـ 7 أبريل 1906، والبند الأول والرابع والسابع من “الاتفاقية الفرنسية الألمانية” لـ 4 نونبر 1911، وتبعا لإعلان حكومة إيطاليا بالتحاقها بالاتفاق.

تطالب روما بنصيبها في التنقيب عن الفوسفاط بعد تسليم قسم المعادن بالمغرب 33 رخصة للمعمرين الفرنسيين فرنسيس بوسيت وفريي ديرويس في جهة وادي زم وبئر فنزر طبقا لظهير 19 يناير 1914 قبل أن يصدر ظهير موقع في 27 يناير 1920، جعل المخزن وحده محتكرا للفوسفاط، وأيدته فرنسا لربح معركتها القضائية ضد إيطاليا، لكنها جعلت الفوسفاط ملكا قانونيا للملك.

ظهير 1920 الذي دفعت إليه سلطات الحماية، حدد الفوسفاط فيما يقرره ويستغله “المخزن”، وليس قسم المعادن بالمغرب التابع للحكومة، وجاء لحرمان إيطاليا من أي موطئ قدم في المغرب

قال حكم محكمة العدل الدولية، بوجود “المخزن”، منطوقا، مقابل قسم المعادن بالمغرب التابع للحكومة، ومن اختصاصه تسليم رخص التنقيب، حسب ظهير 19 يناير 1914، لكن ما حدث في 1920، فرض تحديات منها:

1ـ وجود المخزن في مقابل الحكومة المغربية، ولم تنف محكمة العدل الدولية هذه الازدواجية في المملكة الشريفة (أو الإيالة أو الإمبراطورية الشريفة).

2ـ أنه حدد سيادة المغرب على معادنه طبقا لـ “اتفاق الجزيرة الخضراء” على الحدود المتعارف عليها، والموقعة في اتفاقين، “اتفاق الجزيرة الخضراء” و”الاتفاقية الألمانية ـ الفرنسية”.

3ـ أن التشريعات الأجنبية التي تخص المادة الفوسفاطية (البند 112 لاتفاق الجزيرة الخضراء) انتهت إلى القانون الفرنسي (البند 7 في الاتفاق الفرنسي ـ الألماني)، وقد حدد المادة الفوسفاطية في ظهير 1920 للمخزن، بما يؤكد أن الفوسفاط تحت الحماية، قانونا، يعود لشخص الملك، تبعا لما سبق.

وإن جرى الطعن بالقول، طبقا للبند 51، فإنه لا يجوز استغلال الفوسفاط إلا عبر سلطة عمومية، لعدم إمكانية الاستغلال دون مناقصة عامة، وعلى كل طن أو أكثر، وأن تكون مناطق الاستغلال محددة، بما يحدد صفة “المكتشف”، واعتمدت مرافعة المملكة الإيطالية على الجريدة الرسمية للمملكة المؤرخة في 4 غشت 1919 بتوقيع المديرية العامة للأشغال العمومية، وهو ما انقلب عليه الفرنسيون بتحويل كل شيء إلى ما يسمونه: المخزن، كما يورده حكم المحكمة.

وورد في الجريدة الرسمية، أن الفوسفاط الموجود بطريقة قياسية في مناطق البروج ووادي زم، وطبقا للمادة 51 من ظهير 19 يناير 1914، سيكون استغلاله عن طريق المناقصة العمومية، قبل أن يصدر بعد أربعة أشهر، ظهير 27 يناير 1920 الذي يقول بحصر التنقيب للاستغلال من طرف واحد: المخزن.

ووقع أن الجانب الإيطالي، طالب المحكمة الدولية بحقوقه المكتسبة والتعويض تبعا للفقرة 3 من البند 51 من ظهير 1919، طاعنا في إنفاذ القرار دون مراعاة حصر الفوسفاط في المخزن.

وإلى الآن، حجبت المحكمة فقرات من الحكم، لأنها تمس باصطلاح “المخزن” وما يعنيه.

 إلى 2018، لا يزال تعريف المخزن تحت طائلة السرية، لأن محكمة العدل الدولية، حجبت فقرات من الحكم المذكور لهذا الغرض

خسر الإيطاليون معركتهم جزئيا ضد ظهير ألغى ظهيرا تبعا للبند 8 من ظهير 12 غشت 1913، ورأت روما “أن سلطات الحماية والمقيم العام الفرنسي، راوغا، عندما رفضا التطرق إلى الملف، وفي النهاية عارضا أن تحل المسألة عبر قسم المعادن” التابع للمديرية العامة للأشغال العمومية.

ووافق الإيطاليون على التسوية الودية للملف المبنية على “إلغاء أو تعديل القرار غير القانوني لقسم المعادن بدون جدوى”، ولا يجوز الطعن في قرارات الإدارة العمومية أمام المحاكم، وفي رد وزارة الشؤون الخارجية الفرنسية، جاء ما يلي: “إن كانت الشركة الإيطالية ـ مئير فوسفاطي ـ مقتنعة بوجود خطإ مقترف من إدارة الحماية وفي خرق للحقوق المكتسبة، فما عليها سوى تقديم الدولة الشريفة أمام محاكم الحماية؟”.

من جهة، ساوت مذكرة وزارة الخارجية الفرنسية (مديرية الشؤون السياسية والتجارية) والمؤرخة في 28 يناير 1933 بين المخزن والدولة الشريفة، وقبلها ساوت بين الملك والمخزن، بما جعل المخزن في نظر الإيطاليين، مصطلحا غير دقيق، وإن جاءت مذكرة أخرى في 10 مارس 1934، من وزير الخارجية، تعزز عدم الارتياح، بل تنكره، مؤكدة أن المغرب، لا يحترم المساواة.

ووجود مثل هذا الحكم الدولي على الفوسفاط، دفع إلى ثلاثة أمور:

أـ التباس علاقته القانونية مع الدولة الشريفة، ثم الدولة المغربية بعد الاستقلال، رغم تسمية شركات عمومية بـ “الملكية” كالخطوط الجوية، لكن عدم تعديل “الشريفة” المتصلة بدولة ما قبل الاستقلال في اسم المكتب الشريف للفوسفاط، وفي إطار القانون المذكور، فيه غموض يدفع حاليا إلى القول، أن إلغاء ظهير 1920، يجب أن يكون قضائيا وليس إداريا فقط.

وكل الإطلاقات الشريفة، احتكارات حسب القانون الفرنسي، لم تبطلها تفاهمات “إكس ليبان”، ولا يزال بعضها ضمن الحقوق المكتسبة للفرنسيين لأنهم اشتروا في 8 يناير 1925، الحقوق المكتسبة للمستثمرين الدوليين، ولم تتنازل باريس على ما لديها للمملكة، ولذلك فالرباط اشترت حقوقها الدولية من فرنسا إلا في الفوسفاط الذي وافقت أن يكون للمخزن، الذي قام بدوره، بشراء الحقوق الدولية للفوسفاط، ليكون في صك ملكيته، وهو ما جعل الإيطاليين يعتقدون بالخروج عن البند الثامن من ظهير 12 غشت 2013 بخصوص العدالة، ناكرين لوجودها في المغرب.

المملكة الإيطالية رفضت مقاضاة الملك المغربي أو الدولة المغربية، وقاضت سلطات الحماية في شخص الدولة الفرنسية، ويبقى تمليك الفوسفاط من هذه السلطات للمخزن، ضمن القانون الداخلي والحقوق المكتسبة، ولا شيء يبطل في القانون الدولي هذا المعطى، إلا ما تبناه القانون الداخلي في ظهير 46.07 حين تحول شكل المكتب الشريف للفوسفاط من مؤسسة عامة إلى شركة مساهمة

حول الظهير الشريف رقم 1.08.15 الصادر في 18 صفر 1429هـ (26 فبراير 2008) بتنفيذ القانون رقم 46.07، ووقعه بالعطف، الوزير الأول عباس الفاسي، المكتب الشريف للفوسفاط، من مؤسسة عامة إلى شركة مساهمة، وهو الخاضع كمكتب، لظهير 29 يوليوز 1960.

ولا تزال المادة الثانية منه استمرارا لاحتكار الدولة عبر المكتب الشريف للفوسفاط واستغلاله، لاسيما بموجب الفصل 6 من الظهير الشريف الصادر في 9 رجب 1370 (16 أبريل 1951).

وتنص المادة السادسة من ظهير التحويل، أن ما حدث للمكتب، تحويل لشكله القانوني، ولا يترتب على التحويل المذكور، إعادة النظر بأي شكل من الأشكال في أملاكه، وبالتالي ملكيته، وقد نسخت المادة التاسعة من ظهير 46.07 الظهير الشريف الصادر في 29 يوليوز 1960، ولم يقل والظهائر ذات الصلة، وقد يفيد النسخ أن الظهير الجديد، ينسخ كل ما سبقه، ويطرح القانونيون ولماذا تحديد ظهير بحد ذاته؟

ورأى من سبق، هذا النسخ الفوري، ظهيرا بظهير، كما في مرافعة الفرنسيين والإيطاليين على حد سواء، ولا يذكر القانونيون المغاربة أول نص قانوني منظم للمكتب الشريف للفوسفاط سوى ظهير 1920، وقد أحدث مكتبا هو ملك كامل للمخزن قبل تعديل ظهير 8 غشت 1942 و11 دجنبر 1948، حيث ينص الفصل الأول من الظهير “أنه يحدث تحت اسم المكتب الشريف للفوسفاط، وكالة للدولة تكلف باستغلال وتنظيم استغلال الفوسفاط بالمغرب”، واستعمال الظهير للوكالة، يشير إلى أن الملكية للمخزن وإدارتها للدولة عبر الوكالة المذكورة، بل يرى الفقيهان، دولبو بادي وديفولفي، أن المرفق العام، يسير عن طريق الوكالة عندما تزاول الإدارة بيدها تشغيل المرفق بأموالها وأعوانها.

وفصل القانون الفرنسي بين الملكية للمخزن وإدارة المكتب الشريف للفوسفاط قبل أن يتحول في شكله القانوني إلى شركة مساهمة، وهي الآن تمارس باسم الدولة، الاحتكار، وهي المادة التي أكدها ظهير 47.06 عن ظهير 1.60.178 لـ 1960 متوارثا عن ظهير 1920.

ومجرد القول بممارسة هذا المكتب للاحتكار، يكون بأشكاله القانونية “مؤسسة عمومية ثم شركة مساهمة” قد أبقى الملكية في شرطها الأساسي، فوجود وكالة للإدارة في ظهير 1920، لم يمنع من ملكية المخزن للفوسفاط، ووجوده مؤسسة عمومية، لم تنف هذا الشرط، وقد تضمنه ظهير 46.07 المحول للشكل القانوني للمكتب الذي لم يرد في ظهير 1960(1)، حيث لم ترد الصفة أو النعت لهذه المؤسسة العمومية، وبقي الأمر غامضا لتخويله ممارسة الاحتكار وهو شركة مساهمة، ولم يخضع المكتب، فيما سبق، لشروط الفقه التقليدي في عهد الحماية عند تمليك الحاكم معدنا واحدا من الثروة الوطنية لبلده دون معادن أخرى، وجاء التمليك في القراءة الأجنبية للمخزن دون تحديده، وفي قانون 1960، لم يخضع المكتب لكل عناصر المقاولات العامة التي تسير مرفقا عاما لصفة المؤسسة العمومية (الشخصية المعنوية العامة وتسيير المرفق العمومي ثم التخصص)، وأخيرا، سلم الظهير الجاري به العمل، صفة احتكار الدولة، لشركة مساهمة، بما يمس التنافسية، ولا ينفي في كل الحالات، أن يكون المكتب الشريف للفوسفاط قد استمر في صفة الاحتكار منذ 1920، وأنها مؤسسة تستند على ملكية المخزن للفوسفاط، وإن نقل هذه الصفة إلى الدولة، لعدم وجود حائل أو طارئ نفى ملكيته التي خولها له الظهير الشريف لـ 1920.

وأكد تفصيل حكم محكمة العدل الدولية:

1ـ أن الفوسفاط المغربي من 1920 إلى 1934، لم يكن منسجما مع التزامات المغرب وفرنسا، بما دفع الطرف الإيطالي إلى دعوة المحكمة لإبطال الظهير الشريف لـ 1920، وهي أول دعوى دولية، في اعتقادي، لإبطال ظهير صادر عن الملك.

2ـ أن المغرب وفرنسا، لم يحترما التزاماتهما الدولية في بند الحقوق المكتسبة، رغم العائدات المالية الهائلة للمكتب الشريف للفوسفاط، بما يطرح سؤال الثروة التي أهدرها المستعمر وحلفاؤه، وفي تاريخ 30 مارس 1936، أنذرت إيطاليا جمهورية فرنسا، وفي 8 أبريل 1936، أعلمت روما الجمهورية الفرنسية، طبقا للإجراءات المعمول بها قبل عرض القضية على محكمة العدل الدولية، وأنذرت حسب البند 63 و66، لنفس المحكمة، كلا من الولايات المتحدة الأمريكية، بلجيكا، بريطانيا العظمى، إسبانيا، البلدان المنخفضة والبرتغال والسويد، وباقي أطراف “اتفاق الجزيرة الخضراء”، لأن بعض القوى انخرطت في “الاتفاقية الفرنسية الألمانية” المتعلقة بالمغرب والموقعة في 4 نونبر 1911.

ووضعت إيطاليا إفادتها أمام محكمة العدل الدولية في 15 يوليوز 1936 وإلى 17 دجنبر من نفس السنة، لسماع دولة فرنسا، وجاء في ورقتها المضادة تحت عنوان “فوسفاط المغرب، استثناءات تمهيدية مقدمة من طرف الحكومة الفرنسية” بدفوعات الجمهورية، وانتقدت باريس دعوة روما الموجهة إلى المحكمة بشأن إبطال كل ما يتعلق بالفوسفاط المغربي، وكان مخيفا لها إبطال ظهير 1920 ومتعلقاته، لأن ذلك سيمس بنظام المملكة الشريفة الذي تحميه، وهي لا ترغب في تغيير النظام الوراثي للحكم، رافضة هذه التناقضات، مؤكدة على أمور صعبة منها:

1 ـ أن المسائل الخفية بشأن الفوسفاط المغربي، لم تطلبها إيطاليا عبر القناة الدبلوماسية، وأن الشركة موضوع الخلاف، لم تتقدم بأي شكاية إدارية أمام السلطات القضائية المدنية.

2ـ أن ما قامت به الحكومة الإيطالية بخصوص إسقاط القانون المنظم للفوسفاط (ظهير 1920)، ليس مقبولا.

وردت إيطاليا على ما أثاره الفرنسيون، في ورقة يوم 13 أبريل 1937.

الفوسفاط المغربي فجر “اتفاق الجزيرة الخضراء” وكاد أن يفجر حربا فرنسية إيطالية قبل أن يدخل المحاكم الدولية عام 1936، وتواصلت الضغوط دائما على نظام المملكة في قضية الصحراء من نفس الموضوع

الفوسفاط يغير المملكة، وهو وحده قادر على انقلاب اللعبة في الداخل والتوازنات الإقليمية لرسم الخارطة الترابية للمغرب، وليس قرار محكمة العدل الأوروبية استثناء، فقرار محكمة العدل الدولية، ذهب أبعد سنة 1938 بتأكيد أطراف النزاع الأوروبي، أن الفوسفاط ليس مملوكا للمخزن، ولا يمكن قبول هذه الصفة في كل الأحوال.

وقد استخدمت باريس “الأفعال غير المكتملة” والناجزة في اصطلاح قانوني دقيق يقصد:

1ـ عدم صواب بطلان الظهير الشريف أو إخضاعه لتعويضات، إلا عبر المغرب.

2ـ عدم السماح لفرنسا بتعديل الظهير الجاري به العمل (1920)، لأنه تحت أنظار محكمة العدل الدولية، وبقي ظهير 1920، في نظر إيطاليا، قائما على تمليك المخزن للفوسفاط، وهو المحتكر باسم الدولة المغربية التي تستثمر وتدير استغلالها لهذا المعدن.

 إنشاء “أونا” كـ “كارتيل في شمال إفريقيا”

إنها مناورة فرنسية، في نظر إيطاليا، لمواصلة الاحتكار عن طريق المخزن، ولم تقم الحكومة المغربية أو سلطة الحماية بإعلام إيطاليا وسائر الأطراف الموقعة على “اتفاق الجزيرة الخضراء”، وأخطرت روما محكمة العدل الدولية بهذا المستجد، واعتبرته خرقا للقانون الدولي، بما فيه تأسيس “أونا” و”المكتب الشريف للفوسفاط”، لأن الإجراءات بخصوصهما، لم تمتثل لـ “اتفاق الجزيرة الخضراء” من جهة، وأيضا لباقي الاتفاقيات ذات الصلة في موضوع التجارة المفتوحة.

وأرادت إيطاليا الوصول إلى أحد أمرين:

1ـ إسقاط الظهير الشريف لـ 1920 بحكم قضائي دولي، فتعود الأمور إلى عادتها (الحقوق المكتسبة للإيطاليين من خلال انضمامهم إلى اتفاق الجزيرة الخضراء)، ويكون الحكم الفرنسي مباشرا عبر المقيم العام من قوانين صادرة عنه ومطابقة للقانون الدولي في حينه.

2 ـ إسقاط “أونا” والمكتب الشريف للفوسفاط أو ما سمته عريضة الدعوى “كارتيل شمال إفريقيا” كي لا تدير فرنسا مصالحها عبر واجهة مغربية، ولا يمكن أن تكون في ملكية المخزن، لأن هذا المفهوم، ضبابي، ولا يقصد الملك أو الدولة المغربية.

ووصفت فرنسا ما تقدمه إيطاليا بـ “الظلامية” (بالحرف)، وركزت على المساطر والشكليات والاعتماد على القناة الدبلوماسية، وقبلت باريس في النهاية الاحتكام إلى محكمة العدل الدولية طبقا للبند 36، مقابل إسقاط إيطاليا للوقائع، مجسدة في إبعاد مطلبها بإبطال الظهير، واشترطت أن يكون الحكم لصالح الدول التي تقبل نفس الشروط، ولمدة خمس سنوات، للوصول إلى حل في اتفاقية خاصة.

وطلبت روما:

1ـ تفسير وتأويل الاتفاقية.

2ـ أن تكون كل نقطة متصلة بالقانون الدولي.

3ـ واقع كل فعل أدى إلى القطع مع ما يسمى “ضرورة دولية”.

4ـ طبيعة توزيع المهام لعدم القطع مع ما يوصف بـ “ضرورة دولية”.

وقد اعتمدت القراءة الإيطالية على أن “أونا” و”المكتب الشريف للفوسفاط”، اعتمدتا على تمليك الفوسفاط للمخزن أو من خلال “كارتيل شمال إفريقيا” يتحول معه الاستغلال إلى استثمار مالي لشركة “أونا”.

وحاليا، تحول المكتب إلى شركة مساهمة على نسق “أونا” بنفس ما تنبأت به إيطاليا، ولذلك، فالمخزن في نظرها، واجهة فرنسية، ولذلك، فالحدود التي تقدرها محكمة العدل الدولية، هي القادرة على تحديد دور كل دولة دون مناورة، وهذه التحديدات مزدوجة من الجانب الفرنسي نحو إيطاليا، وأيضا من إيطاليا نحو فرنسا، وقررت المحكمة:

أـ أن ما قامت به فرنسا، عمل أحادي الجانب، وأن الاستثناء الذي قامت به حكومتها، رهن تقييم القضاء، والحكومة الفرنسية والمغرب خرقتا “اتفاقية الجزيرة الخضراء” لـ 7 أبريل 1906، و”الاتفاقية الفرنكوألمانية” لـ 4 نونبر 1911 من خلال ظهير 1920.

ولأن هذه الظهائر هي أفعال، لكنها عبر تواريخها، مستبعدة ولا تدخل في اختصاص المحكمة.

ب ـ أن إقامة “كارتيل” فوسفاطي، لم يكن في صلب الدعوى المثارة.

وأن تكوين المكتب الشريف للفوسفاط أو “كارتيل” مماثل ـ أونا ـ لم تقدمهما الحكومة الإيطالية كـ “أفعال”.

وباصطلاحها، عمدت إلى القول بوجود إدارة شريفية وحكومة فرنسية، ولم تجد المحكمة هذا الرابط بين تأسيس “الكارتيل” وبين احتكاره.

وحسب منطوق المحكمة، فـ “إن مشاركة الإدارة المغربية في الكارتيل، لا تطرح أو تضع الفوسفاط تحت هذا النظام”.

وعلى ذلك، فقد اعتمدت المخزن هو “النظام” في تفسيرها لهذه الكلمة، كاشفة أن المخزن في عهد الاستعمار، مجرد إدارة تابعة للحكومة الفرنسية أو واجهة له.

والاحتكار سمح بالمشاركة في “الكارتيل”، لكن هذه المشاركة لا تحدد مشروعية من عدم مشروعية الاحتكار.

الظهير الشريف تشريع معمول به في منطوق محكمة العدل الدولية في فترة الحماية

لم تبد المحكمة رأيا واضحا بخصوص الظهير الشريف، إلا أنها قالت في 5 مواقع، بأنه:

1ـ تشريع معمول به(3).

2ـ فعل إداري.

3ـ نظام للإدارة.

4- أداة احتكار.

5- إدارة مغربية تابعة في التزامها الخارجي للحكومة الفرنسية.

وبقي الكثير من هذه الخصائص في المخزن إلى الآن، حين رفض الفرنسيون فصله عن إدارتهم ومصالحهم، ولا يزال هذا الخليط يحكم البلد من داخل الإدارة وفي التزام مع الحكومة الفرنسية.

وحسب القانون الذي عملت عليه محكمة العدل الدولية، فإن نظام الحماية الفرنسية، يتجاوز في استثناءات “اتفاق الجزيرة الخضراء”، وقدمت الجانب السياسي على الحرية الاقتصادية، كما أقرت بالنظام الإداري للمملكة تحت الحماية.

 ومن ثم، فإن الإدارة المغربية بررت “الاحتكار” وهي في الحدود التي قررها وحماها الفرنسيون، فـ “الدولة” أو “الإيالة” أو “الإمبراطورية الشريفة” هي نفس المصطلحات، ولم تقبل المحكمة باقتسام الحماية أو تقاسم منافعها، رغم وجود “اتفاق الجزيرة الخضراء”، ولذلك، فإن المكتب الشريف للفوسفاط، قطب احتكاري للفوسفاط المغربي من:

1ـ زاوية الملكية، لأن المخزن اسم قانوني وإداري في غياب الدولة، فالمخزن أعاد الدولة إليه، ولذلك يضع خططها وإدارتها إلى الآن.

2ـ الزاوية الإدارية، ورأت المحكمة أن قرار احتكار الفوسفاط من المخزن، لا يطرح مشكلة هل الإجراء شرعي أم غير شرعي تحت الاحتلال، أو الحماية بشكل أدق.

 الفوسفاط عنوان المملكة في معاركها الاقتصادية، ولم يحدث أن صودر أو وقع له ما وقع في جنوب إفريقيا في عهد الحماية الفرنسية

ما حدث لـ 50 ألف طن متوجهة إلى نيوزيلاندا بحكم محكمة في جنوب إفريقيا، زعزع القناعة القانونية لكثير من المستثمرين، رغم محاولة الرباط مخاطبة الملوك العشرة، يتقدمهم ملك الزولو، ليكونوا قناة خلفية مع بريتوريا، لأن الحكم شكل تحولا، وقد فاز الفرنسيون وهم يحتلون المغرب في محكمة العدل الدولية، ونجح المخزن في احتكار الفوسفاط وادعاء ملكيته، حسب الصك الذي تقدمت به روما، ليسكت الجميع عن ملكية المخزن الكاملة للفوسفاط المغربي وهو من يعطي الاحتكار، وليس الإدارة، ونجد في موقع آخر “الدولة”، في تمييز قانوني دقيق نطقت به محكمة العدل الدولية.

وبين عهدين يتعزز بأن المغرب هو ما وقع تحت الحماية الفرنسية وبقيت المملكة الإسبانية مترددة في نقل السيادة المغربية إلى سبتة ومليلية أو الصحراء، وإن قبلت نقل الإدارة في “اتفاق مدريد”.

وأيا يكن الوضع، فإن الوجه القانوني، خلق توازنا جديدا في ملف الصحراء، وأيضا توزيع الثروة داخل المملكة، حيث يصعب الدفاع عن توزيع عادل للثروة في المغرب، والمصادرة التي وقعت في جنوب إفريقيا(4)، إنذار بأن الربح السياسي للمغرب في الاتحاد الإفريقي، ترافقه خسارة قانونية شكلت أزمة أخلاقية(5) واقتصادية بين الفلاحين في نيوزيلاندا(6).

وحسب حكم محكمة “بورت إليزابيث”، فإن المغرب قاطع الجلسات وعاد الفوسفاط إلى البوليساريو(7) كما ينقل موقع إلكتروني مقرب من مصادر القرار، والواقع أن المعركة الدولية حول الفوسفاط، لم تبدأ من خروج فرنسا عن “اتفاق الجزيرة الخضراء” بتمليك المخزن الفوسفاط كي تهيمن عليه بعده بعيدا عن باقي أطراف اتفاقية 1906، أو تأسيس “كارتيل شمال إفريقيا” أو “كارتيل مالي” من تجارة هذا المعدن (المكتب الشريف للفوسفاط)، وحسب الوثائق المصاحبة للحكم، ولعام واحد، فإن الأموال التي جمعها المكتب، تقارب 86 في المائة من المردود السنوي الحالي لهذه الشركة المساهمة، لذلك اضطرت روما إلى رفع دعوى اقتسام دولي للفوسفاط المغربي.

وانطلقت المواجهة الدولية على الفوسفاط، من “اتفاق ألماني ـ فرنسي” في 1911، أكد على بنود ملحقة، منها القبول بهيمنة فرنسية على الفوسفاط المغربي مقابل 5 معادن في نفوذها الإفريقي لصالح الألمان، واضطرت روما إلى اتفاق لـ 5 سنوات على نفس خطوات ألمانيا، وقدمت باريس 12 في المائة من الأرباح للإيطاليين قبل أن تصدر ظهيرا ينسخ ظهير 1920 مع الاحتفاظ لنفس الجهة، ببند الاحتكار، لأنه لم يعد ممكنا القول، بأن المالك تغير، بل المخزن تغير شكله القانوني وتفسيره، من شخص الملك إلى الإدارة المغربية، للحكومة الفرنسية إلى نظام ما بعد الاستقلال بعد 1956.

ولا يزال حق الاحتكار من عدمه، قرارا ملكيا صرفا، لا يدخل في اختصاص الحكومة طبقا لظهير 1920 وما بعده، وهذا الحق غير قابل للتصرف في نظر بعض القانونيين، إلا بظهير ينقل هذا الاختصاص الحصري للملك إلى رئيس الحكومة، وأتى دستور 2011 ليكرس تعيين الملك في أكثر من 50 مؤسسة استراتيجية في المجلس الوزاري.

ولا يخفى على أحد، أن حرب الفوسفاط، رهان للمستقبل(10).

وبشكل مباشر، يقول أنتيليو غوديو في كتابه “الحروب والسلام في المغرب روبورتاجات 1950ـ1990″(11): “لو كانت الصحراء الإسبانية لا تمتلك الفوسفاط بكميات مهمة، لن يطالب أي شخص بهذا الإقليم، والفوسفاط مفتاح مستقبل الصحراء”.

إذن، فالفوسفاط، هو صانع السلم والحرب في المنطقة، من 1920 بصدور ظهير وقع تحت أنظار محكمة العدل الدولية، وأيدت مضمونه الإداري تحت السيادة الفرنسية، وإلى مصادرته في جنوب إفريقيا أخيرا.

واستقل المغرب من الاحتلال الفرنسي، لأن الفوسفاط دخل صراعا آخر مع الولايات المتحدة الأمريكية لتدعم واشنطن استقلال المغاربة، وبناء الخارطة الحالية التي أشعلت حربا من 1975 إلى 1991، لم تكن إلا على حدود فوسفاطية، وبعد ظهور الذهب والألماس، عادت موريتانيا من النافذة بعدما انسحبت نواكشوط من “اتفاق مدريد” لتنقل جزءا ترابيا من الصحراء إلى جبهة البوليساريو.

 من تطوير الفوسفاط إلى صناعة فوسفاطية مع استمرار الاحتكار الكامل للمكتب الشريف للفوسفاط

“كان الأمر متعلقا بملكية تسمح بتصدير الفوسفاط الخام إلى الخارج” تقول مجلة “زمان” تحت عنوان “المكتب الشريف للفوسفاط: البارحة واليوم”(12)، ودعمت محكمة العدل الدولية وجهة النظر الفرنسية إلى الحد الذي قال فيه أحدهم، إن حرب الصحراء، جاءت لتدمير رأسمالية صاعدة ومبذرة في المغرب، أشعلت مظاهرات وانتهت بانقلابين عسكريين، يقول روبرت رازيت(13): ” لقد تضاعف أربع مرات ثمن الفوسفاط، من 14 في المائة عام 1972 إلى 42 في المائة، وبعدها 63 في المائة، وبدأ رهان آخر في 1975″، علما أن المغرب المشارك في الحرب ضد إسرائيل عام 1973، صدر في هذه السنة 12.2 مليون طن من الفوسفاط (54.3 مليون دولار)، وتقرر أن يكون انقلاب في المملكة أو حرب في الصحراء، فاختار الجميع هذه اللعبة، والكل يدرك أن المغرب، لا يجب أن يحتكر الفوسفاط كاملا، وهذه النظرة الإيطالية منذ 1938، لم تسبب في صعود الفاشية لحفظ مصالح روما، بل اتجهت إلى معادلة مختصرة قال بها البعض: “الفاسية مقابل الفاشية” لاعتماد القصر على الفاسيين والفرنسيين لإكمال هذه اللعبة، لأن فرنسا وبريطانيا، خرجتا عن تقاسم المصالح في شمال إفريقيا وشمال غرب المتوسط بفعل خسارتهما لمعركة الفوسفاط المغربي أمام الأمريكيين، وأدارت هذه الأطراف دعم القذافي للبوليساريو بالمال والسلاح، عبر بواخر إيطالية فاجأت المخابرات الجزائرية، قبل أن يسيطر بومديان على الوضع.

لقد حاربت روما المغرب إلى نهاية الحرب الباردة، كي لا يسيطر على الفوسفاط العالمي، لمخزونه الواسع، وأيضا لصعوبة مراقبة أمواله، فالحرب في الصحراء، أجلت جزئيا وضع مسألة النفط تحت قرار رجل واحد، ويقصدون الملك الحسن الثاني، لأنه قاد بذكاء، لعبة الحرب والسلم حول الفوسفاط، ولا تزال هذه الظلال قائمة.

الفوسفاط سبب الأزمة الصامتة مع إدارة ترامب، وتمويلات المغرب في القارة السمراء لتغيير وضعها من أموال هذا المعدن

يعرف الجميع الـ 12 مليون دولار، المسلمة لهيلاري كلينتون، منافسة الرئيس الحالي للولايات المتحدة، دونالد ترامب، ولا يزال هذا الظل ثقيلا على العلاقات الثنائية الأمريكية ـ المغربية، والسكوت عن نزاع “الكركرات” في جزء منه مرتبط بمستقبل هذا المعدن، وباقي الثروات المارة إلى غرب إفريقيا.

إذن، رائحة الفوسفاط تسيطر على الأجواء الأمريكية ـ المغربية، والعلاقات الجنوب إفريقية مع الرباط، وأخرى مع بروكسيل، وتتوالى بقية الظلال من خلاصات دولية مفادها: لا يمكن لأي حل في الصحراء أن ينجح، دون الوصول إلى تفاهم حول مستقبل الفوسفاط، فمخطط التقسيم الذي اقترحه بوتفليقة وتبنته كثير من الدول، تقف أمامه حجرة عثرة متمثلة في الفوسفاط، فسيادة طرفي النزاع، مرتبطة بمن يهيمن على هذا المعدن، لا أقل ولا أكثر، إذن فالذي أشعل حرب الصحراء، هو الفوسفاط، (راجع أسرار كيسنجر على ويكيليكس)(14)، ويمكن أن يشعلها ثانية، وهو معدن تدور حوله خرائط الحرب والسلاح في المغرب، لأن مصدر التمويل الرئيسي لكل شيء في المغرب، هو الفوسفاط، وهذه الحقيقة يعرفها المراقبون، إذن فهو معدن الحرب بامتياز، وقد خيضت حرب بـ “النابالم” و”السام 7″ و”الميراج 2000″ من أجل فوسبوكراع، واليوم لا يختلف السيناريو بين 1938 و2018، لأن لا شيء تغير في مسألة الاحتكار، بما أفشل الاستثمار، وعزز قولة شهيرة: “إن الحرب على الفوسفاط ستبقى سمة المرحلة القادمة”.

 

هوامش

  • Dahir n°1 – 60 – 178 (4 Safar 1380) relatif a l’office Chérifien de phosphates B.O.S, Août
  • Seized phosphate rock no longer headed for Newzealad, News hud, NZ, 14 /3/2018.
  • NZ companies shamed for morally indefensible mining shipment, news hub, 4/5/2017.
  • NZ farmers could be African phosphate seizure, News hub, NZ, (5/05/2017).
  • South African court announces pro-polisario verdict in phosphate cases, Morocco world news (24/2/2018).
  • La guère de phosphate sera – t- elle prochain conflit mondial? slate fr.22 nov. 2013.
  • Le Sahara occidental, enjeu Maghrébin, Abdelkhaleq Berramdane, North Africa, 1992.
10- Les phosphates au Maghreb: enjeu politique. enjeu d’avenir, le matin dz, (17/ 3/2012).
11- Guerres et paix au Maroc: reportages, 1950-1990, Attilio Gaudio, 1950.
12- OCP: hier et aujourd’hui – zamane, (14 décembre 2012).
13- Le Sahara occidental et les frontières Marocaines, Robert Rezette 1975, books.google.
14- maghress.sahara: l’enjeu caché des phosphates (kissinger cables), maghress (10/4/2013).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Open

error: Content is protected !!