في الأكشاك هذا الأسبوع

الحقيقة الضائعة | عندما قال الوزير برادة للحسن الثاني: إن كثرة القهوة والسجائر تضر سيدنا

بقلم: مصطفى العلوي

من ميزات عهد الملك الحسن الثاني، وقد أصبح الرأي العام المغربي الحالي، يترحم عليه، حتى الذين عانوا زمانه، وحتى الذين تعرضوا لسياطه، ولنقرأ مذكرات واحد من عقلاء العصر الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي، وقد نشر في مذكراته الثلاثية الأجزاء، أطروحة التجربة الحسنية مع المعارضة، وقد توجها الحسن الثاني، بالحل النهائي للأزمة السياسية المغربية، متمثلا في إطلاق التناوب السياسي، بعد اعتراف الملك، بأن الأغلبية كانت مع الاتحاديين، في ذلك الزمان الذي غادره قطب الحزب عبد الرحيم بوعبيد مبكرا، حيث تشهد مذكراته التي لم يكتب لها أن تنشر، إلا بعد صدور مذكرات اليوسفي، بأن عبد الرحيم بوعبيد نفسه، كان يعترف بعبقرية الحسن الثاني، وأنه وقد كان من مكتشفيه في شبابه، خصوصا عندما كان يعتبره عبد الرحيم بوعبيد في شبابه صديقا، لا أميرا ولا ملكا.. لأن الأمير أو الملك، يتحملان مسؤولية استمرار الملكية أو فشلها، بينما فشلها هو الكارثة بعينها لأن التركيبة الاجتماعية المغربية، هشة، متنوعة المكونات.

فإضافة إلى التباعد الشبه عدائي(…) بين القبائل السوسية والزمورية، والزايانية، والرحامنة، وأيت زكوكو، وأيت أومالو، والشلوح، ودكالة، وصنهاجة، ومصمودة، والقبائل الصحراوية، وخاصة الريفية، التي كان الحسن الثاني يضرب لها ألف حساب، وقد كشف الزعيم المحجوبي أحرضان عن خبايا الأيام التي كان فيها وزيرا للدفاع مع الحسن الثاني: ((حين كان الحسن الثاني كل مرة يجاهر بخوفه من الريف(…) ومحاولته تهدئة الريف بالقوة وفشل، ومرة ومستشاروه يكلمونه عن فرض القانون، فيؤشر إليهم بامتناع يديه وهو يقول: لا محاكمات. جملة وضعها أحرضان بين قوسين pas de procès، وهي النصيحة التي يحكي فيها أحرضان أن المستشار بنسودة انقض على الفرصة، وقال أمام الملك: نعم يا مولاي، وها هم أولاد عبد الكريم الخطابي يعيشون في القاهرة. ليتدخل الكاتب أحرضان، ويقول: حقا إن ولده عبد السلام متطرف، ولكن ولده إدريس، مواطن مخلص مثلنا، ورغم ذلك فإنهم محرومون من أراضيهم التي يملكونها، فأوقفه الحسن الثاني: وأية أراضي؟ أجابه أحرضان: كل أراضي عبد الكريم الخطابي تم الاستيلاء عليها منذ عهد الإسبانيين الذين حولوها إلى ممتلكات للجيش ومكاتب للقيادات، وحولوا منطقة إمزورن إلى مطار الحسيمة.

الحسن الثاني يقاطعهم: لا أعرف هذا. وأنهى تدخله بقوله: يجب تعويض عائلة الخطابي عن أراضيهم)) (مذكرات المحجوبي أحرضان. الجزء 3).

رجوعا إلى المكونات القبلية المغربية، كل لحظة من لحظات التفكير فيها تمهد في حالة أي خلل في مسؤولية الملك أو السلطان، إلى ما هو أبشع من الحرب الأهلية، وهو خطر يتنامى طبعا بتنامي السكان، وقد فجع أحد المراكشيين في متجره مؤخرا، وهو يلاحظ حركات أحد الصعاليك، ممسكا بيده خنجرا، وهو يلمح بيديه إلى المستقبل.. ومرددا كلمة: سترى، فكيف لهذا المراكشي أن يرتاح مستقبلا؟

بينما قراءة مختصرة لاستفحال جرائم السطو والسرقة والذبح في الجرائد، يعطي صورة مختصرة عما سيقع في جنبات المغرب، في حالة حدوث فراغ(…)، وهي فرصة أخرى للترحم على الحسن الثاني الذي بنى حكمه الذي استمر أربعين عاما على عنصرين متطابقين مع طبيعة الإنسان المغربي: إما.. وإما(…).

وهي في الواقع طبيعة متناقضة مع الطبيعة الديمقراطية سبق لمفكر عظيم وحاكم عالمي خبير، هو رئيس الحكومة البريطانية “ونستون تشرشل”، وكان يقضي الكثير من عطله في فندق المامونية بمراكش وعرف المغرب ومحمد الخامس أثناء مفاوضات الحرب العالمية التي عقدت في أنفا بالدار البيضاء، وكان صديقا حميما للباشا الكلاوي، نظم يوما ندوة في بيت الكلاوي عن المغرب ليعلن للحاضرين شبه دستور مختصر لا للشعب، وإنما لملك المغرب، قال فيه حرفيا: ((إن محمد الخامس، عندما تحالف مع أعضاء الحركة الوطنية وتنازل عن التعامل مع الممثلين التقليديين في القبائل(…) فإنه عرض الملكية للضياع. إن المغرب لم يصل بعد لمرحلة التطور الكافي ليفرض شخصيته السيادية(…).

إن تشابه الأنظمة البريطانية والمغربية، ينطلق من نموذجي الشخصي، فأنا رئيس الحكومة الملكية في لندن، ولكني غدا سأسقط بالتصويت، وأصبح رئيس المعارضة الملكية، لأن الملكة هي سيدة الشعب، فلابد في المغرب إذن، من الوصول إلى مرحلة لتجريد الملكية المغربية من طقوسها المخزنية(…) وإلا فإنها لا يمكن أن تستمر. على الملك أن يرتفع فوق التقاليد والصراعات الحزبية(…) وإذا ما اشتبك بعرشه في التشعبات فإن في ذلك نهايته)) (تشرشل في مراكش، 8 نونبر 1954. مذكرات عبد الصادق الكلاوي).

قد يقول قائل بأن هذا ماض كان فيه تشرشل، وأن المغرب اليوم شيء آخر، ولكن تشرشل يقول إنه سيسقط في الانتخابات، لتبقى الملكية، وها هي الملكة إليزابيث التي كانت شاهدة على تصريحات رئيس حكومتها لازالت ملكة على دولتها، ولازال الأسلوب الذي تحدث عنه تشرشل قائما في بريطانيا إلى اليوم، وبريطانيا لازالت دولة عظمى، رغم أن المغرب اليوم لازال في الواقع محسوبا في مؤخرة الإحصائيات العالمية في التقدم الحقيقي، وإن كانت ظروفه الاجتماعية أيام تشرشل أحسن مما هي عليه الآن في المغرب، بعد أن انقرضت الحركة الوطنية، والقواعد الاجتماعية، وكان عدد المغاربة في ذلك الزمان عشرة ملايين، وأصبحوا أكثر من خمسين مليونا تصر الأجهزة المكلفة(…) على الوقوف في الإحصائيات عند رقم الثلاثين مليونا، يعني أن عشرة ملايين يوم الاستقلال أصبحوا ثلاثين مليونا سنة 1970، وسيبقون ثلاثين مليونا إلى الأبد، واسألوا سي الحليمي، بارك الله فيه.

فلم يعمل الملك الحسن الثاني بنصيحة الرئيس البريطاني تشرشل، لأنه كان يعرف الواقع المغربي، كما لم يعرفه تشرشل، ويعرف المغاربة أكثر من تشرشل، ويعرف أن الديمقراطية البريطانية لازالت بعيدة عن المغاربة، وإن كان الإنجليزيون لم ينجحوا، لسوء حظنا في حكم المغرب، عندما أفشل الخبراء الفرنسيون، الاستعماريون، رغبة الإنجليز زمن تقاسم العالم بين القوات الاستعمارية، في إمضاء الاتفاق المؤرخ بـ 8 أبريل 1904، والذي أمضي بين القوات الفرنسية والإنجليزية على تبادل مصر والمغرب، حيث عرضت إنجلترا إدخال المغرب في حكمها، وتسلم الدولة الفرنسية لدولة مصر، تجديدا لعهد نابليون الفرنسي، الذي سبق له احتلال مصر، وقد أثبت التاريخ أن الفرنسيين فضلوا البقاء في المغرب أحسن من مصر(…) فدفعوا إسبانيا إلى تعقيد مفاوضاتها مع إنجلترا للتنازل هي أيضا عن أطماعها في احتلال شمال المغرب.

جزئيات كان الحسن الثاني يعرفها بالتفصيل، فارتاح بدوره لفشل هذه المفاوضات، مرتاحا لاستقلال المغرب عن فرنسا وعن إسبانيا، وعن بريطانيا، لأنه كان يعتبر أن المستقبل المغربي كامن في مجده كدولة مستقلة لكن يحكمها المخزن.

المخزن لحكم المغرب، هي فلسفة الحسن الثاني التي فرضها ونجحت بالنسبة له، انطلاقا من واقعة حصلت وتستحق التذكير.

فالاختيار المخزني، انطلاقا من القصر الحسني هو الذي كان يطبع التعيينات الوزارية، رغم الصباغات الحزبية المتنوعة.

مرة، وكان الحسن الثاني يحضر في مخططاته المتجددة، حينما كلف رجل الأعمال كريم العمراني، الثري بتشكيل الحكومة، وهو الذي اختار لوزارة المالية واحدا من أقطاب الاقتصاد والمال، كان يسمى محمد برادة، البنكي الذكي، الذي اختاره العمراني لميزاته الاقتصادية المتطورة، وقدمه للملك الذي عينه يوم 11 غشت 1992 وزيرا للمالية.

وقد أطلق الحسن الثاني بالمناسبة، دعوة إلى إرغام الوزراء على التصريح بممتلكاتهم.

واستقبل الحسن الثاني وزير ماليته الجديد للتعرف به ولمناقشته في موضوع التصريح بالممتلكات.. وكان الملك في صالون قصره مع وزير المالية رأسا لرأس، لاكتشاف ميزات الرجل أولا، وتحضير طريقة التصريح بالممتلكات. وطال الحديث والنقاش، والملك يطلب قهوة وراء قهوة، ويشعل سيجارة وراء سيجارة، والوزير الفاسي برادة يستغرب، فالقهوة لم تنقطع والسجائر لم تنطفئ، ليفاجئ الوزير الشاب المهذب ملكه بقوله: مولاي إن هذه القهاوي بكثرة والسجائر بكثرة، مضرة لصحة سيدنا، وخطر عليه، لتتغير سحنة الملك، ويقف وبرادة لازال يتكلم، ويذهب الملك ربما إلى الحمام.. ولكنه لا يعود.

وبعد انتظار طويل، يربط الوزير برادة نظره في الاتجاه الذي ذهب إليه الملك ولم يعد، لكنه يفاجئ بأحد المخازنية يقبل عليه ويسأله: من أنت؟ ويتجمد برادة عندما بدأ المخازنية في جمع الموائد وإغلاق النوافذ، ليأتي واحد منهم ويسأله: ماذا تفعل هنا؟ ويؤمر برادة بالانسحاب.

ولم يفهم السي برادة أنه لم يكن من حقه أن ينبه ملك البلاد إلى الامتناع عن التدخين، وبقي شهورا طويلة يخفي هذه الحكاية، إلى أن كان يوم 11 نونبر 1993، يسمع الأخبار المتلفزة، والمذيع يقول: وقد تفضل جلالته بتعيين السيد محمد ساكو وزيرا للمالية، ليكون أنسب الاقتصاديين محمد برادة قد قضى سنة وبضعة شهور وزيرا للمالية، وها هو المخزن لا يقبل من وزير مهما علا شأنه، وبرزت ميزاته مهامه، أن يتدخل في الشؤون الخاصة لملك البلاد.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Open

error: Content is protected !!