في الأكشاك هذا الأسبوع

التعليق الرياضي ليس ثرثرة!!‎

عثمان محمود. الأسبوع

كان التعليق الرياضي، وما زال، من أساسيات أي نقل مباشر لهذه المقابلة أو تلك، فهو من جهة، يقود المشاهد أو المستمع إلى تتبع هاتيك المباراة باهتمام، إذ يعرف حينها، ملابساتها العامة، ومن جهة أخرى، يضفي عليها نوعا من الحماس والتشويق، الذي يسهم في إثارة أجواء الفرجة المرغوبة، بيد أن المتتبع للتعليقات التي تواكب هذه الأيام مباريات كرة القدم خاصة، يقف دون أدنى تمعن، على جنوح واضح لهذه التعليقات عن الجادة، ولا داعي هنا إلى تكرار الحديث عن القاموس الحربي الذي بات حاضرا في تعليق مختلف المعلقين، ولا عن التهييج المتعمد للجماهير الكروية! ولا عن تغيير نبرة الصوت التي تميل إلى التصنع، والتقليد المبيت لمعلق بعينه، فهذه من الملاحظات التي أمست واضحة بشكل لافت.

الجديد في هذا الصدد، هو الثرثرة التي وجدت لها مكانا رسميا في التعليق على مباريات كرة القدم على اختلاف مستوياتها، ثرثرة تجعل المعلق يتكلم طيلة أطوار المباراة، بحيث لا يترك ولو مهلة قصيرة ترتاح فيها أذن المشاهد على وجه الخصوص، ليتابع بعض اللقطات في هدوء، بما في ذلك، لقطات الإعادة من الزوايا المختلفة، أضف إلى ذلك، أن صوت الجمهور تم تغييبه بفعل تلك الثرثرة المبالغ فيها، فقد مضت أعوام كان فيها المشاهد يميز الجمهور الإنجليزي عن الجمهور الألماني، والجمهور الإسباني عن الجمهور الإيطالي، من خلال الأناشيد التي تصدح بها المدرجات، وتلتقطها معدات النقل المباشر، حتى أن صوت المعلق، كان يغيب لحظات يبقى حينها المشاهد يتابع المقابلة في متعة وفرجة وتشويق! والشيء الأخطر في ثنايا الثرثرة المتحدث عنها، هو أن رغبة المعلق في الكلام على مدار دقائق المقابلة، تجعله يغرف من نهر جار من الكلمات والعبارات، حتى ولو كان العديد منها لا يناسب المقال، ولا المقام، ويبدو أنه من اللازم، الإشارة إلى بعض الكلمات والعبارات المتسللة إلى التعليقات الرياضية، من ذلك قول أحدهم وهو يصف هدفا تم تسجيله: هذا هدف “أنطولوجي”، وآخر اعتبره هدفا “خرافيا”، وثالث عده هدفا “أسطوريا”، أما إحدى ضربات المقص، فقد نعتها معلق آخر قائلا: “إنها ضربة مقص من كوكب آخر”!! فلسنا ندري هنا عما إذا كانت هناك بطولات لكرة القدم في الكواكب البعيدة؟! وعن صمود دفاع إحدى الفرق في وجه الفريق المضيف، قال أحد المعلقين: “إنهم أمام حائط، ولكن ليس ذلك الموجود في برلين؟!”، وهنا أيضا لسنا ندري عن أي برلين يتحدث، برلين الزمان الحاضر، أم برلين زمان الحرب الباردة؟! والقائمة تطول إذا رغبنا في جرد مثل هذه العينة من الكلمات والعبارات التي تتضمنها تعليقات معلقينا الرياضيين، التي لا تتوقف إلا مع انتهاء المباراة.. فليضعوا إذن في الحسبان، أن التعليق على المباريات مضمون وشكل في الآن نفسه، وذلك حتى ينقحوا قاموسهم اللغوي، وينتقوا العبارات اللائقة والمناسبة، ويعملوا على إيصال ذلك بطريقة متزنة ومدروسة، بعيدة عن الحماس الزائد الذي يطلق العنان للسان ليقول كل شيء، في أي لحظة، وبأي طريقة، وليعلموا أنه قد قيل قديما: “من كثر كلامه، كثر سقطه!”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

Open

error: Content is protected !!