في الأكشاك هذا الأسبوع

لماذا لا تملك المدن المغربية هوية لجلب السياح؟

محسن زردان. الأسبوع

بقدر ما انخرط المغرب في دينامية الإصلاح المجالي من خلال تخصيص السلطات العمومية لمجموعة من البرامج للتهيئة الحضرية للمدن، بقدر ما برزت على أرض الواقع، ملامح بعض الإشكالات البارزة للعيان، ذلك أن الزائر لمدننا المغربية، يلاحظ أن سمة التشابه، باتت تغلب على معالمها، حيث أن كل شارع أو شارعين رئيسيين عبر معظم المدن، كان حظهما وافرا من التهيئة مقارنة مع الشوارع والأزقة المتبقية، إذ يتم تبليط طرقها وتهييء أرصفتها وتزيين جنباتها بمصابيح مزركشة، واستنبات عشرات من أشجار النخيل مع إحداث ساحة صغيرة تتوسطها نافورة يقفز الماء من أحشائها في المناسبات غالبا، أو نهاية الأسبوع.

وتتكرر نفس المشاهد غالبا في أغلب المدن المغربية، التي شهدت عمليات التهيئة الحضرية لأحيائها، وهو استنساخ يثير الملل، ويحدث الضجر، ويمحو الهوية والخصوصية الثقافية لكل مدينة، ويهمش بعدها التاريخي الأصيل.

ايس من العيب أن تهب رياح التحديث والتنمية على مدننا، وتغزو الشركات العالمية العملاقة بجرافاتها الضخمة وآليات حفرها الجسورة، بلادنا، ويرسم مهندسوها تصوراتهم على مجالنا الترابي، لكن ذلك، لا يجب أن يكون على حساب الجوانب الثقافية والخصوصيات الحضارية والتراثية لمدننا.

مخطيء من يعتقد أنه بهذه الطريقة، سنرفع من وتيرة استقبال السائحين، خصوصا السائح الأجنبي، لأن هذا الأخير، يبحث عن الشيء المختلف الذي يسكنه عبق التاريخ، وخير مثال على ذلك، مدينة مراكش، التي هي بمثابة أول وجهة سياحية في المغرب، فجاذبيتها تستند أساسا على طابعها التاريخي والتقليدي، ومعمار دروبها وأزقتها ومآثرها التاريخية، التي تشهد على مرور عديد الحضارات، ورائحة بهاراتها، ولباس وزي أناسها، وبالتالي، فالسائح لا يحتاج فقط إلى مدن فندقية حديثة مصنفة للمبيت، بل يسعى أيضا لاكتشاف نمط حضارة ثقافية، تختلف عن التي تركها في بلاده، ويحاول هجر نمط حضارته الحديثة، وترك ناطحات السحاب والطرق السيارة والمراكز التجارية الضخمة، لينغمس ولو للحظة مؤقتة، في عوالم ثقافية أخرى.

 من جهة أخرى، لن تحتاج لجهد كبير لتكتشف وأنت تجوب شوارع وأمكنة مدننا المغربية، صفة مشتركة بينهم، وهي تواجد شوارع لممارسة التجارة المصحوبة بالفوضى العارمة، واكتساح ظاهرة “الفراشة” والعربات المتنقلة لبيع الخضر والفواكه، حتى صارت مدننا مدن “فراشات” بامتياز، وهو شيء قد يجد تفسيره في أزمة البطالة وضعف الاقتصاد الوطني، الذي ليس هو سياقنا للتعمق فيه.

الأمر لا يقتصر عند هذا الحد، بل هناك ظاهرة تناسل المقاهي واحتلالها للملك العام، وهي تخصص ركنا من مساحتها لبيع فطائر المسمن والحرشة، وهذه الظاهرة عامة في أغلب المدن المغربية، فبيع المسن والحرشة، يمكن أن يصادفه الزائر في مجموعة كبيرة من المدن المغربية وكأن الطبخ المغربي، ليس في جعبته ما يقدمه ويعرضه كأكلات ووجبات، تحمل الخصوصية الثقافية لكل منطقة على حدة، سوى المسمن والحرشة، شمالا وجنوبا، شرقا وغربا.

زحف السكن الاقتصادي، بتسابق المنعشين العقاريين على الاستثمار في هذا الميدان المربح، جعل مدنا مغربية عديدة، تحتضن تجمعات سكنية وبشرية، في شكل معماري متراص بأحياء مكدسة، لا تراعى فيها جمالية شكل الأبواب والنوافذ والأسوار، ولا معايير الصباغة، فتصبح شبيهة بالمعتقلات، تختفي فيها روح الامتداد والبهجة وجمال الرؤية، وبعيدة كل البعد عن الطابع المعماري المغربي.

لا شك، أن هوية المدن لا تخلق من فراغ، فهي مرآة تعكس صورة الإنسان، وماضيه، وأثار مخلفاته، وقيمة مساهمتها في بناء الحضارة الإنسانية، وهنا نتساءل عن وعينا بالمحافظة على الآثار التاريخية، التي تشكل رمزا من رموز المدن والأمكنة، وفرصة للاستثمار الثقافي والسياحي، فعوض أن تعرض آثارنا في المتاحف الأوروبية حيث يؤدي عنها الزائر مقابلا ماديا، فمن الأحرى أن تعرض في متاحفنا، التي لا نكاد نجدها إلا في مدن معدودة على رؤوس الأصابع، بالنظر إلى ضعف استراتيجية الاهتمام بالهوية الثقافية والحضارية للمدن، ومن جهة أخرى، لا زال الإنتاج الأدبي والفني هزيلا في عطائه، لرسم ملامح مدننا وأمكنتها، وبعثها للحياة، وتسليط الضوء عليها في مخيلة وذاكرة القارئ، وكذا تصوير الفضاء المعماري، بطرق فنية ودرامية، ترسخ خصائص ورموز المدن والجهات، وهوياتها الثقافية والحضارية، بالنسبة للمشاهد.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

Open

error: Content is protected !!