في الأكشاك هذا الأسبوع

الحقيقة الضائعة | الملوك والسلاطين يهربون من قصورهم بسبب السحر والجنون

بقلم: مصطفى العلوي

دخلت في تاريخ القصور الملكية المغربية، حادثة السيدة المشهورة في فاس، بزواجها من أحد الأثرياء المغاربة، وقرب بيتها الفخم من القصر الملكي بفاس، والعلاقات المتميزة التي ربطت عائلتها بصداقة متينة مع الملك الحسن الثاني، لدرجة أن أغلب المتقربين إليه كانوا يتقربون منها للتقرب منه، وهي تدخل القصور الملكية كما تريد، إلى أن أمر الحسن الثاني بتحسين شعرها بشكل يشوه منظرها، بعد أن اعترفت له بأنها كانت تبث وسائل السحر في أماكن حساسة وخاصة في حمامات القصر والمحلات التي يدخل فيها الملك وحده، وأصبح الحديث عنها في المجالس الملكية، شيئا مألوفا.

ولكن القصر الملكي، كأغلب قصور السلاطين والملوك، من الشرق إلى الغرب، وقد جرب حقائقها واحد من قدماء القصر الملكي بالرباط، حسن أوريد، الذي نقل عنه أحد الصحفيين الفرنسيين مقولته المشهورة عن القصر الملكي بالرباط: ((قصور الظلمات حيث لا يدخل النور))، فكل القصور السلطانية لا يتسرب إليها نور العيون فلا يدخلها النور إطلاقا.

ولكن الظلمات لم تكن تمنع الحسن الثاني، هاوي القصور، ومنشئ عدة قصور في جميع جهات المغرب، لازالت إلى الآن مقفولة غير مسكونة باستثناء ضباط وجنود الحرس المتواجدين خارج أبوابها، لم تكن هيبة الفراغ، هي التي تفزع الحسن الثاني عندما يدخل لقصر مبني على آلاف الأمتار ومئات الصالونات وآلاف الممرات الفارغة إلا من بعض العبيد وليشّرات، بل إنه مرة وكان يزور أكادير كثيرا، اكتشف أن القصر الملكي في أكادير قريب من المطار، وأن صداع الطائرات يزعج راحته، فبنى قصرا جديدا، عقدت اجتماعات كثيرة للمهندسين المغاربة والأجانب، وقد ابتدعوا في بناء هذا القصر صالونات وصالونات، تبهر الأنظار، حتى فرح السوسيون سكان المنطقة بأن الملك سيستقر نهائيا في هذا القصر، الذي ينقل العاملون في إنجازه أوصافه إلى أفراد عائلاتهم الساكنين في أطراف أكادير، لولا أن ذلك شيء لم يكن.

حينما ظهرت بوادر سحرية، وسقط الكثيرون من العاملين في هذا القصر، وخاصة يسقطون عندما يقتربون من صالونات معينة كانت قريبة من الجهات المخصصة لغرف نوم الملك..

وكثرت التأويلات للمتكلمين الكبيرين في المحيط الملكي، ففيهم من يقول أنه سحر عظيم، ليقول لهم شيخ متزن أنسيتم القرآن الذي يقول: “بل نحن قوم مسحورون”، ليقبل الحسن الثاني، الذي غلبه سحر قصر أكادير الذي لم يستطع دخوله خوفا على حياته أطروحة مقبولة، بأنه حصل الغلط، حينما أقيم القصر على جزء من مقبرة قديمة كان الأكاديريون دائما يخافون من الاقتراب إليها، ليطرح الحسن الثاني الحل في استقدام الفقهاء لقراءة القرآن ليل نهار.

أما الأرواح التي يتقمصها بعض الجنون، فإنه صدرت أوامر برش القصر ليل نهار بالمياه المخلوطة بماء الزهر والورد، وقناطر من عود الطيب الغالي الثمن، ومخلطات أخرى دافعة للسحر ومطهرة للأماكن.. إلا أن أي تحسن لم يحصل وبقي القصر الذي كلف الملايير ممنوعا على أعظم ملوك المغرب، الحسن الثاني، الذي كان يخشاه الأقطاب، وكان هو يخشى الجنون، بعدما أصبح يسمى قصر أكادير، بالقصر المسكون.

حقا إن الحسن الثاني نفسه، كان كمؤمن متحكم في فقه الدين، يعرف ويعترف بتواجد السحر، لدرجة أنه أثناء إلقائه يوما لحديث رمضاني في إطار الدروس الحسنية، في 6 دجنبر 1967، وهو يتحدث عن السيرة النبوية، ليقول: ((إن رسالة النبي محمد جاءت للناس كافة، الذين يقولون بالسحر والذين لا يقولون به))، بعد أن سبق له في نفس الحديث أن تحدث ((عن أيام الفراعنة الذين لم يكونوا يعتمدون على السحر فقط، بل كانوا يعتمدون أيضا على الرياضيات، وأن معجزة النبي موسى كانت من جنس السحر، لكثرة السحرة في عهده وأيام النبي موسى فألقي السحرة سجدا قالوا آمنا برب هارون وموسى)).

ومن أيام فرعون والأنبياء موسى وهارون، نعود إلى أيام الحسن الثاني، وهو ممنوع رغم بوليسه وجيشه من دخول قصر بناه بشهوته في أكادير، وقد نقل مؤلف كتاب الحسن الثاني، الذي لم تكن محتوياته كلها مكتوبة لتشويه صورة هذا الملك العظيم، الكتاب الذي ألفه “أنياس دال”، وأثار أزمة بين العرش المغربي وفرنسا، فحدث أن أحد مستشاري الملك الأردني حسين قال للصحفي الفرنسي كيف أن الحسن الثاني حكى لزميله الملك حسين: إني أعتمد هذه الأيام على شواف يحول بيني وبين الأخطار، وبين السقوط في الوضعيات المميتة، وأضاف المستشار أن هذا الشواف نصح الملك الحسن الثاني أن لا يركب الطائرة في كل يوم ثلاثاء. الكاتب الفرنسي الذي نوه بعلم الحسن الثاني وتخصصه في التعمق وإعجابه بالعلم والاختراع، نقل عن مجلة مغربية، في ذلك الوقت نقلها لتصريح أدلى به خبير يسمى مصطفى أخميس، اختصاصي في هذا المجال، والذي قال ((أن الملك الحسن الثاني بقي وفيا لتقاليد السلاطين والملوك، الذين يواجهون السحر بالاعتماد على الفقهاء)).

وكانت جريدة “الأسبوع” في ذلك الزمان، قد نشرت على صفحاتها خبر وفاة فقيه مشهور في مواجهة السحر، قرر الملك الحسن الثاني أن يبني على قبره قبة مكرمة في منطقة تسمى “تاهالت” على بعد 200 كيلومتر من أكادير.

“الأسبوع” نشرت الخبر في الصفحة الأولى، لأن الأمر يتعلق بفقيه اسمه الحاج الحبيب، وهو قطب قربه إليه الحسن الثاني عندما تعقدت أزمة القصر الملكي المخيف في أكادير، وكان من أكبر المستفيدين من هذا الفقيه، إضافة إلى ملك البلاد، الوزير القوي إدريس البصري، الذي كان هو الذي قدم هذا الفقيه للملك، وربما هو الفقيه الذي أخبر الحسن الثاني صديقه الملك حسين باعتماده لحل إشكاليات السحر، وقد لوحظ الحسن الثاني في تلك الأيام يحمل في يده على الدوام سبحة صنعها له الفقيه الحاج الحبيب، بينما ذهبت صحف أوروبية ومغربية، إلى الادعاء بأن هذا الفقيه استدعاه وزير الداخلية البصري مرة إلى وجدة، ليتوجه إلى منطقة جوج بغال التي اجتمع فيها الملك الحسن الثاني بالرئيس الشاذلي بنجديد، وأن الفقيه الحاج الحبيب سبق اجتماع رئيسي الدولتين برش خيمة الاجتماع  بخليط من البخور، وقالت الصحف أن هذا التبخير أعطى نتائجه، بعد أن أصبح الرئيس الشاذلي داعية للتصالح مع المغرب، إلى أن أقدم بعد إقالته على شراء قصر في طنجة والسكنى به إلى نهاية حياته، وكأنه مواطن مغربي عادي.

الحاج الحبيب هذا، وقد أصبح المزار حول قبته شمال مدينة أكادير، كان في حياته وبيته في سطات، والقصة يحكيها مقربون إليه، عندما رن تلفون بيته صباح جمعة ليكون الوزير إدريس البصري هو الذي يكلمه، ويقول له إني أنتظرك أن تأتي عندي إلى الرباط. الوزير القوي محتاج إلى الفقيه المتمرس في مجال السحر(…) وأخبر الفقيه الوزير بأنه مستجيب، وذهب إلى الحمام يحلق ذقنه عندما أفلتت يداه وأصاب أسفل لحيته بجرح بواسطة موس الحلاقة، فقال لأقربائه إنه جن ضربني حتى لا أتوجه إلى الرباط.. وفعلا اتصل بالوزير تلفونيا، لكي يقول له أن الجن يمنعونه من السفر، ويقول له إدريس البصري يجب أن تصل عندي إلى الرباط اليوم، أنا لا أعرف لا جن ولا إنس، وقطع عليه التلفون، ويركب الحاج الحبيب سيارته التي كان يسوقها بنفسه، وقبل مغادرة شوارع المدينة حادت سيارته عن الطريق، واصطدمت بعمود ضخم كسر جمجمة الفقيه الحاج الحبيب الذي مات لتوه، ليكتشف الدركيون المراقبون أن الخطأ خطأه، ويتولى إدريس البصري بإخبار الملك، ويتوقع الاثنان الأخطار متشائمين معا من هذا الموت الذي قال الحبيب أن الجن هو الذي منعه من السفر.

يصدق المصريون حينما يطلقون على سحرتهم اسم المغاربة رغم أن السحر ولد في مصر منذ أيام الفراعنة بشهادة آيات متعددة في القرآن، وفي جميع أنحاء القاهرة تعبيرات مصرية أخرى تطلق على السحرة تسمية المغاربة ويلجأ الكثيرون من الراغبين في مواجهة المشاكل إلى المغربي، أي الساحر.

ومادام القرآن نفسه يعترف بجدوى السحر، عندما يقول في سورة القمر: ((إذ أرسلنا عليهم حاصبا إلا آل لوط نجيناهم بسحر))، فإن السحر إذن موجود وليس سرا أن أقطابا كثيرين في المال والأعمال عندنا وعندهم، يلجؤون إلى السحر، وليس الملوك والسلاطين وحدهم الذين يخافون من السحر.

2 تعليقان

  1. السلام عليكم. فأنا من متتبعي جريدة الأسبوع منذ عقود ، وأكن تقديرا واحترامابالغين ؛بل إعجابا كبيرا لقيدوم الصحافيين المغاربة. وأكون صادقا إذا قلت: إن ما جعلني أعجب بالجريدة هو مصداقيتها وتحقق أغلب الاشارات المستقبلية التي تتناولها. ومثالا على ذلك : موضوع الحقيقة الضائعة: (( الوزير المغبون)).
    وأريد أن ألفت انتباه الأستاذ السيد مصطفى العلوي إلى خطإ وقع في آخرالمقالة حيث جاء (( وما دام القرآن نفسه يعترف بجدوى السحر ، عندما يقول في سورة القمر:{{إذ أرسلنا عليهم حاصبا إلا آل لوط نجيناهم بسحر }} فإن السحر موجود…))
    فإن المراد في الآية القرآنية بكلمة (سحر) ليس هو السحر المعروف عند السحرة والمشعوذين ، وإنما المراد هو اسم لوقت آخر الليل الذي هوبفتح السين والحاء ؛ ومعنى الآية: نجيناهم من العذاب آخر الليل ووقت السحر.

  2. ppppppppppppppppppppppppppppppppppp

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

Open

error: Content is protected !!