في الأكشاك هذا الأسبوع
جانب من محاكمة الجنود المعتقلين في انقلاب الصخيرات

خاص | قصة البورجوازية العسكرية وأول تمرد في تاريخ القوات المسلحة الملكية

      ((كان الجنرال المذبوح، وهو في أناقته المتناهية، محاطا بزوجته، ابنة المارشال أمزيان، وبجماعة من معتادي الكارطة، جالسين في جهة، وأصدقاء صهره أمزيان، جاؤوا من مدريد لقضاء بعض الأيام في ضيعته التي كانت في طريق بوقنادل بضواحي الرباط، والضيعة كلها كانت هدية من الملك الحسن الثاني، والمذبوح شبه هائم في التفكير الذي لم يتوقف، إلا عندما قالت له واحدة من الضيفات الإسبانيات، اسكوتشا.. لاسنيوريا.. ولاسنيورا، سيدة إسبانية أشبه ما تكون بالراهبة، تمتاز بأنها تتمتع في إسبانيا، بميزة الشوافة الموفقة، ترى المستقبل وتشاهد أحداثه، حتى ليخيل لسامعها، أنها تتحدث عما جرى في الماضي)).

وعندما فتح الجنرال المذبوح سمعه لها، وجدها تقول: ((.. إني أرى هنا هذا الشيخ الذي طعن هذا المسكين البئيس الغارق في دمائه، وأراه يتوجه ليطعن الملك، ودون أن يعرف المذبوح ما إذا كانت تقصد بالملك المهدد بالطعن، ملكها في إسبانيا، خوان كارلوس، أو ملك المغرب، سألها بهلع: صفي لنا هذا المهاجم الذي ترين، فقالت له: طويل ذو نظارات، واستمرت في الوصف، فوقف وكأنه يأمرها بالسكوت، وغادر وكأنه حصل على غنيمة)).

————–

هل سمعت أو قرأت في حياتك “شوافة تتحدث عن طعن الملك”، حتما لا، ولكن قراءة في الكتاب الأخير لقيدوم الصحافيين، مصطفى العلوي، الصادر تحت عنوان “الصخيرات المجزرة السياسية”، حابل بالأسرار عن هذه المحاولة الانقلابية، والأجواء التي صاحبت التحضير لها، فـ ((طعن الملك.. تعبير لم يكن يدور بخلد أي أحد في ذلك الوقت الذي كان المغرب يعيش فيه، الأفراح الدائمة، والسعادة المقيمة، زمان كان فيه الجنرالات في ما بينهم، لا يتحدثون عن حرب ولا سكينة، وإنما يتهافتون على من يشتري أحدث ساعة ذهبية، ومن يقتني لزوجته أو لصديقته أحسن وشاح ذهبي مرصع..))، حسب الكاتب.

وقد وصف الصحفي الذي عايش ثلاثة ملوك تلك المرحلة قائلا: ((كانت البورجوازية متمثلة أولا، في كبار ضباط الجيش، وفيهم من لم يكونوا قد استغنوا من المناصب، بل أغلبهم أولاد قياد وأقطاب ممن صنفتهم الدولة المحتلة، فرنسا، في عداد المحظوظين، بتسجيلهم في المدرسة العسكرية العليا بـ “سان سير”، وكأنهم عرسان للنظام المغربي غداة الاستقلال، وكان استقلال المغرب، المناسبة التي احتفلت فرنسا بزفافهم لحكم المغرب المستقل، عندما أسس النواة الأولى للجيش الملكي.. وهكذا يمكن اعتبار هذه النخبة من قدماء “سان سير”، هم النواة الأولى لظهور البورجوازية العسكرية في المغرب، لأن أغلبهم بقي محظوظا لدى الدولة الفرنسية، التي كانت تعتبر وجودهم في القيادة العليا للجيش المغربي، بمثابة ضباط فرنسيين ملحقين بالمغرب، رغم أنهم شكلوا في بداية الاستقلال، ما كان يسمى “دفعة محمد الخامس”، ولكن أعماق هذا الهيكل العسكري، كانت جحيما ملتهبا بحكم الصراع الذي تنامى بين أطر الجيش الأخرى، بعض الوطنيين الذين رقاهم أول وزير للدفاع، الاستقلالي محمد اليزيدي، والذين لم يكونوا يحظون في التقارير الفرنسية التي كانت تكتب في السفارة الفرنسية، إلا بوصفهم أنهم وقدماء “سان سير”، مادة لصراع بين جيلين، في الوقت الذي كان فيه أول قائد للقوات المسلحة الملكية، الأمير مولاي الحسن، سعيدا بانحناءات الضباط كلهم، بمن فيهم، خريجو “سان سير” الفرنسية والآخرون من الجيل الوطني، أو من الذين دخلوا للجيش وكانوا مسؤولين في جيش التحرير المغربي الذي أسهم في الهيمنة على بعض المناطق المغربية قبل الاستقلال، وكانت فرنسا ترى فيه خطرا على حربها ضد الثورة الجزائرية التي كانت مستمرة في ذلك الوقت)) (المصدر: كتاب “الصخيرات المجزرة السياسية” لمصطفى العلوي).

العلوي الذي وصف أجواء تلك الأيام، يحكي أيضا عن أسرار غير معروفة للتعامل بين قطبي الرحى في الجيش المغربي أثناء تأسيسه، الأمر الذي سبب أول تمرد في تاريخ القوات المسلحة الملكية، فـ ((بحكم الجيل المغربي العسكري من قدماء “سان سير”، وقد أطر القوات المسلحة الملكية، والمعارك التي كانت مستمرة بين الجيش الفرنسي وفصائل جيش التحرير المغربي في جنوب المغرب والمناطق المجاورة للصحراء وموريطانيا، كشف اختطاف القبطان “مورو” في جنوب المغرب من طرف جيش التحرير المغربي، حتى بعد استقلال المغرب، كان طبيعيا أن يمهد الاتصال السري بين كبار الضباط المغاربة “السانسيريين” وكبار ضباط المخابرات الفرنسية في السفارة الفرنسية، عنصرا فاعلا في تباعد بين جناحي القوات المسلحة الملكية))، وكتب واحد من الضباط المتميزين، بصفة الضابط الكاتب، محمد بركاش: ((ونحن الضحايا المتضررين، المعدومين في كرامتهم، شعرنا بأن علاقاتنا مع الآخرين(…) تتردى يوما بعد يوم، قررنا كتابة رسالة إلى الأمير مولاي الحسن، قائد الجيش، سلمناها للمستشار أحمد رضى جديرة)) (محمد بركاش. انقلاب الصخيرات).. وفعلا، عند تنظيم الاستعراض العسكري يوم عيد الاستقلال 18 نونبر 1960، رفضت مجموعة من الضباط المغاربة، المشاركة في هذا الاستعراض، عنوانا لأول تمرد في تاريخ القوات المسلحة الملكية.. تمرد غير مسموح للشعب المغربي أن يطلع عليه، ولكنه في أوساط الجيش، فعل فعلته يوما عندما كان قائد الجيش، الجنرال الكتاني، وقد عاد من مهمته الأممية في الكونغو، يواجه ولي العهد القائد الأعلى، ويقول له بصوت مرتفع: ((إن شبان الجيش، اتفقوا مع الأحزاب السياسية على أن يزيلوا من المسار العسكري المغربي، كل عناصر الجيش القديمة لينظموا انقلابا عسكريا لقلب النظام)) (المصدر: كتاب “الصخيرات المجزرة السياسية”).

كتاب العلوي، يكشف أيضا ظاهرة ضعف الحسن الثاني أمام صداقاته العسكرية، رغم اطلاعه على جزئيات التحضير لهجوم الصخيرات، دون أن يصدق، وعندما لا يصدق الملك، فإن أي قوة، لا يمكنها أن تصدق، ولا أن ترغمه على التراجع، فهو فيلالي، ولو طارت معزة، ومرة أخرى ترجع إشكالية وقوع كارثة الصخيرات، بسبب تجاهل الحسن الثاني لما يسمعه، وربما ما يراه، يقول العلوي..

يروي صاحب الكتاب أيضا، قصة الصفعة التي رسمها على وجه الكولونيل محمد اعبابو، عندما كان مديرا لمدرسة الحاجب(..)، ((وربما نسي الحسن الثاني في خضم مشاغله ومؤتمراته، الصفعة التي ضربها على وجه اعبابو، حين جاءه تقرير مكتوب من صديقه، المسؤول السوري، مصطفى طلاس، يخبره فيه بتواجد ضابط خطير في طيرانه يسمى أمقران، حسب معلومات استقاها المسؤول السوري من ضابط سوري جمعه مع اعبابو في بيت مشترك في المستشفى الفرنسي “فال دوكراس”، لكن الحسن الثاني رد على المرسول بقوله: “قل للأخ الأسد، أننا لسنا في الشرق الأوسط، إننا معافون من المؤامرات“، وربما لم يستفد الحسن الثاني من النصيحة السورية، إلا عندما تعرضت طائرته لهجوم في الجو بواسطة طائرة الضابط أمقران)).

فقد كان الطابع المخزني في عهد الحسن الثاني، يتلاءم مع الحكمة الفيلالية التي كان يرددها جده المولى سليمان: ((كم من حاجة قضيناها بتركها))، ولكن الفيلاليين المتأصلين من منطقة تافيلالت التي يتحدر منها أجداد الملك الحسن الثاني، معروفون بحرصهم وحيطتهم، وهي الخصال التي كانت الاستهانة بها، من أسباب تلقي ملك المغرب، درس الصخيرات الذي لم يكن ينساه، كما أن الثقة العمياء في مستشاره العسكري، الجنرال المذبوح، لا تبرر هجومه بواسطة تصريحاته غداة انتهاء الهجوم على المذبوح، بينما لو لم تكن تلك الثقة لما كان هجوم الصخيرات (نفس المصدر).

لا يتردد قيدوم الصحفيين في جوابه عن سؤال، من هم مدبرو انقلاب الصخيرات؟ إذ يقول: ((كانت الساعات التي أعقبت هذا اليوم التاريخي الدامي في القصر الملكي بالصخيرات، مليئة بالمفاجئات فيما يتعلق بمدبري هذا الانقلاب، وقد ظهر منه في الأطراف الأولى من هذا الكتاب، أن الأمر يتعلق برجل ثقة الحسن الثاني، الجنرال المذبوح الذي احتفظ في الإعداد لمخططه الانقلابي باسم الكولونيل محمد اعبابو، مدير المدرسة العسكرية بهرمومو كشريك رئيسي، لكن يوم عاشر يوليوز في الصخيرات، كان كافيا ليكشف أن الأمر يتعلق بمخطط أوسع يضم عددا كبيرا من جنرالات الجيش المغربي فيهم الذين أعدموا علنا، والذين أعدموا سرا، والذين قتلوا في عز هجوم الصخيرات، وطبعا، كان من بين الضباط المعدومين، من أدرج الجنرال أوفقير أسماءهم لإعدامهم وللتخلص منهم حتى لا يفضحوا مخططه المستقبلي)) (نفس المصدر).

السؤال بالنسبة لصاحب الكتاب، ليس هو “من هم قادة الانقلاب”.. فهو بالأحرى، من هم الذين اتهموا وأعدموا بجريمة الانقلاب؟

يخصص الكاتب حيزا مهما للتعريف بالجنرال المذبوح: ((الجنرال المذبوح سليل الخونة كما قال عنه الحسن الثاني نفسه في استجوابه مع الصحفي “ريموند تورنو”، المنشور في مجلة “باري ماتش” غداة المحاولة الفاشلة للانقلاب، ولكن سليل الخونة المذبوح، كان إلى اللحظات الأخيرة من ظهيرة عاشر يوليوز 1971، رجل الثقة الملكية، وأمين سر العاهل المغربي، وحصنه الحصين، كان غنيا أكثر من اللزوم، ومقدسا لا يفرقه عن الألوهية فارق كبير، كان العاهل يشتري له ضيعة كلما وأينما كانت للملك ضيعة، وكان له الحساب المفتوح في أبناك الدنيا، والجاه المرفوع والكلمة المسموعة، وكان السيف المسلول فوق رؤوس الأمراء والوزراء، ورؤساء الوزارات، وعندما أشرف بنفسه على إنشاء ملعب الكولف الملكي بالسويسي، وضعت رهن إشارته أربعة ملايير من الفرنكات، كان يصرفها بدون حسيب ولا رقيب، مع العلم أن هذا القدر، يقارب في مجموعه نسبة الدخل الفردي لنصف مليون مواطن مغربي، ولكن أي واحد لم يكن قادرا على فرز شفتيه بكلمة نقد في حق الجنرال المذبوح، الذي تحكي الشائعات، أن المخلوقات كلها حتى الضفادع التي توجد في حدائقه وضيعاته، كانت تسكت عن النعيق كلما جاء في زيارة لضيعة أو حديقة.. تبنته الأمة الفرنسية في الثلاثينيات، ودخل في صفوف الجيش الفرنسي بصفته يتيما ابنا لأحد قادة الاستعمار الفرنسي في المغرب، فجعلت منه ضابطا وفيا لمبادئ الدولة الفرنسية بما تضمه من مبادئ استعمارية معاصرة، واحتقار ونفور من كل ما له علاقة بوطنية المغرب وأمة المغرب، وغداة الاستقلال، كان القبطان المذبوح، في عداد الضباط الذين لا تصلهم بالأمة المغربية صلة، ولكنه تسرب كالماء في كيان الدولة المغربية، وراهن بذكاء على مستقبل الحسن الثاني، الذي كان آنذاك وليا للعهد، وربط نفسه إلى شخصه، وعندما مات المرحوم محمد الخامس بسرعة مذهلة في عمليته الجراحية سنة 1961، أصبح المذبوح في وضع يسمح له بقطف ثمار رهانه، وسريعا ما أصبح يتقلب في المناصب الحكومية والعسكرية، ويصعد سلم الرتب العسكرية، فمن وزير في البريد وعمالة الدار البيضاء، حيث دخل في اتصالات سرية مع قادة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، لا ليتعاطف معهم، ولكن ليتجسس عليهم كما حصل عندما غدر بهم سنة 1963، بعد أن أصبح محط ثقتهم، فما لبث أن باعهم للشرطة وأبلغ عن نواياهم، وتقدم شاهدا سنة 1961، في محاكمة أولى محاولات الانقلاب السياسية كاشفا عن نوايا الاتحاد الوطني للقوات الشعبية حينما صرح أمام المحكمة، بأن السيد محمد البصري، طلب منه بيانات عن خريطة القصر، للقيام بهجوم على القصر، بمساعدة بعض ضباط المخابرات السوريين، وفعلا حكم على البصري بالإعدام، وكان ذلك جواز ترقية المذبوح لدرجة الثقة الملكية السامية، المقدسة، العالية)).. يقول العلوي، قبل أن يواصل الحديث عن مدبري “مجزرة الصخيرات” كما وردت تفاصيلها في الكتاب.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!