في الأكشاك هذا الأسبوع
إدريس جطو رئيس المجلس الأعلى للحسابات

حدث | تلاعبات الزعماء السياسيين و المنتخبين في أموال الدعم العمومي

      الحزب ليس مجرد شعارات، بل هو مؤسسة مالية، قد تكون صغيرة وقد تكون كبيرة، حسب عدد المنتخبين، مما يفرض وجود إدارة مالية قادرة على تدبير أموال الدعم العمومي وباقي مصادر التمويل، غير أن ربط “المسؤولية على الحزب” بالمحاسبة، الذي طالما نادت به الأحزاب، يقتضي أيضا خضوع الزعماء السياسيين، ومن يعمل معهم، للحساب، فيما يتعلق بتبرير المصاريف، ومصير المداخيل. في هذا الصدد، أكدت تقارير إدريس جطو التي أعلن عنها المجلس الأعلى للحسابات، قبل أيام، عن وجود عدة خروقات، وقد يصل الأمر في بعض الحالات، إلى درجة القول بأن “حاميها حراميها”.

——————

يشير أحد تقارير جطو، وهو المتعلق بفحص حسابات المرشحين لانتخابات 4 شتنبر 2015، الخاصة بانتخاب أعضاء مجالس الجماعات ومجالس الجهات، أن عددا كبيرا من المنتخبين، لم يستطيعوا إثبات نفقات حملاتهم الانتخابية، أو قدموا بشأنها فواتير لا تتضمن جميع البيانات المنصوص عليها في القوانين والأنظمة، أو لم تتم بمناسبة الحملة الانتخابية، أو تم بشأنها تقديم وثائق إثبات غير معنونة باسم المترشح، بالإضافة إلى مجموعة من الملاحظات التي تم جردها، حيث تمت مراسلة 583 منتخبا، قدم منهم 296 أجوبة للمجلس، في حين تخلف 103 منتخبين عن القيام بذلك، رغم تبليغهم، لكون العناوين المعتمدة لمراسلتهم، غير مضبوطة، فيما لم تقدم مصالح البريد، أي جواب عن 9 مراسلات.

وكشف نفس التقرير، بعض المعطيات المتعلقة بنسبة التصريح بمصاريف الحملة الانتخابية حسب الانتماء السياسي، إذ أن بعض الأحزاب لم تصرح بأي شيء، كما هو الشأن بالنسبة لبعض الأحزاب الموجودة على الورق فقط، ولا قيمة لها من الناحية السياسية، مثل حزب المجتمع الديمقراطي، وحزب الأمل، وحزب الحرية والعدالة والاجتماعية، وحزب الديمقراطيون الجدد، الذي أداع نسبة 4 في المائة فقط من مصاريف مرشحيه، شأنه شأن حزب جبهة القوى الديمقراطية الذي لم تتجاوز نسبة إيداع مصاريف حملته الانتخابية، 12.96 في المائة.

التقرير نفسه يؤكد أن الأحزاب الكبرى، مثل العدالة والتنمية والأصالة والمعاصرة والاستقلال، حققت نسب إيداع مرتفعة، أولها “البيجيدي” الذي وصل نسبة مائة في المائة من حيث الإيداع، علما أن المجلس، أكد أن أربعة أحزاب، لم تقدم ما يثبت أنها أرجعت إلى الخزينة العامة للمملكة، المبالغ الغير مستعملة من مساهمات الدولة في الحملات الانتخابية، ويتعلق الأمر بالتجمع الوطني للأحرار والحركة الديمقراطية الاجتماعية والحزب المغربي الليبرالي وحزب الاتحاد المغربي للديمقراطية.

وكانت تقارير جطو قد كشفت لأول مرة، عن حجم دعم الدولة للأحزاب، من خلال ما رصد لها برسم قانون المالية للعام 2016، والذي رصد مبلغ 80 مليون درهم لدعم 32 حزبا مغربيا، 28 منها قامت بإيداع حساباتها السنوية داخل الأجل القانوني، و4 أحزاب لم تحترم الأجل المحدد، ليخلص نفس التقرير الموزع إلى أجزاء، أن خمسة أحزاب حصلت على ما يناهز 86 في المائة من الدعم العمومي، منها العدالة والتنمية بـ 33.6 في المائة، والتجمع الوطني للأحرار بـ 17.65 في المائة، وحزب الأصالة والمعاصرة بـ 16.52 في المائة، والاتحاد الاشتراكي بـ 11.76 في المائة، وحزب الاستقلال بـ 6.53 في المائة.

وتبقى أكبر مفاجآت تقرير المجلس الأعلى للحسابات، هي أن ستة أحزاب، لم تقم بإرجاع مبالغ الدعم إلى الخزينة العامة للمملكة، ويتعلق الأمر بحزب العدالة والتنمية، الذي لم يقم بإعادة مبلغ مليون و905 آلاف و398 درهما، وحزب الأصالة والمعاصرة، مبلغ 923 ألفا و505 دراهم، هي حاصل الفرق بين مبلغ مساهمة الدولة في تمويل الحملة الانتخابية للحزب في 2011 ومبلغ النفقات المصرح به.

نفس المصدر أكد على توجيه ملاحظات لكل حزب بعينه فيما يتعلق بنتائج الافتحاص الخاصة بكل حزب سياسي، فبالنسبة لحزب العدالة والتنمية، ففيما يتعلق بأداء أجور المستخدمين واقتطاعات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والضريبة على الدخل برسم شهور غشت وشتنبر وأكتوبر 2015، إذ احتسب الحزب هذه النفقات ضمن مصاريف الحملة الانتخابية رغم أنها لا تندرج ضمن قائمة المصاريف المحددة بمقتضى المادة الأولى من المرسوم المتعلق بشكليات استعمال وسائل الدولة في تمويل الحملات الانتخابية.

أما فيما يتعلق بحزب الاستقلال، فقد سجل قضاة المجلس الأعلى للحسابات، أن بعض نفقات التسيير، وخاصة الصغرى منها، لم يتم إرفاقها بوثائق إثبات، حيث أن بعض الفواتير غير مطابقة من حيث الشكل لما هو منصوص عليه في مدونة التجارة، كما أن الحزب لم يقم بأي تنزيل لمخصصات مواجهة المداخيل الضريبية، ونفس التقرير يضيف: “يتوفر الحزب (حزب الاستقلال) على مجموعة من الأراضي والمباني التي يستغلها دون أن تكون مسجلة قانونا في ملكيته، وبالرجوع إلى المحافظة العقارية، يتبين أن هذه الأصول، هي في اسم أمناء عامين سابقين وأطر تربوية بالحزب..”.

وبخصوص التجمع الوطني للأحرار، كشف المجلس الأعلى للحسابات، على سبيل المثال، أن الحزب قام بأداء فواتير الماء والكهرباء بمبلغ إجمالي قدره 50.319.77 درهما، ولتبرير صرف هذه النفقات، تم تقديم فواتير في غير اسم الحزب، وبالتالي، لا يمكن تنزيل هذه النفقات ضمن تكاليفه.

ومن المفاجآت الكبرى لتقرير جطو، هي أن حزب الأصالة والمعاصرة، في تقرير المحاسب، لا يشير إلى “القوائم التركيبية التي من شأنها أن تكون صورة أمينة لفائض الحزب وخصائصه” خلافا للقانون، كما أن الحزب، قام بتنزيل شهري لحساباته في الدار البيضاء لعملياته البنكية خلافا للقانون الذي يفرض تنزيل المعاملات يوما بيوم.

من جهته، لم يقدم حزب الاتحاد الاشتراكي تبريرات كافية بخصوص ملاحظات حول مسك المحاسبة، بالإضافة إلى ملاحظات من نفس القبيل شملت باقي الأحزاب.

وكان جطو قد أصدر نهاية الأسبوع، ثلاثة تقارير حول مالية الأحزاب المغربية وطرق تدبير أنشطتها خلال السنة المالية 2016، أولها يتمحور حول تدقيق حسابات الأحزاب السياسية وفحص صحة نفقاتها برسم الدعم الممنوح لها للمساهمة في تدبير أنشطتها خلال السنة المالية 2016، وثانيها، يتعلق بفحص مستندات الإثبات المتعلقة بصرف المبالغ التي تسلمتها الأحزاب السياسية بخصوص مساهمة الدولة في تمويل حملاتها الانتخابية بمناسبة الانتخابات الجماعية والجهوية يوم 4 شتنبر 2015، بينما ثالثها، يروم افتحاص مصاريف المترشحين الخاصة بحملاتهم الانتخابية المتعلقة بنفس الانتخابات الجماعية والمحلية.

وكانت إحدى أبرز ملاحظات قضاة جطو في تقاريرهم، هي أن 8 أحزاب، لم تقدم ما يثبت إرجاعها، إلى الخزينة العامة، المبالغ غير المستحقة برسم مساهمة الدولة في تمويل حملاتها برسم اقتراع 04 شتنبر 2015 بمبلغ إجمالي قدره 4.475.973.74 درهما، ويتعلق الأمر بحزب التجديد والإنصاف: 555.955.78 درهما، وحزب اليسار الأخضر المغربي: 679.480.326 درهما، وحزب الوحدة والديمقراطية: 694.264.03 درهما، وحزب العمل: 676.222.77 درهما، وحزب الوسط الاجتماعي: 620.935.34 درهما، وحزب الإصلاح والتنمية: 298.616.36 درهما،  الحزب الديمقراطي الوطني: 651.991.70 درهما، وحزب النهضة والفضيلة: 298.507.50 درهما، وهمت ملاحظات تقرير المجلس الأعلى للحسابات، ما يتعلق بمسك المحاسبة، حيث تم تسجيل مسك حساب أربعة أحزاب تم وفق الدليل العام للمعايير المحاسباتية دون مراعاة الملاءمات المنصوص عليها في المخطط المحاسبي الموحد للأحزاب السياسية موضوع القرار المشترك السالف ذكره، مقابل تسعة أحزاب سنة 2014، وعشرة أحزاب سنة 2013، ويتعلق الأمر بحزب العهد الديمقراطي وحزب اليسار الأخضر المغربي والحزب الديمقراطي الوطني وحزب النهضة.

وفي تعليقه على التقارير الصادرة عن المجلس الأعلى للحسابات، كشف مصدر حزبي جد مطلع، عمليات تبرير مصاريف الحملات الانتخابية، خاصة الانتخابات الجماعية التي جرت سنة 2015، بأن عدم تبرير بعض المرشحين لمصاريف حملاتهم الانتخابية، راجع لصعوبة ذلك على المستوى الواقعي، وأضاف بأن تهديد إدريس جطو، بتوجيه إنذار لـ 414 مرشحا منتخبا قصد الإدلاء بوثائق إثبات مصاريف حملتهم الانتخابية داخل 90 يوما القادمة ابتداء من تاريخ التبليغ وإلا ستتم متابعتهم، هم ثلاثة أصناف، الصنف الأول، لم يقدم جردا بمصاريف الحملة نهائيا، والصنف الثاني، لم يظهر مصدر تمويل حملته الانتخابية، فيما الصنف الثالث، لم يقدم جردا أو تبريرات لبعض المصاريف.

وقال المصدر بأن الفئتين الأولى والثانية، لا تطرح إشكالا بالمرة، على اعتبار إمكانية الجواب بخصوص الفئة الأولى، وتقديم جرد بمصاريف تلك الحملة، وحتى الفئة الثانية من خلال الجواب برسالة، تبين أن مصدر التمويل، هو شخصي أو من الحزب، بينما الفئة الثالثة، هي التي تواجه مشكلا حقيقيا في تبرير بعض المصاريف، وهي المهددة بالطرد من الجماعات والجهات.

وأوضح ذات المصدر، أن هذه الفئة الثالثة، سبق وتوصلت بمراسلات من مصالح المجلس الأعلى للحسابات، تطالبها بتبرير بعض المصاريف، وعجزت عن الجواب عنها، لاستحالة تبريرها، وخاصة، في ما يتعلق بالمبالغ المصرح بها من طرف المنتخبين على أنها أجور لأزيد من 300 أو 400 مراقب في مكتب التصويت خلال يوم الاقتراع، حيث تم التصريح، لكن بدون وجود دليل، بأن ممثل المكتب بالفعل، قد توصل بأجرته من المرشح.

وقال ذات المصدر المكلف بمالية إحدى الأحزاب: “إن هناك صعوبة على هذا المستوى، إذ كيف لمرشح صرح بأنه أدى أجور 300 شخص عن يوم عمل بمكاتب التصويت، أن يثبت ذلك؟ هل ينادي على المعنيين بالأمر واحدا واحدا لأخذ تصديق بالإمضاء على توصلهم بأجرهم منه، أم كان عليه أن يبرم عقد شغل مع كل واحد يضم يوم عمل واحد بأجرة لا تتعدى 100 درهم؟”.. هذه هي الأمور التي لا تزال عالقة بين أحزابنا وبين مصالح إدريس جطو، فكيف سيحل هذا الإشكال؟ يؤكد المصدر.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!