في الأكشاك هذا الأسبوع

“الفيتو” الأمريكي.. دكتاتورية دولة ضد بقية العالم

– عبد الله النملي

    استخدمت الولايات المتحدة الأمريكية، يوم الإثنين 18 دجنبر 2017، حق النقض “الفيتو” رقم 43 لصالح إسرائيل، بعد تصويتها، منفردة، ضد مشروع قرار مصري يرفض إعلان ترامب، القدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأمريكية إليها من تل أبيب، حيث صوتت 14 دولة، من أصل 15 عضوا في مجلس الأمن الدولي، خلال جلسة خاصة للمجلس، بناء على طلب من مصر. وبذلك، تظل واشنطن أوثق حليف لإسرائيل منذ عام 1948، حين جعل الرئيس الأمريكي الأسبق، هاري ترومان الولايات المتحدة، أول دولة تعترف بها.

ومن المفارقات التي تلفت الأنظار، أن الحديث الذي كان يتردد عن إسراف الاتحاد السوفياتي في استخدام حق “الفيتو” إبان السنوات الأولى من إنشاء المنظمة الأممية، أصبح يصدق على الولايات المتحدة، إذ أنه منذ تأسيس الأمم المتحدة عام 1945، استخدمت الولايات المتحدة “الفيتو” 82 مرة، منها 43 مرة لحماية إسرائيل، ولو لمجرد توجيه اللوم فقط على أفعال وانتهاكات بحق العرب الفلسطينيين، فتاريخ واشنطن، حافل باستخدام “الفيتو” ضد القضية الفلسطينية، ولطالما رفضت مشاريع قرارات تدين إسرائيل بشأن الجرائم التي ترتكبها ضد الشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة، لكن الجديد في “الفيتو” الأخير، أنه جاء في خضم رفض دولي وعربي شامل لقرار ترامب وعدم اعتراف به وبأثاره، في حين أظهرت مواقف الدول الأعضاء في مجلس الأمن والجمعية العامة، رغم التهديد بوقف المساعدات، حجم العزلة التي تواجهها واشنطن بسبب موقفها من قضية القدس.

ورغم أن مصير مشروع القرار الذي تقدمت به مصر لمجلس الأمن الدولي بشأن القدس المحتلة، كان معروفا، كما أن “الفيتو” الأمريكي لإجهاضه كان متوقعا، إلا أن هذا التحرك الدبلوماسي المصري والمدعوم من الغالبية العظمى من الدول الأعضاء في مجلس الأمن والجمعية العامة، كشف إلى أي حد، تبدو الولايات المتحدة، في ظل إدارة ترامب، معزولة دوليا في موقفها من القدس، حتى من قبل أقرب حلفائها، وقد أثارت هذه الخطوة الأمريكية موجة من الغضب العربي والإسلامي، وسط قلق وتحذيرات دولية من تداعيات قرار الرئيس الأمريكي، ووصفت الرئاسة الفلسطينية، استخدام الولايات المتحدة “الفيتو”، بأنه “استهتار بالمجتمع الدولي”، وقد سبق أن دعت منظمة العفو الدولية، الدول الخمس، دائمة العضوية بمجلس الأمن الدولي، إلى التخلي عن استخدام حق النقض في الحالات المتعلقة بارتكاب فظائع جماعية بأنحاء متفرقة في العالم، مشيرة في الوقت ذاته، إلى فشل مجلس الأمن في مواجهة الأزمات التي تشهدها العديد من الدول مثل سوريا والعراق وفلسطين.

لقد استخدمت الولايات المتحدة الأمريكية حق النقض داخل مجلس الأمن لمصلحة إسرائيل، وضد أي قرار يتعلق بالعرب منذ نشوء الأمم المتحدة، لتحبط أي محاولة لمحاسبة الصهاينة على جرائمهم الكثيرة التي لا تعد ولا تحصى بحق الفلسطينيين، أو لحرمان العرب والفلسطينيين من نيل بعض حقوقهم المسلوبة. وأدى الإسراف في استخدام “الفيتو” من قبل بعض الأعضاء الدائمين، وخاصة أمريكا، إلى إصابة منظمة الأمم المتحدة بالشلل، وتغييبها عن الوجود في قضايا جوهوية مثل فلسطين والأراضي العربية المحتلة، كما أن العالم لا يستطيع أن يتحمل الإسراف في استخدام حق النقض عندما يكون الأمر متعلقا بقضايا حيوية لشعب من الشعوب كالشعب الفلسطيني.

لقد وجد أساتذة القانون، أن في منح عدد من الدول امتياز استعمال “الفيتو”، هو تناقض مع أهم مبادئ وأهداف الأمم المتحدة، وهو مبدأ تحقيق المساواة بين الشعوب، مما أدى إلى فشل الأمم المتحدة وإضعاف قدرتها على تحقيق مهامها وفق ميثاقها في إيجاد تسوية عادلة وشاملة للقضية الفلسطينية، فالدول الخمس الكبرى، تتمتع بحقي العضوية الدائمة ونقض القرارات الصادرة في مجلس الأمن (الفيتو)، ولا تسمح لدول أخرى أن تشاركها في هذين الحقين، لأن كل دولة من الدول الدائمة العضوية، تسعى لأن تكون وحدها المتمتعة بحق العضوية الدائمة والنقض، فالدولة التي تملك امتيازا دوليا في النواحي العسكرية والسياسية والاقتصادية، يمكنها أن تحكم سيطرتها على توجيه وإدارة السياسة الدولية بحسب مصالحها، كما تستطيع فرض المعاهدات والقيود وفق ما تراه مناسبا لمصالحها وداعما لأهدافها.

وقد أثار التوجه غير الديمقراطي لمجلس الأمن، انتقادات كثيرة من قبل شعوب العالم التي أعربت عن رغبتها في إعادة تشكيل هذا المجلس ليضم في عضويته بلدانا غير غربية، وهذا منطقي جدا في ظل ما يشهده العالم من تغيرات جعلته متعدد المراكز، فمن المفترض أن يكون الاتحاد الأوروبي ممثلا بأحد أعضائه فقط، وتمثل أمريكا الشمالية بعضو واحد، وأمريكا الجنوبية بطريقة دورية، وإفريقيا بعضو دوري أيضا، والحال ذاته مع آسيا ومنطقة الباسفيك، مع زيادة عدد الأعضاء بحيث تتحقق المساواة في الحقوق، مع إلغاء حق “الفيتو” واتخاذ القرارات بأغلبية الثلثين، لأن الإجماع لا يخلو من مخاطر الإعاقة التي تجعل المجلس غير قادر على ممارسة مهامه، غير أن مسألة إصلاح الأمم المتحدة، تخضع لمشكلة قانونية معقدة، تكمن في أن تعديل ميثاق الأمم المتحدة، يتطلب موافقة الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!