في الأكشاك هذا الأسبوع
العثماني

الحـقـيقة الضـائعة | سليل العثماني.. الصدر الأعظم الحاج محمد المقري

 

بقلم. مصطفى العلوي

 

 

    امتاز العهد الانتقالي للدكتور سعد الدين العثماني، رئيس الحكومة الحالي، بأنه هو العهد الذي سجل فيه البرلمان المغربي أول انتصار على الزمن، في سياق فريد مع الأحداث، حينما عنونت الصحف كلها أن ((ميزانية البلاط الملكي تم التصويت عليها بالبرلمان في ثلاث دقائق فقط))، كما أكدت تلك الصحف وهي تنقل هذا الحدث النموذجي الذي جاء أسابيع قليلة بعد تعيين العثماني بدل بن كيران.. بن كيران الذي لم تكن ثلاث دقائق تكفيه حتى لاستنشاق أنفاسه قبل معاودة الكلام.

والحقيقة أن المتتبع للأحداث يرتاح لسماع اسم العثماني بدل اسم بن كيران، مثلما الزمن المخزني سبق أن ارتبط بظاهرة الاستمرار الأزلي، دون أي ارتباط بالأسباب ولا المسببات(…) واسألوا المجربين، فإن ظاهرة رئيس الحكومة العثماني متأصلة تأصل أولاد العائلات النبيلة، أبا عن جد، مكرسة لأجيال الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه(…)، ليكونوا أوصياء على تقاليد المخزن النبيل، حيث التقديس الأزلي المرتبط بكل التعابير يحتم التذكير برئيس الحكومة النموذجي في تاريخ المخزن، والذي كان يسمى الصدر الأعظم، الحاج محمد المقري، الذي عينه المارشال ليوطي في 31 أكتوبر 1912، رئيسا لحكومة برتبة صدر أعظم، لا يزحزحه منها زفزافي ولا زكروم. فبقي الصدر الأعظم معززا مكرما متحكما متحديا لكل أحداث الزمن، مهما تضخمت، لدرجة أن الزمن يتحرك بينما الصدر الأعظم لا يتحرك ولا يتزلزل.

فبعد الإطاحة بالسلطان مولاي عبد الحفيظ، بقي رئيس الحكومة هو الصدر الأعظم محمد المقري، ومع السلطان الجديد مولاي يوسف كان الصدر الأعظم محمد المقري هو كل شيء، وبعد تغيير مولاي يوسف لم يتغير الصدر الأعظم المقري، وبعد نفي محمد الخامس، بقي الصدر الأعظم، بعد أن وجد كبار الحكام أيام الحماية وحتى بعد الاستقلال، أن الصدر الأعظم، رئيس الحكومة، يجب أن يكون هو كل شيء في الدولة(…).

لقد استطاع أقطاب الحركة الوطنية، وعلى رأسهم الزعيم علال الفاسي أن يغيروا مسار الواقع المصيري للمغرب بالجهاد والكفاح والنضال من أجل الاستقلال، ولكنهم لم يستطيعوا تغيير الصدر الأعظم، قطب المخزن، مثلما أن الملك محمد الخامس، وقد اتخذ موقفه المعادي للاستعمار وتحمل المنفى والاعتقال، لكنه وهو يغادر المغرب في طريق المعتقل، ترك مخازنية القصر الملكي يبايعون الصدر الأعظم، وعندما عاد محمد الخامس من منفاه وجد الصدر الأعظم صدرا أعظم في محله لا يتزحزح، لدرجة أن الأسطورة تحكي أن الملك محمد الخامس، بعد إعلان استقلال المغرب في 1956، كان يجد الصدر الأعظم جالسا في مكتبه برئاسة الحكومة، كما كان منذ تنصيبه سنة 1912. وأحرج محمد الخامس من شيخوخة الصدر الأعظم وتفادى طرده، وأقنعوه أن مهمته انتهت، وأن المارشال ليوطي الذي نصبه قد مات، ولكن الصدر الأعظم عند كلمته لا يتزحزح، إلى أن اضطر محمد الخامس مرة إلى أن ينصح حاجبه بنيعيش بتغيير قفل باب مكتب الصدر الأعظم الذي جاء ذات صباح وأدار المفتاح ثم أداره، ليتساءل عماذا جرى.. فعاد أدراجه وعاد إلى بيته، حيث أسلم روحه إلى باريها في نفس اليوم.

فالمعروف عن تاريخ الصدر الأعظم المقري، أنه صدر بلاغ عن خبر وفاته عند رجوعه من مكتبه.

فلماذا تتهافت بعض الصحف على التساؤل عن أسرار فشل الصدر الأعظم الجديد، الدكتور العثماني في ترقيع الحكومة التي تلاشت أطرافها بعد سقوط قطبها عبد الإله بن كيران، حكومة بن كيران التي سقطت لأنه عجز عن ترقيعها، ولن تسقط حكومة الصدر الأعظم العثماني، الذي عبر بعظمة لسانه ((أن ضعف البدلاء المقترحين من طرف الحركة الشعبية، والتقدم والاشتراكية، ينذر بسقوط خيار التغيير)).

منطق جديد في أسلوب التغيير الحكومي الذي لا يجعل من حتميته تغيير الصدر الأعظم، رئيس الحكومة، أساسا للتعامل، لأنه يمكن لكل شيء أن يتغير باستثناء الصدر الأعظم، فإنه لا يتغير، عملا بالمقولة المغربية التقليدية “ومن بدل أو غير فالله حسيبه”.

“ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل”، الوزير القوي حصاد الذي أصبحت الصحف تكتب عنه أنه ((جاء وقت تعرية فضائح حصاد الذي عصفت به الغضبة الملكية، فاكتشفوا أن قياده وباشواته لهم عدة فضائح)).

ولماذا لا.. ونحن في زمن نزل فيه متظاهرون في شوارع الحسيمة يقولون: ((لا إله إلا الله الزفزافي رسول الله)) (الأحداث. 12/7/2017).

زمن وقفت فيه كاتبة للدولة أمام مؤتمر حزبها، حزب الأحرار ((لتعتذر عن تلعثم الوزيرة أثناء كلامها أمام البرلمان، لأن الكلام انحبس في حنجرتها ولأنها حديثة العهد بالسياسة، وأنها حتما بعد أربع سنوات(…) من الآن سوف تفاجئ الكثيرين بإتقانها للخطاب السياسي بالعربية)) (الصباح. 18/12/2017).

ألم تعلن وزارة الداخلية رسميا ((أنها اضطرت لعزل مائة من رجال السلطة، شيوخ وقياد، لأنهم نزلوا في مظاهرة احتجاجية واعتصام بسوق السبت)).

كل شيء يمكن تصوره، إلا ما يتعلق بالصدر الأعظم، رئيس الحكومة الذي لا يتغير ولا يتبدل.

لقد انقلبت المقاييس، وتشقلبت المعايير وأصبح الواقع يحتم علينا الاعتراف، بأن الاستمرار هو أساس البقاء، وها هو المغرب وقد تعب من التعديلات الوزارية، ومن تقاليد الحسن الثاني الذي كان يفاجئ الوزراء في مجالسهم بأنهم أزيحوا عن مناصبهم، والذي هدد مرة بأن يعين سائقه الخاص وزيرا في الحكومة، فإلى متى سيعاني رئيس الحكومة، من فراغ المناصب الوزارية نتيجة الزلازل الجطوية(…) وها هو التاريخ يعطينا نموذج الوزير المقري الصدر الأعظم الذي بقي في مقعده قرابة مائة عام، وهو صدر أعظم رئيس لحكومة الاستقرار والاستمرار، وسترون أن الدكتور العثماني إذا ما أصبح وأمسى وأصبح صدرا أعظم، فإن مشاكل المغرب كلها ستعرف حلها، انطلاقا من القاعدة المخزنية التقليدية: “كم حاجة قضيناها بتركها”.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!