في الأكشاك هذا الأسبوع
الملك الحسن الثاني يسوق سيارته برئيس حرسه الخاص، الفرنسي "ساسيا"، الذي كانت له اليد المطلقة في تسيير شؤون الأمن الملكي‎.

الحقيقة الضائعة|| الأمريكيون والفرنسيون هم الذين يقلبون الأنظمة

 الحسن الثاني اكتشف أن المذبوح وأوفقير لم يخططا لانقلاب الصخيرات والطائرة

بقلم: مصطفى العلوي

يتضمن الكتاب الجديد “الصخيرات، المجزرة السياسية”، التلميحات الجلية لتقاسم مسؤوليات هذه الملحمة الدموية، وعدم تحميلها على منفذي الهجوم، من طرف تلامذة المدرسة العسكرية في أهرمومو، إضافة إلى ميزة انتظار أكثر من أربعين سنة بين هذه الأحداث، وبين الكشف عن خباياها، لأن الزمن وحده هو الذي يكشف المستور، مثلما تتولى الأيام وحدها تفسير ما يجري ويدور.

فهذا الكتاب في فصوله الأخيرة، يتضمن فصلا بعنوان: “الحسن الثاني يمنع الأخبار.. ويدفن الأسرار”، مستشهدا بنموذج واحد من أصدقاء الملك الفقيد، الكولونيل مصطفى لطفي الذي كان يحكي لمؤلف الكتاب، كيف أن الحسن الثاني اعتاد كلما تقابل مع مصطفى لطفي، يضع إبهامه والسبابة على الشفاه الملكية، مؤشرا على النصح بالصمت والسكوت، حيث يطلب الملك من صديقه العسكري عدم الكلام عن هذا الموضوع الذي عاشه مصطفى لطفي، ساعات مصيرية طوال ذلك اليوم الدموي، وفعلا لم يحك مصطفى لطفي كل شيء، لكنه لم يكن يريد أن يسبق الزمن، في الكشف عن خبايا وخلفيات مجزرة الصخيرات، في ذلك اليوم الرهيب من عاشر يوليوز 1971، لدرجة أن المستشار والصهر الملكي أحمد عصمان، عندما حاول هو أيضا الكشف عن تلك الخبايا في أول استجواب له مع جريدة “الصباح”، قال للصحيفة: إن الكولونيل مصطفى لطفي يعرف الكثير، وإن كانت الأيام التي أعقبت هذه الأحداث، أرغمت الحسن الثاني نفسه على خرق نصائحه بالصمت والسكوت، واضطرته ظروفه المهنية إلى الكشف عن أطراف من الحقيقة، بعد أن نشرت الخارجية الأمريكية تقريرا صادرا عن مؤسسة: (NSSM NATIONAL SECURITY STUDY MEMORANDUM بتاريخ 28 نونبر 1972)، يكشف أن ((الملك الحسن الثاني أبلغ السلطات الأمريكية، بأنه غير مستعد لتغيير سياسته وطريقته في تسيير شؤون وطنه، ولا هناك ضرورة لتغيير أساليبه لإصلاح شؤون مملكته)).

وقبل أن تنشر المؤسسة الأمريكية هذا القرار الرافض من طرف الحسن الثاني، كان الملك المغربي في يوم 8 شتنبر، ثلاثة أشهر قبل المذكرة الأمريكية، قد استقبل السفير الأمريكي “روكويل” في القصر الملكي بالصخيرات، ليقول له: ((إن الجنرالين المذبوح وأوفقير، في محاولتيهما الانقلابيتين، كانا مجرد مسخرين)).

نفس السفير الأمريكي “روكويل”، صرح للصحفي الإيراني عباس ميلاني، ما نشره في كتابه عن المسؤول الإيراني عباس هويدا، الذي نشر على هامش الثورة الإيرانية والدور الأمريكي في تنظيم الثورة ضد شاه إيران(…) حيث كشف مدير تشريفات شاه إيران، هويدا، ((بأن هذا السفير “روكويل” ووصفه بولد الكلبة(…) هو الذي كان في الرباط سفيرا للولايات المتحدة، وأن الحسن الثاني اتهم علنا الولايات المتحدة بأنها وراء تدبير المحاولتين الانقلابيتين، وأن الحسن الثاني قال بأن طائرة البوينغ التي كان يركبها هي طائرة أمريكية، وأن الربابنة كانوا يتكلمون باللغة الإنجليزية مع الطائرات المهاجمة المنطلقة من القاعدة العسكرية الأمريكية في مدينة القنيطرة)).

وهو الواقع الذي تؤكده المهمة التي كلف بها الملك وزير الخارجية المغربي الطيب بنهيمة، الذي استقبل في واشنطن يوم 11 أكتوبر 1972 من طرف وزير الخارجية الأمريكي “وليام روجرز” الذي تقبل من الوزير المغربي مذكرة رسمية تكشف الرغبة الملكية المؤكدة في إجلاء كل القواعد العسكرية الأمريكية من المغرب.

وإذا كان مسار هذه الجزئيات على السكة الأمريكية، يعني تورط الأمريكيين في ضرب الطائرة الملكية، وليس يعني تورط الأمريكيين في الضربة الأولى بالصخيرات، فإن التعمق في الجزئيات المحضرة لانقلاب الصخيرات، يكشف هو أيضا عن توغل الأيدي الفرنسية في التمهيد لهذا الانقلاب.

فالذين عاشروا أيام الجنرالين أوفقير والدليمي، كانوا يعرفون أن الارتباطات الأمريكية مع الجنرال الدليمي عبر قطب المخابرات الأمريكية، “كوغان” الذي كان يقطن في بيت الجنرال الدليمي عندما يكون في مهمة بالرباط، وغالبا مع السفير السعودي في واشنطن الأمير بندر، وطبعا كل هذا تحت أنظار القطب الأمني الفرنسي “ساسيا”، الذي سبق للملك الحسن الثاني أن عينه مكلفا بأمنه الخاص داخل القصر الملكي، “ساسيا” هذا الذي كتب في مذكراته المطبوعة أنه عندما كانوا يستعدون لركوب الطائرة التي ستقل الحسن الثاني يوم 11 غشت 1972 من باريس إلى الرباط، وهي الطائرة التي كان مقررا قصفها في ذلك اليوم، كتب “ساسيا” الذي كان حاضرا: إن الجنرال الدليمي كان واقفا مع الكولونيل سكيرج بجانب الأمير مولاي عبد الله والكاتب الملكي الخاص عبد الفتاح فرج، الذين فوجئوا قبل الصعود للطائرة، أن الجنرال الدليمي اعتذر للملك الحسن بأن له مهمة عاجلة في باريس وأنه لن يركب معهم، فأجابه الحسن الثاني بالرفض وقال له: لا، لابد أن تركب معنا، هو مؤشر ربما على أن الأمريكيين أخبروا الجنرال الدليمي بمخطط ضرب الطائرة الملكية.

أما الدور الفرنسي في انقلاب الصخيرات، فقد أكده واحد من المقربين للحسن الثاني، علي بوريكات، الذي اعتقله الحسن الثاني عقابا له على مشاركته واطلاعه على أسرار هذا الانقلاب، والذي كتب في مذكراته: أولا ((أن الملك الحسن عرف أن الفرنسيين كانوا وراء انقلاب الصخيرات))، وثانيا: ((إن كل التفاصيل الاستخباراتية في المغرب، كانت بأيدي الكولونيل الفرنسي “لو نوطر” الذي سبق له أن كان مديرا للمخابرات الفرنسية في الجزائر، وسلمه الحسن الثاني مهام تنظيم جهاز المخابرات المغربية الكاب 1))، ثالثا: ((أنه بعد انقلاب الصخيرات، أمر الملك الحسن الثاني بتجريد كل الفرنسيين المتواجدين في المغرب، من الضيعات الفلاحية التي كانوا يتصرفون فيها)) (المصادر. كتاب 18 سنة علي بوريكات).

كتاب آخر، مذكرات زوجة أوفقير فاطمة، التي كشفت ما يؤكد شكوك الحسن الثاني في الفرنسيين والأمريكان، لتكتب بصيغة المرأة عن زوجها: ((أعرف زوجي، إنه لم يكن يريد الاستيلاء على الحكم، فقد كان هو الذي يحكم المغرب حتى البوليس والجيش، فماذا يريد أن يحكم أكثر. إن الذين دفعوه هم الذين كانوا يخططون للاستيلاء على الحكم)) (كتاب حدائق الملك. فاطمة أوفقير).

جزئية تبدو أهميتها لما حصل بعد انقلاب الصخيرات مباشرة حينما اكتشفت الأجهزة الفرنسية أن انقلاب الصخيرات لم يؤد مهمته(…) وربما اعتبروها فشلا لمخططهم الأول(…) فتحركوا سياسيا لتدارك الموقف، لكن هذه المرة بصفة علنية.

ولنتعمق في خطورة الجزئيات التالية:

فبينما كشف السفير الأمريكي “روكويل” ((أنه اجتمع بالملك الحسن الثاني يوم 8 شتنبر 1972 في قصر الصخيرات ليقول له أن الجنرال المذبوح والجنرال أوفقير إنما تم استعمالهم، وأنا لم أتوصل بعد بما يكفي من الحجج عن مستعمليهم، إلا أني أعرف أنهما عاجزان عن حكم المغرب، ولا شعبية لهما، وربما كان بإمكان مستعمليهما اختيار بعض أفراد العائلة المالكة وهم أيضا عاجزون.

فأجابه السفير:

لكن بعض العسكريين المغاربة متضررون من تصرفاتكم وتصريحاتكم ضدهم، وأيضا من تجريدكم للعساكر من السلاح، مضيفا: إن الملك الحسن الثاني كلف رئيس حكومته الجديد، عصمان، الذي خلف كريم العمراني في رئاسة الحكومة، والذي قال للسفير “روكويل”: إن الملك لا يطمح أكثر من أن يكون ملكا ديمقراطيا، مثل الملكة إليزابيث، إنه لو أحس بوجود هياكل سياسية مقتدرة لأعطاها الحكم)) (كتاب الحسن الثاني. إنياس دال).

كل جزئية فيما جرى بعد المحاولتين، تجرد الجنرالات المغاربة، من المسؤولية الكبرى في تحضير الانقلابات، ولكنها تكشف نقطة ضعف النظام فيما يتوق إليه الأمريكيون والفرنسيون معا، من إقامة نظام يملك فيه الملك ولا يحكم، فعلى الجانب الفرنسي كان نفس الإرهاص الذي كان يشغل قبل، السفير الأمريكي “روكويل”، السفير الفرنسي في الرباط “كلود لوبيل”، الذي كان بدوره، باسم الحكومة الفرنسية يبحث عن حل لنفس الإشكالية(…) وسبق له مباشرة بعد هجوم الصخيرات أن اجتمع بالزعيم الاشتراكي عبد الرحيم بوعبيد ((ليتذاكروا لمدة ساعتين(…) في موضوع ضعف النظام(…) وكان السفير الفرنسي يلمح إلى التعاون، وقتها مع الجنرال أوفقير رغم أن السفير لوبيل يعرف تورط هذا الجنرال في قضية المهدي بنبركة، ليحكي أن عبد الرحيم بوعبيد قال له: إن تعاطفي مع المهدي بنبركة لا يمكن أن يؤثر على أهمية القضية الوطنية، فأخبره السفير لوبيل بأن فرنسا تحبد بعد ظروف الانقلاب تأسيس مجلس للاهتمام بالأمن القومي تقترح تكوينه من الجنرال أوفقير والجنرال إدريس بن عمر، والسفير المغربي في باريس محمد الاغزاوي والجنرال إدريس بنعيسى مفتش الجيش، الذين ربما أظهروا تحمسهم لتأسيس مجلس أمني للوصاية)) (نفس المصدر).

ليكون الاستنتاج المنطقي لتلك المراحل المأساوية في تاريخ المغرب، هو أن المحاولتين الانقلابيتين الفاشلتين، وإن كانا درسين قاسيين للمغرب، ولتاريخ المغرب، ودرسا سيستفيد منه المهتمون بشؤون المغرب، فإن بوادر البراءة تؤشر إلى أن محركي هاتين المحاولتين لم يكونوا بالتأكيد مغاربة مائة في المائة.

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!