في الأكشاك هذا الأسبوع

رمزي صوفيا يكتب: أخبار وأسرار عاشتها الفنانة الراحلة شادية

بقلم: رمزي صوفيا 

اتصلت بي النجمة الكبيرة والصديقة التي هي بمثابة أخت لي، نادية لطفي، قبل وفاة النجمة الكبيرة شادية بيوم واحد، وكان صوتها يتحشرج من فرط الحزن المرفوق بالهلع وقالت لي: “رمزي، شادية قد تعيش أو لا تعيش.. إنها تحتضر وأنا الآن رايحة عليها”، ثم بكت عبر الهاتف بكاء مرا واستأنفت قائلة: “ربنا يساعد أختي وصديقة عمرنا كلنا، في هذه اللحظات وهي التي وهبت جزء كبيرا من حياتها لفعل الخير واعتزلت الشهرة لوجه الله.. ربنا معها”.. بهذه الكلمات المؤثرة كانت نادية لطفي تعلن لي عن احتمال رحيل شادية في تلك الليلة، فتحركت في قلبي شجون هائلة من فرط تقديري ومحبتي لصديقتي الفنانة شادية التي عرفتها ونحن في عز شبابنا وطالما عشت معها لحظات أفراحها وأحزانها، وفي اليوم الموالي، اتصلت بنادية لطفي، فلم تجبني عبر الهاتف، فشعرت بأن هناك أمرا ما قد حدث، وفعلا عاودت نادية الاتصال بي وهي تبكي وتقول لي: “رحلت شادية لجوار ربها. الله يرحمها ويبلغنا لمقامها وربنا راض عنا”، فتوقف الكلام في حلقي وتذكرت آخر مكالمة جرت بيني وبين الراحلة شادية، حيث كنت قد فوجئت بعد أيام قليلة على نشر أحدث مقالاتي عنها، تتصل بي عبر الهاتف من القاهرة، وكانت فرحتي عظيمة وأنا أسمع صوتها عبر الأثير، وكان أول سؤال مني لها عن أحوالها الصحية، فقالت لي بصوت متهدج تبدو عليه علامات التعب: “الحمد لله حمدا جزيلا، فأنا في صحة جيدة وقد أجريت مؤخرا كل الفحوصات الضرورية وأكد لي الأطباء بأنني بخير وعلى خير، ولكني لم أعد أستطيع القيام بكل ما أرغب في عمله لأن السن لها أحكام، وهذا شيء طبيعي ينتظر كل الناس، وقد نصحني الطبيب بالخروج يوميا في نزهات وسط الطبيعة، وهو ما سأفعله انطلاقا من هذا الأسبوع”، وسألتها: “سمعت أنك كنت مريضة، فهل هناك مخاوف على صحتك؟”، فقالت: “تعرضت منذ بضعة أسابيع لنزلة برد جعلتني أصاب بضيق في التنفس، حيث اضطررت لدخول المستشفى والمكوث فيه بضعة أيام لكنني غادرته بعد شفائي التام”، قلت لها: “أنت الفنانة الوحيدة التي لم تظهر منذ اعتزالها، وبعد مغادرتك للأستوديوهات، اختفيت عن الأنظار بشكل تام، فماذا تقولين عن هذا الموضوع؟”، أجابتني: “فعلا، أنا الفنانة الوحيدة التي تركت الساحة الفنية بشكل لا رجعة فيه، وذلك منذ اعتزالي وتحجبي سنة 1984، لأنني تحجبت عن اقتناع ولست مثل بعض الفنانات اللواتي خلعن حجابهن وعدن للتصابي وكأنهن مراهقات”، وسألتها: “هل هناك اليوم في الساحة الفنية أصوات تطربك؟”، قالت: “نعم. هناك فنانات يعشن ويغنين في القاهرة بأصوات جميلة جدا، وأرجوك لا تسألني عن الأسماء حتى لا أحرج مع أي واحدة منهن”، فسألتها: “أنت فنانة لك تاريخ مشرق في الغناء والتمثيل السينمائي، ألا تفكرين في كتابة مذكراتك؟”، قالت: “بلى، أتمنى كتابتها ما دمت حية أرزق، لأن هناك من يمكن أن يطمسوا عدة حقائق عن حياتي، لهذا أتمنى كتابتها بكل مصداقية”.. سكتت قليلا ثم استأنفت كلامها: “ولكن من هو القلم السيال الذي يمكن أن أثق فيه وأعتمد عليه في كتابتها”، قلت لها مازحا: “أنا”، فقالت بنبرة جدية: “يا ريت، فليس هناك أفضل منك لكتابة مذكراتي بحكم معرفتك التامة بأدق تفاصيل حياتي، ولكن بعد المسافة يجعل ذلك صعبا جدا”، فقلت لها: “مرحبا بك في للمغرب ومرحبا بنزولك ضيفة معززة مكرمة في بيتي”، فأجابتني: “يا ريت يا رمزي. لكني اليوم مرهقة ومتعبة جدا رغم خلو جسمي من الأمراض”، فسألتها: “هل هناك فنانات يداومن على زيارتك”: قالت لي: “نعم والحمد لله، فصديقتي وأختي الدائمة النجمة نادية لطفي تواظب على زيارتي وتجلس معي لساعات طويلة أشعر خلالها بأن الدنيا لا تزال بخير، وأن نعمة الصداقة لا تقدر بثمن، وتزورني أيضا النجمة العزيزة، شهيرة، التي ورغم مرض زوجها النجم محمود ياسين، فإنها تزورني باستمرار وتؤنس وحشتي، كما تزورني دائما صديقتي الفنانة يسرا وصديقتي الفنانة دلال عبد العزيز”، فقلت لها: “كنت قد سمعت بأنك عازمة على الاستقرار في المملكة العربية السعودية، فهل هذا صحيح؟”، فقالت لي: “نعم، كنت عازمة على ذلك، فبعد اعتزالي للفن، زرت الديار المقدسة وأديت فريضة الحج فعشقت نفسي تلك الديار وارتاح قلبي لرؤيتها وتنفس هوائها باستمرار، وعدت إلى هناك عدة مرات لقضاء العمرة وتكرار الحج، وذات مرة عندما كنت في رحلة سياحية مع أبناء شقيقاتي الذين أعتبرهم مثل أبنائي، رأيت في منامي وكأنني أدخل قصرا من المرمر الأبيض الفاقع وجدرانه من الذهب الخالص، ورأيت شخصا في ذلك الحلم يقول لي: هذا هو بيتك الدائم وهنا سيكون مقرك ومستقرك، فاستفقت من نومي عازمة على قضاء بقية حياتي في المملكة العربية السعودية، وفعلا اشتريت شقة صغيرة هناك، لكن حنيني لمصر التي قضيت فيها عمري بأكمله، جعلني أغير رأيي وأقرر العودة إلى بيتي في القاهرة”، وسألتها: “لقد كنت مطربة كبيرة ونجمة سينمائية سطعت في أفلام خالدة لن ينساها الجمهور العربي، وعلى مدى 36 سنة، عاش معك الجمهور أحلى لحظات الرومانسية الجميلة والدفء العاطفي من خلال أغانيك العاطفية وأفلامك الجميلة التي كنت تلعبين فيها دور الفتاة الدلوعة أو المرأة العاشقة، فهل نسيت كل ذلك بدليل أنك ومنذ سنة 1984، لم تظهري في أية مناسبة فنية أو حفل يقام في بيت فنانة أو فنان من زملائك القدامى؟”، فقالت لي بنبرة هادئة: “أبدا.. أبدا يا رمزي، أنا لم أنس صديقاتي القديمات وأصدقائي القدامى، والدليل هو اتصالي بك هاتفيا الآن، فأنا أتابع كتاباتك الصحفية باستمرار وأقرأ كل مواضيعك عبر الأنترنيت لأن القراءة هي أنيسي الأكبر منذ اعتزالي للفن، وهناك صديقات مقربات مني جدا لا يتوقفن عن زيارتي، كما أنني أقضي عدة ساعات في بيوتهن كلما سنحت لي ظروفي الصحية”، وسألتها: “وهل تحضرين الحفلات العائلية؟”، قالت لي بلهجة صارمة: “لا. لم أعد أحضر الحفلات والكل يعلم ذلك، وسأحكي لك قصة مثيرة حصلت معي مؤخرا، فقد تلقيت دعوة من أحد أغنى أغنياء الدول العربية، وهو مستثمر يمتلك قناة فضائية لحضور حفل زفاف ابنته الذي أقامه في نفس ليلة عيد ميلادي، وجاء بنفسه إلى بيتي ليدعوني لحضور الحفل الفخم الذي أقيم في قصره بالقاهرة والذي حضرته شخصيات سياسية كبيرة ورجال أعمال من كل الدول العربية، وقال لي بأنه كان ولا يزال، من أشد المعجبين بمسيرتي الفنية، وأنه يحتفظ بكل أفلامي ويسمع يوميا للأغاني التي غنيتها في تلك الأفلام أو في سهراتي السابقة، وطلب مني الحضور على أن يدفع لي مبلغ مليون جنيه كما وعدني بعدم تصويري بشكل قاطع وقال لي بأنه مستعد لإمضاء تعهد بألا يقترب مني أي مصور خلال الحفل، فرفضت المبلغ وقبلت دعوة الحضور لأنني لا أتقاضى عن حب الناس أي مبلغ، ولأن محبتهم لا تقدر بثمن، وقد صار يتردد علي كل يوم تقريبا رغم انشغالاته الهائلة ولا يتغيب عن بيتي إلا خلال رحلاته كرجل أعمال عالمي”، فسألتها: “ولماذا لم تحضري حفل زفاف ابنته؟”، فقالت لي: “كنت سأحضر الحفل لو لم يقترح مقايضة حضوري بمبلغ مليون دولار، فأنا لم أقبل هبة مالية ولا هدية من أي شخص منذ اعتزالي للفن، بل إنني والحمد لله مستورة وأواظب على زيارة الفقراء ومجالستهم ومساعدتهم بعيدا عن البهرجة والأضواء الزائلة، كما أن هناك مشاريع خيرية كثيرة أشرف عليها بنفسي أو أكلف بها مساعدتي التي أثق فيها وهي ابنة شقيقتي”، فسألتها: “وما هي قصة امتلاكك لنصف برج عبد الصمد القرشي في المملكة العربية السعودية؟”، ضحكت حتى كاد أن يغشى عليها ثم قالت لي: “أنا فعلا مستورة، ولدي ما أعيش به حتى يتوفاني الله، كما أنه لدي ما يكفي لمساعدة الفقراء والمحتاجين، ولكن ليس لدرجة امتلاك عقار من هذا النوع قد يتجاوز ثمنه ملايين الدولارات، فالشائعات كثيرة ولكني لا أرد عليها حتى لا أقع في فخ يجعلني أعود للأضواء التي هجرتها منذ أكثر من ثلاثة عقود”.

واغتنمت لحظات مكالمتنا الهاتفية فطرحت عليها السؤال الذي كان يراودني منذ مدة: “العزيزة شادية، لقد عشت حياة مليئة بالحب وبلحظات السعادة، ولكنها كانت مليئة بالدموع وكأنك كنت تمثلين فيلما عاطفيا طويلا كان ينتهي في كل قصة من قصص غرامك بالفراق والحسرات، فمن هو الرجل الذي أحببته من كل قلبك من بين الرجال الذي دخلوا حياتك؟”، سكتت طويلا وتنهدت تنهيدة حارة قبل أن تقول لي كلمة واحدة: “إنه فريد الأطرش، فقد كان فريد رحمه الله، الرجل الذي جعلني أعرف معنى العشق بجنون، حيث أحببته بكل جوارحي وأحبني أكثر من أي امرأة ممن عشقهن، ولكن الظروف النفسية التي كنت أجتازها في تلك المرحلة من حياتي، جعلتني أفقد الثقة في حبه وأنفصل عنه بدون تردد”، فسألتها: “كيف ذلك، احكي لي؟”.. قالت متأثرة: “يقول الكثيرون عني بأنني كنت أخون زوجي عماد حمدي مع فريد الأطرش، وهذا ظلم وافتراء علي وعلى سمعتي، فرغم فارق السن بيني وبينه، ورغم مشاكله المالية التي كان يتخبط فيها بسبب ضخامة مبلغ النفقة الذي كانت المحكمة قد حكمت به لصالح زوجته، فتحية الشريف، فقد كنت زوجة شريفة وطاهرة، بل كنت أساعده ماديا في مبلغ النفقة، وابنه نادر، كان مثل ابني حتى إني أصريت على أن يناديني بلقب ماما بعد وفاة والدته، وقد صرح نادر عماد حمدي في لقاء تليفزيوني مع برنامج ماسبيرو من تقديم سمير صبري، حيث قال: ماما شادية هي أمي الروحية، وأقرب إنسان لي في هذا الوجود، وتزوجت أبي في عام 1953، وكان عمري وقتها 4 أعوام، فالتقيتها في هذا العمر للمرة الأولى، لكنني لم أقترب منها كثيرا لحساسية العلاقة مع أمي، متابعا: شادية اتصلت بأمي واعتذرت لها عن زواجها من والدي، وتعجبت أمي من موقف شادية، وسامحتها وصارتا صديقتين منذ ذاك الوقت، وبعد وفاة والدتي، أصبحت شادية هي أمي، وأصرت على مناداتها بماما شادية. بهذا الكلام الواضح من ابني نادر الذي أعتبره أعز من نفسي، فإن كل المغالطات والشائعات ستنكشف، ولكني بعد طلاقي من عماد، أحببت فريد الأطرش حبا هائلا، وكنا على وشك الزواج واتفقنا على إجراء كل التحليلات الطبية للتأكد من قدرتنا على الإنجاب حتى ينجح زواجنا ولا يعكر صفو حياتنا أي شيء، فسافر فريد الأطرش إلى فرنسا وكان يتصل بي كل يوم، إلى حين جاءتني إحدى الفنانات وكانت عائدة لتوها من رحلة قضتها في فرنسا، وأكدت لي بأنها شاهدت فريد الأطرش مع الفنانة ناهد شريف التي كانت في بدايات مشوارها الفني، وأنها رأتهما يتبادلان القبلات في إحدى صالات الفندق الذي كانت تقيم فيه في مكان معزول عن الناس”، وقالت بنبرة حزينة: “اشتعلت نيران الغضب في قلبي وشعرت بأن فريد أهانني، خاصة وأنه رفض يومها رفضا قاطعا أن أسافر معه، فقطعت علاقتي به بدون تردد وتزوجت من شاب كنت بالكاد قد تعرفت عليه، وهو المهندس عزيز فتحي، إلا أن حب فريد الأطرش ظل في قلبي لحد اليوم، وعندما توفي رحمه الله سنة 1974، شعرت بمرارة فقدانه إلى الأبد”.

رحم الله نجمة الأمس شادية، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

error: Content is protected !!