في الأكشاك هذا الأسبوع
الصحفي رمزي صوفيا في لقاء مع الأستاذ محمد أبيض

محمد أبيض .. سياسي لكل العصور عشق سينما الأبيض والأسود

رمزي صوفيا       

     الأستاذ محمد أبيض هو من أعز أصدقائي، ومن الشخصيات السياسية النادرة. ولا يعرف همته في العمل السياسي وذكاءه في اتخاذ القرارات إلا الذين رافقوه عن كثب لأنه قليل الحديث عن نفسه ولا يبحث نهائيا عن البهرجة والدعاية والظهور الكثير. فالأستاذ محمد أبيض من الشخصيات المغربية القليلة التي عرفت شخصيا فيها حب العمل في صمت تام.

وجاء محمد أبيض إلى السياسة من العمل النقابي، فقد كان أحد العناصر القيادية في «الاتحاد المغربي للشغل»، (اتحاد عمالي) الذي أسسه وقاده السياسي الراحل المحجوب بن صديق. وكان محمد أبيض هو العضو الدائم عندما يتعلق الأمر بالتفاوض بين «الاتحاد المغربي للشغل» والآخرين. وفي سنة 1976 أصبح نائبا لرئيس بلدية «مرس السلطان»، وفي عام 1983 أصبح رئيسا لبلدية «آنفا»، ثم بعد ذلك رئيسا لبلدية الدار البيضاء الكبرى. وهو موقع مهد له الطريق إضافة إلى علاقته الشخصية مع المعطي بوعبيد ليتقلد في عام 1985، منصب وزيرٍ للصناعة التقليدية والشؤون الاجتماعية، وشغل ذلك المنصب حتى عام 1992.

وقد عمل محمد أبيض بعد توليه قيادة الاتحاد الدستوري في اتجاهين، الأول أن ينقل الحزب فعلا إلى خانة الحزب «الليبرالي»، ذلك أن «الاتحاد الدستوري» اعتمد فلسفة تقول «تثبيت مجموعة من المفاهيم التي أصبحت متداولة على نطاق واسع من قبيل الديمقراطية الفعلية والشفافية التامة والمنافسة الحرة والنزيهة، والحرية المسؤولة والجهوية المتوازنة، وكل ذلك في إطار ليبرالية اجتماعية واقتصاد حر وتكافل اجتماعي متجذر». أما الاتجاه الثاني الذي عمل عليه محمد أبيض فهو أن تكون للحزب علاقات خارجية متينة مع دوائر ذات وزن دولي، وينعكس ذلك على سمعة الحزب داخليا، وفي هذا الإطار أصبح «الاتحاد الدستوري» عضوا نشيطا في «الليبرالية الأممية» وكذلك في شبكة «الليبراليين العرب» و«الشبكة الليبرالية الإفريقية”.

 وكان من أنشط أعضاء الحزب على الدوام، وفي سنة 1989، سافرت معه في نفس الطائرة صحفية كانت تعمل معنا في جريدة السياسة الكويتية وكانت الرحلة ليوم واحد إلى مدينة العيون بدعوة من المجلس الاستشاري الملكي لشؤون الصحراء. وعادت لتحكي لي كيف استقبل جمهور غفير من أبناء الصحراء المغربي خطاب محمد أبيض الذي ألقاه، حيث اهتزت القاعة بالتصفيقات وبالهتاف بحياة الملك الراحل الحسن الثاني وبالوحدة الوطنية بين الصحراء وباقي جهات المملكة.

وكثيرا ما كنت أزوره في بيته بالدار البيضاء الذي يطل على البحر مباشرة فأجالسه في شرفة البيت متناولا معه عدة مواضيع. فيذهلني عندما أجده ينتقل من موضوع علمي إلى موضوع سياسي ومن حديث فني إلى كلام عن التاريخ أو الجيولوجيا. لقد عرفت في الأستاذ أبيض اطلاعا كبيرا وذكاء ثاقبا في التحدث عن عظماء التاريخ بطريقة تجعلك تحترمهم كيفما كانوا. فسألته ذات يوم عن ذلك، فقال لي: “التاريخ لا يعيد نفسه كما يقال، بل يصنعه نفس النوعيات من الرجال، لأن كل الذين حكموا غيرهم خلال مختلف القرون كانوا على قدر هائل من الذكاء. وأعطيك الأمثلة بزعماء التاريخ مثل نابليون، وسليمان القانوني. وحتى أقوى رجال القرن العشرين مثل هتلر، وموسوليني، وتشرشل، فقد كانوا ثاقبي الذكاء والدهاء وإلا لما نجحوا في احتلال صفحات من تاريخ البشرية. فكيف لرجل عادي أن يصل إلى  رئاسة دولة وتسيير شعب لو لم يتوفر على قدر هائل من الدهاء والتكتيك”. ويواصل كلامه وهو ينظر إلى البحر: “أنظر يا رمزي إلى عظمة هذا البحر، فإن فيه السمك القوي والسمك الضعيف وهكذا الحياة، فالقوي والذكي هو الذي ينجح فيها دائما”. فأرد عليه ممازحا: “وماذا عنك أنت يا أستاذ أبيض فأنت ذو مكانة كبيرة في الحزب الذي تنتمي إليه وقد رشحت عدة مرات لمناصب عليا كما أن فئة كبيرة من الشعب تذكرك بالخير لمواقفك الطيبة؟” فيجيبني: “الحمد لله أنني قمت وأقوم بكل ما في وسعي لخدمة بلدي. فالذكاء عند أي شخصية سياسية يجب توظيفه لخدمة من هم أقل مكانة وأكثر حرمانا وفقرا. لهذا لم يسبق لي في يوم من الأيام أن تخليت عن أحد أو تجاهلت طلب مواطن واحد طرق أبوابي للمساعدة أو لقضاء غرض إداري. وذلك في حدود ما يسمح به منصبي بطبيعة الحال”. فأعود لسؤاله: “وماذا عن تاريخك مع الحزب وظروف وجودك فيه؟، “أنا وكما تعلم من مؤسسي الحزب الدستوري الذي رأى النور على يد العلامة والوطني الكبير الأستاذ المعطي بوعبيد. وحزبنا هو الذي رشحني لعدة مناصب وزارية كان أولها وزير الصناعة التقليدية والشؤون الاجتماعية في ثمانينيات القرن الماضي. كما أن الأستاذ المعطي بوعبيد كان يثق فيّ ثقة كبيرة ويستشيرني في كل قرارات وبرامج الحزب. وقد كان رحمه الله شخصية فذة حيث رشحه الملك الراحل الحسن الثاني لمنصب وزير أول من فرط ذكائه وحبه لوطنه”.

وفي يوم من الأيام زرت السيد محمد أبيض في بيته وقد قررت تغيير دفة أحاديثنا. فسألته مباشرة: “أنت وطني غيور على بلدك وسياسي كبير، ولكن لكل إنسان حياة خاصة، واليوم سأطلب منك التحدث لي عن هذا الجانب”. فقال لي مبتسما: “ماذا سأقول لك، أنا مغربي مثل باقي المغاربة أحترم عائلتي وأحرص على راحتها وسعادتها لأن الهناء العائلي هو من دعامات النجاح لأي شخصية كبيرة. وجل أوقاتي أقضيها إما في العمل داخل مكتبي في الحزب لحل مشاكل المواطنين ودراسة ملفاتهم، أو في الاجتماعات السياسية المتواصلة لتخطيط برامجنا المستقبلية من وحي المبادئ الكبرى لحزبنا. كما أعمل جاهدا لجمع أكبر عدد من المؤيدين لسياساتنا. ولا ألتقي بعائلتي إلا في وقت الإفطار. وقليلا ما أزاول رياضة المشي بجانب البحر في الصباح الباكر جدا. ولكني رغم كل هذه المسؤوليات والأنشطة والمواعيد الكثيرة فإني لا أنسى أصدقائي أبدا. وأواظب على الاتصال بهم للسؤال عن أحوالهم. كما أغتنم الأوقات التي تسنح لمشاهدة الأفلام المصرية عن طريق الفيديو كاسيت وذلك في منزلي، وبالمناسبة فأنا من أشد المعجبين بالراحل أنور وجدي الذي توفي وهو في عز شبابه، كما يعجبني كثيرا الفنان الكبير وعميد المسرح المصري في القرن الماضي الراحل يوسف وهبي، ووسيم الشاشة المصرية رشدي أباظة. المهم أنا من أكبر عشاق عباقرة سينما الأبيض والأسود”، فقاطعته متسائلا: “والفنانات؟” فقال لي: “تعجبني الفنانة ماجدة التي قامت بتجسيد دور المناضلة الجزائرية جميلة بوحيرد بطريقة رائعة. أما الأصوات الغنائية فأنا واحد من جمهور العندليب الراحل عبد الحليم وطبعا محمد عبد الوهاب أما الأصوات النسائية فليس هناك أفضل من الراحلتان إسمهان وفايزة أحمد.

وقد تميز مسار  ومواقف محمد أبيض دائما بالغيرة على ثوابت الوطن ومقدسات البلاد، ومازال محافظا على نفس المواقف الوطنية حيث أكد دائما بأن حزبه يرفض “رفضا قاطعا” أي تغيير في طبيعة مهمة بعثة (المينورسو) وتوسيعها إلى مجال حقوق الإنسان٬ باعتبار أن ذلك يمس بالسيادة المغربية. ومؤخرا أدلى لعدة منابر صحفية بتعليق هام وصريح على التطورات الأخيرة التي يشهدها ملف الوحدة الترابية للمملكة قائلا: “إن هذا الاقتراح مرفوض جملة وتفصيلا ولا يمكن قبوله” لكونه يمس بالسيادة الوطنية.
وشدد أبيض على أن “هناك ثوابت لا يمكن النقاش فيها٬ وأن الشعب المغربي أدى القسم على عدم التفريط ولو بشبر واحد من صحرائه”٬ مبرزا وجاهة وجدية المقترح المغربي المتمثل في تخويل حكم ذاتي للأقاليم الجنوبية للمملكة، مؤكدا  بأن المغرب ما فتئ٬ منذ بروز هذا النزاع المفتعل٬ يتعاون مع هيئة الأمم المتحدة من أجل إيجاد حل يرضي جميع الأطراف٬ أكد أن “المملكة تعمل جاهدة من أجل مساعدة الجميع على التوصل إلى حل٬ إيمانا منها بعدالة قضيتها الوطنية٬ فالمغرب لن يرضى بأن تمس كرامته وسيادته مهما كلفه ذلك من ثمن”.
وبخصوص موضوع حقوق الإنسان٬ فقد صفق حضور جمع عام كثيرا عندما قال محمد أبيض بكل صراحة: “وهل هذه الحقوق نفسها تطبق وتحترم في الجزائر أو في مخيمات الاحتجاز بلحمادة وتندوف فوق التراب الجزائري٬ مقابل التطور الذي يعرفه مجال حقوق الإنسان في المغرب٬ والتي ما فتئت تترسخ وتتعزز من خلال الجهود التي يتم القيام بها في هذا الإطار٬ سواء على المستوى المؤسساتي أو القانوني”٬ معربا٬ في هذا الصدد٬ عن استغرابه لعدم الحديث عن دول لا تطبق ولا تحترم حقوق الإنسان.

وبعد وفاة السملالي في يناير 2001، انتخب محمد أبيض أمينا عاما لحزب الاتحاد الدستوري. ويحسب لهذا المهندس الذي احترف السياسة كثير من المواقف الوطنية والسياسية الطيبة الأثر.

ومحمد أبيض من السياسيين المتمهلين، السياسة عنده هي التفاوض، لذلك يتوقف بعد كل منعطف، ليتفاوض ويأخذ كل شيء لكن بالتقسيط. في بعض الأحيان يصعب فهمه. متحفظ جدا. وفي كثير من الأحيان يبدو حذرا ومنطويا. رجل إدارة تشغله التفاصيل. في بعض المرات تخونه القدرة على استشفاف المستقبل. يرفع محمد أبيض شعارا لحملته الانتخابية يقول «اختيارات سياسية من أجل مغرب للجميع” رغبته الحقيقية أن يعود الحزب إلى مواقع الحكومة بعد أن ظل في المعارضة منذ عام 1998، وهو يعرف أن هذه العودة لا تمكن إلا عبر فوز تحالف ثمانية أحزاب الذي يطلق عليه «تحالف من أجل الديمقراطية». وهو تحالف شبيه بـ «قوس قزح” لأن لكل حزب داخل هذا التحالف، مرجعيات تختلف عن الآخر، وهناك الكثير من التباينات في «ظروف النشأة». يقول محمد أبيض «من الصعب على أي حزب الدخول في غمار الاستحقاقات، ويقول إنه يهدف إلى المشاركة فقط، أو للحصول على المراتب الأخيرة». ويدرك أبيض (70 سنة) أنه ربما يخوض غمار آخر تجربة من موقع القيادة، لذلك رمى كل الأوراق على الطاولة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!