في الأكشاك هذا الأسبوع

محمد عبد الكريم الخطابي في أدبيات الشيخ عبد السلام ياسين

تخليدا للذكرى 70 لنزول الخطابي بمصر (1947-2017)

بقلم: الدكتور زكي مبارك
 خلف الشيخ عبد السلام ياسين رحمه الله، مؤلفات عديدة تناول فيها قضايا فكرية ودينية وسياسية وتاريخية، عالجها وحللها من وجهة نظره وقناعته.

من بين الكتب التي أصدرها ويغلب عليها الجانب السياسي لتاريخ المغرب في الزمن الحاضر كتابين:

الأول بعنوان: “حوار مع صديق أمازيغي“، والثاني: “حوار الماضي والمستقبل“، في الكتابين، حظي محمد عبد الكريم الخطابي بعناية ملحوظة واهتمام بالغ من لدن الشيخ عبد السلام ياسين الذي خص للمجاهد، زعيم الثورة التحريرية الريفية، صفحات تناولت الرجل وجهاده، وعقيدته، ونشاطه السياسي في مصر الذي حل بها في مايو 1947، فما هي الصورة التي يقدمها الشيخ عبد السلام ياسين عن المجاهد عبد الكريم الخطابي؟

في كتابه “حوار مع صديق أمازيغي“، يقول عنه: “ينساح المؤرخون في الإشادة ببطولة محمد بن عبد الكريم الخطابي، أسد الريف وأشباله المجاهدين، ويضع المعلقون والصحافيون الحواشي على سيرته الفريدة، وعبقريته العسكرية، وحنكته الاستراتيجية، وإيقاعه المذهل بجيوش الإسبان والفرنسيين، ثم لا يفون بما يستحقه الرجل من تكريم، ولا يخلصون إلى الدرس الأكبر من حياة نموذجية بأكثر من اعتبار” (الحوار/ ص 221).

الدرس الأكبر عندنا، يقول عبد السلام ياسين، ونحن نحاور أمازيغ وريفيين وشلوحا وإزناسيين، هو أن الرجل رحمه الله، كان مؤمنا يجاهد في سبيل الله، وكان شعاره “الإيمان، والإيمان وحده، كان رجلا يتكل على الله قبل اتكاله على العدد والعدد” (الحوار/ ص 221).

“إيمانه بالله، صنع منه رجلا مجاهدا، وجهاده النموذجي، صنع منه مثالا رائعا للمسلمين وللناس أجمعين، يرى الناس فيه البطل الغيور على وطنه، المقاتل ببسالة وإصرار وعزم وانتصار” (الحوار/ ص 223).

يرى الشيخ عبد السلام ياسين، أنه “علم من أعلام الثورة على الظالمين في عرف الناس أجمعين، ويجب اعتبار الخطابي كما نعتبر طارق واليوسي وسائر أعلام بني أمازيغ، قامات شامخة ورايات خفاقة في سماء الجهاد والعلم والرجولة والإيمان” (الحوار/ ص 224).

ويضيف الشيخ عبد السلام ياسين في ذكر أخلاق الخطابي: “لو كانت نفس الخطابي وضيعة ضعة طلاب الرئاسات ونافخي النار في حطب العصبيات، لما استحق من التاريخ البشري إلا التفاتة عابرة كما يلتفت إلى رؤساء العصابات، لكن الرجل كان مربيا عالما بدينه، مخلصا لله رب العالمين، وكان معلما انتشل قومه الريفيين من وهدة الجهل الجاهلي، ورفعهم إلى مراقي الإيمان بالله والصدق مع الله، وبذل النفس والنفيس في سبيل الله” (الحوار/ ص 222).

هذه شذرات من كتاب “حوار مع صديق أمازيغي“، فماذا كتب عن الخطابي في كتابه “حوار الماضي والمستقبل“؟

حوار الماضي والمستقبل

اعتمد الشيخ عبد السلام ياسين في كتابة هذا المؤلف “حوار الماضي والمستقبل” على نقول من كتاب محمد سلام أمزيان: “عبد الكريم الخطابي وحرب الريف”.

وهذا الأخير، أي محمد سلام أمزيان، هو رفيق في القاهرة لأسد الريف، عاش معه سنوات، ريفي يعرف البلد وأهل البلد وعادات البلد وتاريخ البلد، سمع ممن شاهدوا الملحمة، وسمع من الرجل الكبير وتثبت معه وراجعه فشهادته مباشرة وموثوقة (ص 31)، وهذا الرجل محمد سلام أمزيان، هو صاحب “انتفاضة الريف لسنة 1958”.

يقول عبد السلام ياسين: “انتهت حرب الريف بهزيمة الخطابي أمام جحافل دولتين عظيمتين، فرنسا وإسبانيا، وتأمل ابن عبد الكريم حصيلة الملحمة: خمسة عشر ألفا وخمس مائة من الشهداء الريفيين، تأمل الحصيلة فقال: “لا ريب أن الذي ساعدنا على محاربة الأعداء سنوات لم تمر فيها لحظة دون موقعة أو معركة أو ضحايا، هو الإيمان والإيمان وحده، إن الإيمان هو العامل الأساسي، وهو السلاح الأقوى في كل الحروب التحريرية، بل في كل عمل جدي” (ص 32).

يعلق الشيخ ياسين على هذه المقولة: “إن هزيمة عبد الكريم الخطابي رحمه الله، كانت تتويجا لجهاد خارق أيد الله فيه رجالا صادقين صمدوا ستة سنوات أمام تعبئة ساهمت فيها أوروبا واهتزت، وخافت وشحذت كل ما في وسعها، شحذت فرنسا الخارجة منتصرة من الحرب العالمية الأولى، موارد مستعمراتها من رجال وموارد خبرتها العسكرية من عشرات الجنرالات وألوف الضباط، وموارد مصانع طياراتها ومدافعها وبنادقها وقنابلها وآلات اتصالاتها، وكذلك فعلت إسبانيا. ومن وراء فرنسا وإسبانيا، كان التأييد الدبلوماسي من إنجلترا الخائفة على مستعمراتها في الهند ومصر، بل كان التأييد من متطوعة أوروبا وأمريكا” (ص 32).

“كانت أطماع فرنسا مهددة تهديدا عمليا برهنت عليه انتصارات المجاهدين من المغاوير، وتركز الرعب من ابن عبد الكريم، حتى من اسمه، فقد منعت فرنسا الناس أن يسموا أبناءهم عبد الكريم، واستخرجت إسبانيا عداءها الصليبي الدفين، أذهلتها انتصارات المجاهدين وهي كانت تريد القضاء بكل بساطة على سكان الريف، قصدا مبيتا من قرون لتستكمل طرد المسلمين من الأندلس ومن الوجود” (ص 51).

عبد الكريم في القاهرة

 كتب الشيخ عبد السلام ياسين في هذا الموضوع:”وجد ابن عبد الكريم في القاهرة، وطنيين مغاربيين من تونس والجزائر والمغرب، انتظموا في مكتب المغرب العربي. عنوان متواضع لنشاط متواضع انحصر في الإعلام السياسي والتعريف بقضايا المغرب العربي وتدبيج المقالات وإقامة الحفلات.

بعد بضعة أشهر، أسس الريفي المجاهد، لجنة تحرير المغرب العربي، أرادها أداة عمل لا معرض كلام، فماذا كان البند الأول من ميثاق اللجنة؟ هل يتطابق قصد العمل المستأنف والكلمة التي أنهت جهادا مضى؟

كتب ابن عبد الكريم في البند الأول: المغرب العربي بالإسلام كان، وبالإسلام عاش، وعلى الإسلام يسير في حياته المقبلة.. طريقة واضحة كانت وبقيت، فلا الاصطدام الشديد مع جيوش الدولتين الأوروبيتين صرف النية عن قصدها، ولا طول المقام في جزيرة النفي أوهى العزيمة الإيمانية” (ص 36).

“عبد الكريم أسطورة. عبد الكريم رمز اعتقله متعطشون لبطولات ورافضون لواقع فاشل ومستهلكون محترفون للرموز السياسية.

ريفي أمازيغي، اعتقلته القومية العربية في بداية خطاها نحو اللائكية، ونوهت به، ورفعته عالما تفاخر به عالم الغازي، البطل التركي، مصطفى كمال، هذا دوخ جيوش الحلفاء وأنقذ الخلافة العثمانية، وذاك صمد في وجه دولتين عظيمتين وهزمهما هزائم مشهودة” (ص 39).

علال الفاسي والخطابي في القاهرة

 تساءل الشيخ ياسين:

كيف تفاهم الرجلان؟ وكيف اختلفا على القرابة العقائدية بينهما؟ شخصيتان قويتان، فهل كان الطبع والحدة في كليهما، عامل سوء التفاهم الذي انتهيا إليه، أم كان المستوى الثقافي العلمي الأعلى عند خريج القرويين، النابغة الفاسي، عتبة سامية ينظر من سمائها إلى الريفي الذي لم يحضر حلقات العلم في القرويين إلا أربع سنوات؟

“رغم التقارب الفكري والإخلاص للقضية، وصفاء العقيدة، لم يتفاهم الثوري العسكري العبقري مع السياسي المجاهد. تغير القران الدولي على مدى النيف والعشرين سنة التي قضاها الخطابي في جزيرته، وقضى بعضها الفاسي في مجاهد المنفى، وأحدثت الحرب العالمية الثانية مناخا غير مناخ 1925، مناخا تشكل فيه تنظيم سياسي في المغرب، وتشكلت عقلية، وارتبط الزعيم الفاسي، مقاتل الاستعمار، بأسلحة سياسية دبلوماسية نضالية ليس لها مكان في التشكيلة النفسية الإرادية القوية عند أسد الريف.

لقد كان الخطابي يكن كرها شديدا، وشكّا لا حدود له للأحزاب السياسية، لأنه كان يرى فيها نموذجا تنظيميا منسوخا من الغرب، وفي رأيه، أن الشعب الذي يحصل على الاستقلال تحت بعض الظروف الدولية من خلال حزب سياسي معين، لن يكسب شيئا سوى حلول الزعماء السياسيين في السلطة محل الحكام الأجانب” (ص 173).

بخصوص الوحدة المغاربية، يقول الشيخ عبد السلام ياسين: “كان يريدها وحدة جامعة، وكان الزعماء يريدونها زعامات قطرية. كان يفكر تفكيرا واسعا، وكان كل واحد منهم مرتبطا بتنظيم. كان هو واعيا بأن التنظيم المنسوخ عن الأجانب لن يؤدي إلا لنظام مثيل يحتل فيه الوطنيون المطربشون كراسي كانت بالأمس تحتلها قبعات. وتحت الطرابيش والقبعات أدمغة متناسخة متماثلة” (ص 174).

ملحوظة لابد منها:

كانت هذه فقرات مختارة من قراءة أفقية وسريعة لكتابات الشيخ عبد السلام ياسين، لنحت صورة عن المجاهد، الخطابي، الرجل والعمل والعقيدة والمبادئ.

كتابات أوردناها مقتضبة بدون ترتيب منهجي ولا موضوعاتي. إنها تتميز بعمق في التحليل ودقة في الوصف وتفسير للأحداث التاريخية بأسلوب يغلب عليه المنطق وعقلية المؤرخ المطلع اطلاعا واسعا على مجريات الأحداث.

ما يمكن استخلاصه من هذه القراءات، حتى وإن كانت أفقية، مقولة المارشال اليوطي، التي سجلها في أحد تقاريره: “إن سمحنا لعبد الكريم بتحقيق أي انتصار علينا، إنما يعني قيام إمبراطورية عربية إسلامية على شاطئ البحر الأبيض المتوسط، وهذا يعني فتحا إسلاميا لأوروبا من جديد، وهذا أمر لا يمكن التسليم به، فما أشبه اليوم بالبارحة”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

Open

error: Content is protected !!