في الأكشاك هذا الأسبوع

تحليل اخباري|| “بوهيوف”.. “الوافد الجديد” في زمن القمر الاصطناعي و”التي. جي. في”

المغرب يفتح نوافذه على “عام الجوع”

حقوقيون يطالبون بتشريح جثث ضحايا الصويرة لاستبعاد فرضية “العمل المدبر”

اعداد: سعيد الريحاني

لم تترك فاجعة الصويرة، أي فرصة للاحتفال بذكرى عيد الاستقلال، بعد تزامن مقتل أزيد من 17 امرأة في ظروف غامضة(..) وهن يتدافعن من أجل الحصول على “قفة العيش”، فقد كانت جمعية تسمى “إغسى لحفظ القرآن الكريم والأعمال الاجتماعية”، تعتزم توزيع مواد غدائية على المعوزات، يوم الأحد الماضي، لكن المنظمين لم يتوقعوا إغراق المكان، عبر إنزالات “مشبوهة” جعلتهم يفقدون السيطرة على الحشد الذي قدرته مصادر صحفية بـ 3000 امرأة، لتنطلق فصول تدافع رهيب، تسبب في مقتل 15 منهن، قبل أن يرتفع عدد الضحايا إلى 17، وكل ذلك حصل بجماعة قروية تدعى “سبت سيدي بولعلام”.

الحادث يطرح أكثر من علامة استفهام، حول سبب التدافع؟ وكيف يمكن تفسير العدد الكبير للقتلى، في ظل وجود شهادات مصورة على “اليوتيوب” تقول بأن الضحايا، أطلق عليهن “دخان” غريب تسبب في ظهور حالات اختناق(..)، كما يطرح السؤال حول الجهة التي استدرجت مئات النساء من الصويرة وآسفي وشيشاوة، إلى مسرح الحادث(..)، ولماذا لم تأخذ السلطات، التي برأت رئيس الجمعية المنظمة، وهو إمام مسجد بحي كاليفورنيا (عبد الكبير الحديدي) الاحتياطات اللازمة في مثل هذه الحالات لحماية المواطنات المعوزات؟

وبغض النظر عن الأسئلة العالقة، فإن حادثة من هذا النوع، هي التي جعلت المغرب يظهر بمنظر البلد المتخلف، العاجز أمام جل وسائل الإعلام العالمية، فالمغرب الذي افتخر قبل أيام بإطلاق قمر اصطناعي خاص به، وقبله انطلاق مشروع “تي. جي. في” الذي أوشك على الانتهاء، هو نفسه المغرب الذي كتبت عنه الصحف العالمية مقالات يندى لها الجبين، فقد أوردت صحيفة “إلموندو” الإسبانية، مقالا محرجا تحت عنوان: “المغرب.. مصرع 15 شخصا وهم يتدافعون كالحمقى من أجل المؤونة الغذائية”، واستعملت الصحيفة، التي ركزت في مقالها على تصريحات من عين المكان، مصطلحات مثيرة للجدل، ووصفت الضحايا، بالأشخاص الذين كانوا يركضون ويتدافعون من أجل لقمة العيش، وكأنهم في “حالة مجاعة”، أما صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية واسعة الانتشار، فسلطت الضوء على الفاجعة من خلال مقال تحليلي ركز على الإمكانات الاقتصادية للبلاد، وقالت إنه “من الناحية الاقتصادية، يعد المغرب عموما، أكثر تحسنا من البلدان المجاورة، حيث انخفض فيه معدل الفقر إلى نسبة 4.2 في المائة عام 2014، وفقا لبيانات البنك الدولي.. لكن هذه المعطيات لا يمكن أن تخفي الظروف الصعبة التي يعيشها المغاربة في المناطق القروية والهامشية مثل منطقة سيدي بولعلام التي شهدت الحادث المأساوي”، وقالت: “إن ما يقارب 19 في المائة من سكان البوادي، يعيشون في الفقر، ويعيش نحو 15.5 في المائة من المغاربة على نحو 3 دولارات في اليوم، أي أقل من 30 درهما”. (المصدر: ترجمة عن موقع “هسبريس”).

مغرب المفارقات الصارخة، على طول المسافة الفاصلة بين القمر الاصطناعي ومغرب الفقراء، هو ما لخصه الملك محمد السادس، ملك الفقراء، في خطاب العرش قائلا ((المغرب يعيش مفارقات صارخة من الصعب فهمها.. فبقدر ما يحظى به المغرب من مصداقية، قاريا ودوليا، ومن تقدير شركائنا، وثقة كبار المستثمرين، بقدر ما تصدمنا الحصيلة والواقع، بتواضع الإنجازات في بعض المجالات الاجتماعية، حتى أصبح  من المخجل، أن يقال إنها تقع في مغرب اليوم)) (مقتطف من خطاب الملك في عيد العرش).

مغرب المفارقات الصارخة، هو نفسه الذي جعل “الواشنطن بوست” الأمريكية تكتب عنونا يجد كل مبررات النشر كالتالي: “مصرع 15 امرأة بسبب تدافع لتوزيع الدقيق في المغرب المنكوب بالجفاف”، ليطرح السؤال: من يتحمل مسؤولية هذه الفضيحة، هل هو المسؤول عن “صندوق تنمية العالم القروي” الذي خصصت له أزيد من 50 مليارا لا يعرف أحد أوجه صرفها، باستثناء ما تمت الإشارة إليه إعلاميا من خلاف سابق حول صفة الآمر بالصرف في هذا الصندوق، بين بن كيران وأخنوش، قبل أن يستفرد أخنوش بحق الصرف؟، ولكن السؤال الذي لازال مطروحا، أين صرفت أموال الصندوق؟.. أم أن الخلل كله في المنظومة القانونية للعمل “الإحساني”، وقد سارت وزارة الداخلية في هذا الاتجاه، بإعلان مراجعة قوانين الإحسان العمومي، وهو ما يعني عمليا “القضاء على العمل الخيري” وغلق باب من أبواب التكافل الاجتماعي الذي يساهم في الاستقرار(..).

صورة مغرب اليوم، بشكلها المتداول إعلاميا، لا تختلف كثيرا عن صورة مغرب الأمس، الذي كانت تنخره الأوبئة والمجاعات: ((إن الأوبئة والمجاعات التي ظل تاريخها مغمورا لمدة طويلة، تعتبر عنصرا هاما إن لم نقل محوريا، في تاريخ المغرب.. كيف كان بإمكان المغرب أن يتطور وينمو ويعزز كيانه ليصمد أمام التسرب الأوروبي كما فعلت اليابان، والحال أن الأوبئة والمجاعات كانت تجرف كل عشر سنوات أو خمسة عشر سنة بقسم هام من ثروته البشرية والحيوانية؟ كانت القوى المنتجة ووسائل الإعلام تتعرض للتدمير، وكان الأمن يختل، والعلم يضمحل، بحيث أن البلاد بدلا من أن تخطو للأمام، كانت ترتد للوراء.. على أن ما يثير الدهشة، هو أن الشعب المغربي تمكن من البقاء رغم كل تلك الكوارث، ذلك أنه كان قد أدرك على الرغم من ضعفه، ومنذ عهد الموحدين في القرن الثاني عشر، مستوى من التنظيم والتلاحم ظل محافظا عليه فيما بعد، وقد تجلى بالخصوص في الدور الذي كانت تقوم به الدولة في مجال التخفيف من الجوائح)).(المصدر: كتاب محمد الأمين البزاز/ تاريخ الأوبئة والمجاعات في المغرب).

وربما لا يعرف كثير من المواطنين، أن المشهد الذي حصل في الصويرة، وعنوانه مقتل عدة نساء معوزات، ليس جديدا على المنطقة، بل يكفي أن نعود للتاريخ لنقرأ: ((على الرغم من أن الصويرة سنة 1878، كانت في ذلك العصر في مقدمة المدن التجارية المغربية.. فقد تحولت إلى مركز كبير للجذب السكاني، وحاولت المدينة الدفاع عن نفسها إزاء هذا الخطر الذي شكله مجيء حشود ضخمة من القرويين الجائعين والموبوءين، وجاءت المبادرة من نائب المجلس الصحي، وبدعم من الهيئة القنصلية، فكان جواب العامل كالتالي: ((.. فاعلم بأن هذه البلدة، بخلاف البلدان كما تعلمون.. فلا نقدر أن نخرق في ذلك عادة، فالأمور بيد الله ونحن عبيد الله، فلا يقدر أحد أن يتعرض على نفسه، بما قدره الله.. بهذا الرفض باءت محاولات الدفاع بالفشل، واستمر الباب مفتوحا أمام القادمين من كل الآفاق)) (المصدر: نفس الكتاب سالف الذكر)..

هكذا كان المشهد في الصويرة، وهو مشهد لا يختلف كثيرا عن مغرب زمان، الذي اجتاحته المجاعات، والطاعون والكوليرا والتيفويد، وكان ذلك بمثابة العناصر الممهدة لاستعماره، بينما لا يذكر الصحفيون اليوم، سوى “عام الجوع” أو “عام البون” وهو العام الذي تحدثت عنه بعض وسائل الإعلام قائلة بأنه هو العام 1945.. و((هي السنة الأخطر على الإطلاق في تاريخ المغرب، إذ لم يشهد المغرب مثيلا لها منذ عهد المولى إسماعيل، كما قال المؤرخ الراحل جيرمان عياش، الذي عايش ظروف المجاعة، إذ عانى المغاربة خلالها من استنزاف خطير للمواد الغذائية لتمويل المجهود الحربي الفرنسي خلال الحرب العالمية الثانية، مما انعكس سلبا على الوضعية الاقتصادية والاجتماعية للمغاربة، حيث جعلت المجاعة المغاربة عاجزين عن دفع ما يتربص بهم من الأمراض والأوبئة، وتفشت العديد من الأمراض المرتبطة بالجوع وقلة النظافة، لأنها كانت سنة عجفاء تصاعدت فيها حدة الأوبئة وحدة الأمراض ومات فيها الناس جوعا، إذ يروي أحد الأشخاص المسنين كيف أنه كان جالسا قرب أخيه، لما شرعت الكلاب في قضم أذني أخيه دون أن يقوى على ردها، لأنه كان هزيل البنية من شدة الجوع)) (المصدر: تقرير لجريدة “الوطن الآن”).

هكذا إذا كان الجوع ينخر المجتمع بالأمس، وها هو يطل من جديد برأسه في سنة 2017، رغم أن الوزيرة بسيمة الحقاوي، قالت في البرلمان، بأنه لا وجود للفقراء بالمغرب؟ فمن يكون هؤلاء الذين ماتوا في الصويرة إذا لم يكونوا فقراء؟ وإذا كان هذا العمل “مفبركا”، أين هي الحقيقة؟ إن مثل هذه التساؤلات هي التي جعلت جمعية حقوقية تطالب بتشريح الجثث في ظل الغموض الذي يحيط بالفاجعة؟

فقد ((طالب المرصد الوطني للعدالة الاجتماعية، بالتشريح الطبي للجثث من أجل الوقوف على الأسباب الحقيقية لهذا العدد من الوفيات، في ظل تضارب الروايات، ويعتبر أن الفحص السريري لا يرقى لإصدار الخلاصات الموضوعية الضرورية للتحقيق النزيه، ولا يمكن أن يكون بديلا عن عملية التشريح..))، حسب بلاغ أصدره المرصد، قبل أن يضيف: ((نعلن عن تحميل الإدارة الترابية كل المسؤولية عن المأساة، تلك المسؤولية التي تبدأ من الترخيص للعملية وتستمر عبر السهر على تنظيمها وواجب التدخل العاجل في حالة حدوث أي خطر أو إخلال بالسير العادي لها، وذلك بغض النظر عن كون المأساة ناتجة عن حالة التدافع أو بسبب عمل مدبر”)).

يمكن القول إن بلاغ المرصد الوطني للعدالة الاجتماعية، الذي يترأسه الفاعل الحقوقي، المصطفى كرين، يلتقي مع إشارات المتتبعين الذين لم يصدقوا بعد أن الحادث كان عفويا، في ظل غياب تحقيق شامل، تفرضه الظروف قبل أن يفعل الزمن فعلته في الجثث، وطمس معالم ما حدث(..).

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!