في الأكشاك هذا الأسبوع
الملك سلمان

الحـقـيقة الضـائعة | الملك سلمان.. الفساد على أطراف قصور الكبار

بقلم. مصطفى العلوي

   عشنا وشفنا، حتى سمعنا واحدا من أقوى وأغنى ملوك العالم، وأعظمهم شأنا بحكم مسؤوليته كحامي الحرمين، ومالك أعظم ثروة بترولية، الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز يقول مرتجلا أمام كاميرات التلفزيون موجها كلامه للشعب السعودي: ((وقد التقينا على مكافحة الفساد، فإنه يستطيع أي مواطن منكم أن يرفع قضية على الملك أو ولي العهد، أو أي أمير في بلدنا)).

وبذلك يكون هذا الملك أول ملك في تاريخ البشرية(…) يعلن حربه على الفساد، ويقول لشعبه: إذا كشفتم عني فسادا فقدموني للمحاكم.

ليبادره للرد عليه، صحفي معروف بارتباطاته اليهودية “توماس فريدمان”، الصحفي في “نيويورك تايمز” الأمريكية: ((بأن الملك سلمان مصاب بالزهايمر (مرض النسيان)، وأن عمره واحدا وثمانين عاما، وقد خلف الملك عبد الله الذي كان سنه تسعون عاما))، ورغم أن الملك سلمان، الذي كان يرتجل، لم يخطئ، ولم يتلعثم بعد أن خاطب شعبه بأنهم أبناؤه، فإنه من الطبيعي أن ينزعج كل الذين يتضايقون من ظاهرة إصلاح العالم العربي والإسلامي، المفجوعين بأي تحرك في اتجاه محاربة الفساد، عند العرب والمسلمين، وقد كان السبب في إفلاس وتأخر عالمنا نحن منذ الفتح الإسلامي إلى اليوم.

ونحن لا ننسى أن الملك سلمان، كان معروفا في شبابه بالتنطع والرفض، والميول إلى امتهان الصحافة، فقد كان منذ الأيام التي تم فيها اغتيال الملك السعودي فيصل، من طرف أقرب الأمراء إليه(…) كان الملك سلمان يجد راحته في العمل الصحفي، حين نادى على مدير المخابرات المشهور، كمال أدهم، مؤسس جريدة الشرق الأوسط، وقال له أمام الملإ: كم تطلب يا أدهم لتبيعني هذه المؤسسة الصحفية، الشرق الأوسط، فقال له أدهم مازحا: أنت يا سمو الأمير تهتم بالشرق الأوسط، إذا كان الأمر كذلك، فأنا أبيعها لك بريال واحد (25 درهما).

وفعلا، تم البيع القانوني للمؤسسة الصحفية، الشرق الأوسط، للأمير سلمان، الذي أجرى شخصيا اتصالاته بالصحفيين من المشرق إلى المغرب لإطلاق مؤسسة الشرق الأوسط على الصعيد العالمي، وهو الذي أشرف على افتتاح مكتبها في المغرب، لتظهر مصداقية الملك سلمان سنوات طويلة من بعد، حينما يقول من منطلق صحفي لمواطنيه: يمكن لأي واحد منكم أن يرفع قضية على الملك أو على ولي العهد. لأن ظاهرة الفساد انتشرت، وتوسعت من المشرق إلى المغرب، ولكنها في المملكة السعودية، تهدد هذه الدولة الغنية بالاندثار، وقد أصبحت ظروفها العسكرية تحتم عليها البحث عن الملايير، فاكتشفت أن أمراءها والمقربين إليهم لهفوا كل ثرواتها.

فعندما نسمع بأن الأمير فلان اشترى حيا في نيويورك، والأمير فلان اشترى أعظم الفنادق في باريس، والأمير فلان أصبح أغنى رجل في العالم، فإن ظاهرة غنى الملوك والأمراء والرؤساء، واكبت ظاهرة بؤس الشعوب حتى أصبحنا نسمع أرقاما مهولة عن عدد العاطلين في السعودية، وعن المغرب لا تسل، ولا عن الشعوب الإفريقية التي أصبح ملايين أبنائها لاجئين، يهددون أمن وسلامة العالم، بينما يتسابق الرؤساء الأفارقة على ألقاب أغنى الأغنياء، لنفهم كيف أن هذا الرئيس الأمريكي الجديد، طرامب، كان أول من تجاوب مع خطاب الملك سلمان، وقال أمام الصحفيين من مقامه في الصين: ((إني أعرف أهمية ما يعلن عنه الملك سلمان عن هؤلاء الذين يستنزفون بلدانهم منذ سنوات(…))).

الرئيس الأمريكي إذن، يعرف – وهو من أغنى أغنياء العالم – كيف أن الذين يحكمون بلدانهم، بعيدا عن الأصول الديمقراطية المعروفة والمحددة، يستغلون مواقعهم للنهب والسلب، ويتركون بلدانهم تستجدي المعونات الغذائية من المنظمات العالمية، بينما تتسابق المؤسسات الدولية المتخصصة في تتبع الثروات، في تصنيف رؤساء الدول الفقيرة، على رأس أغنى أغنياء العالم.

وعندما يستغني رئيس الدولة، ويكسب الملايير فإن المقربين منه طبعا، يستغنون أكثر، وينتهزون مواضعهم تحت حماية أجهزة الضغط والتنكيل التي تحارب بمختلف الوسائل، كل من يؤشر إليهم، أو ينظم المظاهرات لرفع صورهم.

وبعيدا عن المملكة السعودية الثرية، حيث تم اعتقال أصحاب السمو الأمراء، وأصحاب السعادة الوزراء، لحشرهم في ممرات فندق “الريتز” ليناموا على الأفرشة الاحتجازية تحت رقابة البوليس، والتي ينام عليها في شكل مهين، أكبر الأغنياء السعوديين العالميين، وشاهدنا من بينهم المسمى العمودي، صاحب مصفاة لاسامير المغربية، والغارقة في ديون الملايير، وهي الاعتقالات التي سارعت منظمة إعلامية عالمية “باراديز” إلى الكشف في تقاريرها عن وصول موضة الفساد العربي والإسلامي، إلى أطراف القصر الملكي البريطاني، مع فارق أن أفقر أمير سعودي يتصرف في مئات الآلاف من الملايير من الدولارات، بينما الملكة إليزابيث، بعد ستين عاما من الملك كما كشفت “الغارديان” البريطانية، تتوفر على حساب في جزيرة “برمودا”، بقيمة 11 مليون أورو (حوالي 13 مليارا)، تظهر صاحبة الجلالة إذن، فقيرة مقارنة مع المغربي الذي أشرف على تهريب خمسمائة مليار (انظر تقرير الأسبوع عدد 26 أكتوبر 2017 عن تهريب 500 مليار، وهو التقرير الذي نشر في صفحة الفيسبوك للعضو السابق في حزب “البام” عبد الواحد بورحيم، وبقي بدون بيان حقيقة ولا تكذيب)، وها هو المسار الصحفي يجرنا إلى المغرب مثلما جر أغلب الصحف المغربية وهي تتهافت مصفقة على الاعتقالات السعودية للأمراء الذين لهفوا ملايير البترول السعودي، مستغلين قربهم من ملوك السعودية منذ عهد الملك سعود إلى عهد الملك سلمان، تجد هذه الصحف فرصة في نفس المسار، لتكتب على صفحاتها الأولى الموجهة للمغاربة وبعنوان ضخم: ((التحقيق مع متهمين بالنصب باسم أمراء ومسؤولين كبار)) (المساء. 9 نونبر 2017).

وكأنها تؤشر إلى أننا أيضا نحارب الفساد، لنفهم لماذا لجأ الشباب التونسي إلى أحسن طريقة لإغماض أعينهم عن هذا الواقع المريب بعد أن نشرت القناة التلفزيونية الفرنسية “فرانس 24″، أن الإحصائيات الرسمية التونسية كشفت أن 25 في المائة من شباب تونس يتحششون. أليس الإغراق في فقدان الوعي(…) تحت تأثير الحشيش هو أسلم طريقة للابتعاد عن التفكير والتعمق في إحصاء الملايير المتناثرة يمينا وشمالا على مكاتب المسؤولين المكلفين بتسيير الشؤون العامة للمواطنين، بينما الشعوب تئن تحت وطأة البؤس والاحتياج.

أما الواعون المتفتحون من المسؤولين عندنا، فإن اهتماماتهم ونقاشاتهم تدفعنا كلها إلى الاقتداء بالشباب التونسي بالهروب إلى أسلوب التحشيش، عندما نسمع وزير المالية بوسعيد – يا حسرة – وهو يبحث عن وسائل لدعم صندوق الدولة: ((أن ينصح أصحاب المقاولات المغربية بالخروج قليلا عن وضعهم المريح)) يعني أن يشبعوا ويتوقفوا عن النهم(…) فيجيبه واحد منهم، الثري الوجدي علي بلحاج، بتصريحه: ((إن وزارة المالية مدينة لرجال الأعمال بثلاثين مليارا(…) ضاعت لنا في كواليس الدولة)) بينما الوزير والغني(…) يتناسون معا مقولة الملك المجرب الحسن الثاني، في مذكراته مع الصحفي الفرنسي ‘إنياس دال” ((إن الجماهير الشعبية قد ترفض البيعة، إذا كانوا يعتبرون أن الملك لم يدافع بما فيه الكفاية عن حقوق الجماهير))، وهي الحكمة التي ربما قرأها الملك سلمان عندما أقسم على محاربة الفساد، وربما خوفا على عرشه.

ألم أكتب لكم في الأسبوع الماضي ((الحقيقة الضائعة: لا زلزال ولا هم يحزنون))، قبل الإطاحة بأحد عشر أميرا و38 وزيرا في السعودية، بأن ما حصل عندنا ليس زلزالا على الإطلاق، حتى الملك سلمان لم يعتبر حربه على الفساد زلزالا.. لأن الزلزال هو الذي سيأتي من بعد، خصوصا بعد أن سبقنا القرآن ليقول في سورة الروم: ((ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس))، الناس الذين يؤشر إليهم في سورة الفجر: ((الذين طغوا في البلاد، فأكثروا فيها الفساد)).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!