في الأكشاك هذا الأسبوع

مؤشرات “تطاول” العثماني على إمارة المؤمنين قد تعجل بإعفائه

إعداد: سعيد الريحاني

** الوسطية عند بن كيران هي “ما دون البغل وفوق الحمار” فماذا تكون عند الإخوان المسلمين؟

** خطورة التطاول على النبي بحضور الإخوان المسلمين في بلاد إمارة المؤمنين

    تحدث رئيس الحكومة السابق، بن كيران، ذات يوم في أوج التحضير للانتخابات، عن “الوسطية”، فعرفها قائلا: “إنها ما دون البغل وفوق الحمار”، غير أنه لم يمتلك الجرأة لينظم مؤتمرا في الموضوع(..)، بخلاف رئيس الحكومة الحالي، فبينما كانت كل وسائل الإعلام منشغلة بإحصاء تبعات “الزلزال السياسي” الذي أحدثه الملك، بتهشيم الأغلبية الحكومية من خلال الإعلان عن إعفاء 4 وزراء هم: محمد حصاد، وزير التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي وتكوين الأطر بصفته وزيرا للداخلية في الحكومة السابقة، ومحمد نبيل بنعبد الله، وزير إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة بصفته وزيرا السكنى وسياسة المدينة في الحكومة السابقة، بالإضافة إلى الحسين الوردي وزير الصحة، بصفته وزيرا للصحة في الحكومة السابقة، والعربي بن الشيخ، كاتب الدولة لدى وزير التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي، المكلف بالتكوين المهني، بصفته مديرا عاما لمكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل سابقا، وجد رئيس الحكومة الحاليـ الوقت لـ “يحتضن” نشاطا يختلط فيه الدعوي بالسياسي تحت عنوان: “الندوة الدولية حول السنة النبوية وتعزيز فكر الاعتدال”، وذلك على مدى يومين (27 و28 أكتوبر الماضي).

هل يعقل ألا يترك الزلزال أي أثر في نفسية رئيس الحكومة إلى درجة أنه يجد الوقت الكافي ليشارك في لقاء ثقافي ديني؟ كيف يمكن تفسير هدوء العثماني، وهو الذي سمع شأنه شأن المغاربة، عبارات “السخط الملكي” على وزراء في الحكومة السابقة، بل منهم من كان مرشحا ليكون وزيرا إلى جانبه؟ تصوروا أن العثماني ترك مهمة ترميم الأغلبية ليصرح في ذات اللقاء، بأنه “يشعر بالإثم لأن رئاسة الحكومة تمنعه من حضور ندوات السلفيين والإخوان”.. وياله من طرح غريب أن يضع رئيس الحكومة مهمته الأولى في مقام “الإثم”.

مثل هذا اللقاء، وإن كان يحظى ببعض التغطيات الإعلامية المفصلة على المقاس، بحكم جهل جل الصحافيين بالموضوع، يطرح السؤال حول الغاية من تنظيم لقاء من هذا النوع؟ ليكون جواب الباحث في هذا الشأن صادما: “المؤتمر من تنظيم سراق الله وضعوا فيه أكثر من جهة منظمة، بينما الحقيقة أنه مؤتمر الوسطية الذي انبثق ذات يوم عن مؤتمر عقد بعمان وهو تابع للإخوان المسلمين ومن في حكمهم من السلفية.. الجديد هذه المرة أنهم سيجدون الدعم من رئيس الحكومة”.. هكذا تحدث الباحث المتخصص في الحركات الإسلامية، إدريس هاني، قبل أن يقول بأن احتضان رئيس الحكومة لهذا المؤتمر، هو الذي جعل المنظمين يحتفلون بكتابه الصادر تحت عنوان تصرفات النبي بالإمامة (التصرفات النبوية السياسية دراسة أصولية لتصرفات الرسول في الإمامة).

نفس المصدر، يعتبر أن فهم اللعبة يبدو صعبا، قبل أن يخلص للقول بأن تصرفات هذه الحركات، تبقى أخطر من “العلمانيين” في نظره، إذ يقول: ((لا أحد سيفهم هذه اللعبة، لأن الجميع غافل عن سياسة التدليس التي تستثمر فيها السياسة لصالح وجهة نظر في الدين.. فالعلماني قصاراه يدعو إلى الفصل بين الدين والدولة، احتراما وحفظا للمقدس من المدنس، بينما سراق الله يريدون الفصل بين الدين والحقيقة، وأن يبحثوا عن مساحات يثبتوا فيها المدنس في المقدس ليخلو لهم المجال، ذلك لأن هذه الطغمة من بني البشر، لا تريد ممارسة المدنس في السياسة فحسب، بل تريد أن يكون الدين شاهد زور على المدنس، والنتيجة أن لا تجد مستندا تحاسبهم به، لا من الدين ولا من الدنيا، وهذا هو التأسيس لأعنف أنواع الاستبداد، فهم دائما سيقولون لك: “نحن اجتهدنا وأخطأنا فلنا أجر”.. دائما لهم أجر مثل المنشار.. “تصرفات النبي بالإمامة” هي كناش كتبه رئيس الحكومة ولم يكن له أهمية، ولكنه اليوم يريد أن يمرره عبر مؤتمر تم التنسيق له مع جماعته، كما سبق وفعلوها حين دعموا مؤتمرا للسرورية بالمغرب بمجرد أن حكموا.. هذه الأطروحة ليست إبداعا ولا جديدا، بل هي ممضوغ قديم لطشه العثماني من مدونات قديمة وأعاد ذات الإنشاء.. والفكرة الجوهرية لهذه المقولة، هي أن تصرفات النبي بحكم الإمامة والتي تجري في مجال الاجتهاد، هي تصرفات سائر الناس، يمكن إخضاعها للتجربة، لأنها ليست من الشريعة.. وهكذا أصبحت الطغمة الأموية الجديدة، حريصة على أن تحدث شرخا في بنية النبوة واختصاصاتها لكي تجعل مساحة ما هو نبوي محصورة جدا، ومثل هذا قد يغري من يعتقد أن المشكلة تكمن في النبوة، لكن سنجد أن هذه حيلة تاريخية كان الغرض منها، منح شرعية للاستبداد، لسراق الله، وللنهج الأموي التحريفي الذي عمل على الإطاحة بكل ما هو نبوي.. وذلك بتعزيز أخبار فيها استنقاص من النبي.. وحيث استعصى عليهم التصرف في نبويته، حاولوا التحرش بها وتصويره في الدنيا كأبله، وورث أحفاد الأمويين وابن تيمية هذا الرأي الذي يعيده رئيس حكومة يظن أنه من موقع حكومته، سيقنعنا بآراء ابن تيمية..)) (المصدر: تعليق إدريس هاني على مؤتمر الوسطية والاعتدال المنعقد بالدار البيضاء).

باختصار، يركز إدريس هاني، على كون المؤتمر، امتداد لفكر الإخوان المسلمين، وهي الجماعة التي أصبحت مصنفة كجماعة إرهابية من طرف الولايات المتحدة الأمريكية، مما يطرح السؤال حول: ما فائدة المغرب من احتضان لقاءات منبوذة في سائر دول العالم، وما دخل رئيس الحكومة التي تضم الليبرالي والعلماني والشيوعي في نقاش ديني؟ هل يصب ذلك في مصلحة المغرب، أم ضدها؟ هذا من حيث الشكل، أما من حيث المضمون، فقد خصص جانب من المؤتمر لتقييم تصرفات النبي، ومعنى ذلك؟ (بلغة أسهل)، أن العثماني ومن معه، سيقومون بتقييم تصرفات الرسول وتمييز ما هو بشري مما هو ديني، وهنا يطرح سؤال أخطر، إذا كان المجتمعون سيناقشون تصرفات النبي، وهو ما يندرج في خانة “التطاول” المثير للقلاقل(..)، فما رأيهم في “إمارة المؤمنين” التي تستمد شرعيتها من النبي صلى الله عليه وسلم؟

الباحث في الحركات الإسلامية والصحفي إدريس عدار، كان له تعليق خطير حول خطورة هذا المؤتمر الذي لم ينتبه إليه أحد، قال فيه: ((لقد تم تسريب المؤتمر للمغرب بعد أن تولت علنا إحدى الجمعيات تنظيمه، لكن المنظم الحقيقي، هو المنتدى العالمي للوسطية، منتدى تأسس ذات زمن بالأردن ليكون واجهة للتنظيم الدولي للإخوان المسلمين ومن دار في فلكهم من “السلفيات” الذين يسمون “الصحوات”، ولمزيد من التلبيس والتدليس، استحضر المنتدى لمؤتمراته عددا من الشخصيات السياسية والفكرية التي لا علاقة لها بالإخوان، والمؤتمر الأخير تم برعاية من سعد الدين العثماني، رئيس الحكومة، بل إن المؤتمر دار حول “كناش” كتبه منذ مدة حول “تصرفات النبي بالإمامة”.. هذا المؤتمر أخطر خطورة من غيره.. لقد أراد منظموه الفعليون تمرير أطروحة “وهابية” من خلال ملتقى دولي وفي بلد يتولى فيه “الإخوان” تسيير الحكومة، أي التمكين لرئيس الحكومة ومن موقعه هذا، ليصبح فقيها للأمة، يفتي في قضايا كبرى، يتطاول على موضوع أكبر منه بكثير لأنه لا اجتهاد دون شجاعة، ومن كان في بيت الدكتور عبد الكريم الخطيب ليلة أحداث 16 ماي الدامية يعرف منسوب “فقيه الحكومة” منها.. المؤتمر خرج بتوصيات لا تصدر إلا عن متطاول على مقام النبوة، من بينها إحداث لجان تابعة للمؤسسات المنظمة قصد التفكر في القضايا التطبيقية في حياة النبي والتمييز بين ما أتى منها بصفته الرسالية، وما أتى بصفته البشرية، دون أن ننسى التوصية المميزة المتعلقة بتدريس كتاب سعد الدين العثماني “التصرفات النبوية في الإمامة” ضمن برامج ومقررات الجامعات..)).

نفس المصدر يقول: ((نسائل المؤتمرين أصحاب التوصية العجيبة: بأي معيار ستعرفون ما ورد عن النبي وتصنفونه إذا ما كان مندرجا ضمن الرسالة أو ضمن اجتهاده البشري؟ إذا صدقنا هذا التمييز في أقوال وأفعال النبي، هل دلنا صاحب الرسالة على الأداة التي من خلالها نميز؟ لم يتأكد لدى أحد من المسلمين أنه يوجد هذا التمييز إلا في المدرسة الوهابية والتيمية، سليلة الإسلام الأموي، الذي هو انتقام من الإسلام نفسه)) (المصدر: “النبي والملك في ميزان العثماني” للكاتب إدريس عدار).

إن “التلاعب” في مكانة إمارة المؤمنين، ليس وليد اليوم في صفوف حزب العدالة والتنمية، ويكفي الرجوع إلى تاريخ أحد الحاضرين المحاضرين، وهو أحمد الريسوني، الذي اضطر ذات يوم ليستقيل من حركة “التوحيد والإصلاح” قبل أن يعود إليها بعد أن هدأت العاصفة، ((ففي يونيو 2003، أقدم الدكتور أحمد الريسوني على تقديم استقالته من رئاسة حركة “التوحيد والإصلاح” بعد تصريحاته المثيرة حول مؤسسة إمارة المؤمنين ليومية “أوجوردوي لوماروك”، وذلك بعد قيادة الحركة مرتين منذ 1996، تاريخ الاندماج بين “رابطة المستقبل الإسلامي”، التي كان ينتمي إليها هو نفسه، وحركة “الإصلاح والتجديد” لعبد الإله بن كيران. تصريحات الريسوني أحرجت الحزب، الذي تحسب عليه الحركة بشكل أو بآخر، ووضعته في مأزق كبير، كونها جاءت يومين فقط قبل تفجيرات الدار البيضاء، أي يوم 14 ماي، فخلطت جميع الأوراق وأظهرت تلك التصريحات وكأنها تعبير عن تيار موجود داخل الحركة والحزب يستهدف المؤسسة الملكية. في ذلك الحوار قال الريسوني: “إن الملك محمد السادس، ليس أهلا لإمارة المؤمنين، وأن المطلوب هو إنشاء مؤسسة للإفتاء الديني تضم العلماء”، وكان على الحزب أن يعلن موقفه صريحا من تلك التصريحات المثيرة، فخرج عبد الكريم الخطيب في تصريح صحافي يصف فيه الريسوني بـ “الغبي”)) (المصدر: جريدة المساء: 20/7/2008).

قد يقول قائل، إن حركة الإخوان المسلمين، التي تعارض توجهاتها الفكرية توجهات إمارة المؤمنين في المغرب، لا علاقة لها بـ “التوحيد والإصلاح”، لكن السؤال الذي يظل مطروحا، ما الذي يمكن أن يدفع برئيس الحكومة في عز الأزمة، للاجتماع مع محامي حركة الإخوان المسلمين، منتصر الزيات في الدار البيضاء؟ وإذا سلمنا بفرضية “فصل الدعوي عن السياسي”، فلماذا سيصرح واحد من المشاركين واسمه نور الدين الخادمي، مخاطبا سعد الدين العثماني: ((كتابك حول التصرفات النبوية السياسية أحسن من رئاستك للحكومة))، وهي الجملة التي كشفت عن “خلفية” المؤتمر الذي كان سينفجر بسبب هذا التصريح، لولا أن صاحبه انتبه للتطاول على السيادة الوطنية، فقال مستدركا: ((لا أريد أن أتدخل في الشأن الداخلي للمغرب)).

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!