في الأكشاك هذا الأسبوع

الحقيقة الضائعة | إشكالية المسؤول الأول عن الأمن الملكي

بقلم. مصطفى العلوي

الرجل القوي في المحيط الملكي ليس بالضرورة صديقه ومستشاره، لأن المستشار المكلف بالمهام السياسية الكبرى، المكلف بتحمل الحمل(…) حتى في غيبة الملك، هو نفسه في حاجة إلى الرجل القوي الذي يحميه ويحمي النظام الذي هو جزء منه(…).

وعندما كان الحسن الثاني في أوج عظمته، فإنه كان دائما يشعر بالحاجة إلى قطب أمني بجانبه، لا يفارقه، ولا علاقة له بالمكونات السياسية، من فصيلة الكولونيل بوعطار، الذي كان مكلفا بمراقبة القصر الملكي ليل نهار. نهارا حيث تتكاثر العفاريت، المرئية وغير المرئية(…) وليلا، حين كان يقضي جزءا من ليله في عبور مسالك القصر وممراته بحثا عن المجهول.

وعلى مستوى أعلى، كان الجنرال مولاي حفيظ، رغم مكانته العالية على الصعيد البروطوكولي الداخلي، مشهورا بأنه يعرف الشاذة والفاذة، من باب دار المخزن إلى المخازن السرية للمخزن، لذلك كان يؤخذ رأيه في الكثير من التحركات والتعيينات، كان الجنرال مولاي حفيظ أقوى من جديرة أيام الصديق جديرة، وأقوى من إدريس البصري عندما كان إدريس البصري يوصف بأنه الرجل الثاني بالنسبة للملك، والذي كان أكثر نفوذا من الملك، في مجال الأمن والمخابرات.

يحكي أحد مساعدي إدريس البصري، لحسن بروكسي، أنه كان في مهمة كلفه بها إدريس البصري في أكادير، حيث تصادف وجود الجنرال مولاي حفيظ في نفس الفندق، حين قال له موظف الأوطيل، إن كل الفواتير مدفوعة من طرف الجنرال.

ويذكر بروكسي أن رئيسه إدريس البصري كان يوما في مكتبه بالرباط عندما اتصل به الجنرال مولاي حفيظ، ليقول له: لقد وجدت فاتورة تواجد شخص يسمى بروكسي مدفوعة من طرفي، فمن هو؟.. بروكسي هذا هو الذي كتب في مذكراته عن فترة القوة الأمنية للجنرال مولاي حفيظ: ((إنه بعد موت الجنرال أوفقير، أصبح الجنرال مولاي حفيظ هو المنسق الأمني مع القوات المسلحة الملكية، وقد عرفت من تجربتي أن مولاي حفيظ كان هو حامي الملك الحسن الثاني من كل الذين يدورون في فلك المخزن)) (مذكرات بروكسي).

ورغم النفوذ الذي كان للجنرال مولاي حفيظ على الجيش كمؤسسة معقدة التركيب(…) فإن الحسن الثاني، أسلم لجنرال آخر، حسني بنسليمان، مهام الإدارة العامة للدرك الملكي، حيث لم يبق سرا، أن هذا الجنرال الصارم(…)، شكل واحدا من أقوى أجهزة الاستخبارات العسكرية، وقد قرأنا منذ أيام قليلة، أن إحالة خمسين ضابطا ساميا بما فيهم عدة جنرالات كبارا على التقاعد، خبرا صنفه بعض الصحفيين في حساب الزلزال الذي تحدث عنه الملك في خطابه الأخير، بعد أن كان أحد السياسيين المتتبعين، قد أخبر في حديث صحفي، أن الجنرال حسني بنسليمان، لم يبق مسؤولا عن الجانب الاستخباراتي للدرك رغم أن الجنرال بنسليمان، العسكري، راهن على خبرة القطب المدني، الميداوي، الذي اتفقوا جميعا على أن تجربته في وزارة الداخلية، كانت معتمدة على التدبير عبر التغيير(…).

والحقيقة هي أن الحسن الثاني كبشر، لم يكن بمستطاعه أن يعرف كل شيء(…) وكان متماديا في خطإ الثقة في القوة الظاهرة(…) إلى أن تلقى الدرس المفزع في هجوم الصخيرات، وضرب طائرته، وقتها فقط استفاد من تجربة الأمر الواقع، وأعطى الأسبقية للمشكل الأمني، الذي بدأه باعتماد الخبير الفرنسي، ساسيا، لمهمة إعادة تنظيم الأمن الملكي، وساسيا هو الذي استطاع من خلال مراقبته لرجال الأمن المحيطين بالملك، أن يكتشف أثناء حضوره إحدى التدريبات، أن شرطيا عاديا من الحراس(…) اسمه المديوري هو أنسب الضباط لحماية الملك، لأنه أكثر البوليسيين دقة في ضرب الأهداف بسلاحه، وكانت هي الميزة التي أهلت المديوري لأن يصبح القطب الرئيسي في حماية الملك، ويصبح الرجل الأمني في المحيط الملكي، في تلك المرحلة التي خلدها الكاتب الصحفي، عبد الحميد العوني باستنتاجه ((نرى بالملموس أن تعاون الجنرال القادري، والجنرال مولاي حفيظ ورئيس الحرس المديوري، قد أفاد التوجهات الطارئة للدولة(…) وأقام خلق درع للمراقبة)) (العوني. كتاب الجنرالات).

والمديوري هذا هو الذي أسس سلالة الأمن الملكي الخاص، حيث كان الحموشي الذي أصبح في حاضرنا الرجل الأول في جهاز الأمن الوطني، بعد أن كان لسنوات طويلة، يشكل بجانب المديوري مجموعة الحاج تمام، ومهراد، وفكري، والجعيدي، المجموعة التي تكلفت بعد وفاة الحسن الثاني بأمن خلفه الملك محمد السادس، بعد أن كانت ظاهرة الجنرال العنيكري تؤهل هذا العسكري القوي، والذي يظهر أنه كان على علاقات وطيدة بالأجهزة الأمريكية(…) أهلته للتكفل بتأسيس وحماية أمن الأمير الإماراتي، الشيخ زايد بن سلطان، الذي احتفظ بالعنيكري عدة سنوات، جعلته يلقى صعوبة بعد رجوعه في ملإ الفراغ الذي تركته وفاة الجنرال مولاي حفيظ، لتتولى الأحداث السرية(…) عملية التهام أخطاء الممارسة، لواحد من رجال ثقة العنيكري، أحمد الحراري، الذي كان مسؤولا من طرف العنيكري على جهاز حماية التراب الوطني، والذي تم تعويضه في ذلك الزمان بعبد اللطيف الحموشي، الذي استطاع تجاوز المجموعة كلها لتحمل المسؤوليات الكبرى للأمن الوطني، وحماية التراب الوطني، والذي أدرج سنة 2014، المصالح الأمنية للقصر الملكي في اختصاصاته، الشيء الذي غيب ظاهرة المرافق الأمني الأساسي لملك البلاد، حسب الأصول المخزنية للقصور الملكية، وهي المهمة التي رشحت لها الظروف طويلا، المرافق الجعيدي، الذي لازالت لحد الآن لم تظهر مبررات إبعاده عن المحيط الملكي، وتركه على هامش الأطراف الزرقاء للفيسبوك.

ولا شك أن الأجهزة الأمنية العالمية، بما فيها الأجهزة الفرنسية التي تعتبر شريكة رئيسية بالنسبة للمغرب، وأجهزة المخابرات الأمريكية، وجهازها “السيا”، التي كانت ذات ارتباطات مصيرية أيام الجنرال الدليمي. هذه الأجهزة، من المؤكد الآن أن تتساءل عمن هو الرجل القوي أمنيا، في محيط الملك محمد السادس، وهي التي تنطلق في حساباتها من حتمية تواجد الرجل الأول أمنيا، والمكلف نظريا وعمليا بالمهمة الأمنية الداخلية والخارجية للمغرب على الصعيد الاستراتيجي، والذي يتعدى مهام الإرهاب التي تشغل الأجهزة الأمنية حاليا بالقضايا الداخلية، والتي تترك التساؤلات مطروحة في حالة الرجوع إلى ما قاله الخبير الفرنسي الكبير دومارانش: ((إن المغرب مهمته محصورة في حراسة مضيق جبل طارق، الشديد الحيوية لمعسكر العالم الحر)) (شوكروس. رحلة الشاه الأخيرة).

شوكروس الكاتب ودومارانش الخبير الأمني، اتفقا معا على أن جهاز الحسن الثاني كان قويا منظما، بشكل أهله أيام نهاية الشاه، للتغلب على ظاهرة التلاعب الاستخباراتي الأمريكي(…) الذي اكتشفه شاه إيران في ساعاته الأخيرة حين كتب: ((إن الرئيس الأمريكي كارتر خدعني، لأنه يقول لي أنه يؤيدني تأييدا كاملا، بينما هو يتفاوض مع المعارضة سرا في الخفاء)) (نفس المصدر).

الواقع الذي جعل الشاه في ساعات ضيقة، يستنجد بأمن الحسن الثاني: ((لإرسال قوات أمنية مغربية لمحاولة مساعدته في إنقاذ عرشه)) (حسنين هيكل. مدافع آيات الله).

ومن بين الذين التهمتهم بالوعة الأحداث، التهمة التي تحولت – بكل غرابة – دون تأهيل شخص معين(…) لمنصب الرجل الأول في الأمن الملكي، إلى ظاهرة القطب الأمني، الشرقي الضريس، الذي تذكرنا الأحداث بنجاحه عندما كان واليا في مدينة العيون وقال عنه بعض الصحراويين: ((لقد أعجبنا بقدرته على الاستماع(…) وانفتاحه على جميع المكونات، والاستنجاد به أثناء اندلاع قضية منير الرماش لاحتواء غضب القضاة والمحامين، وإرساله على وجه السرعة للحسيمة(…) حيث أرسل لتهدئة السكان ثلاثة أيام بعد وقوع زلزال الحسيمة(…) قبل أن يعينه الملك محمد السادس عاملا للشؤون العامة في وزارة الداخلية، ليصبح مديرا للولاة سنة 2003، وهو الذي عرف في عهد إدريس البصري أن يظل بعيدا عن دوائر الوزير القوي وأقام تحالفات مع الرفاق السابقين لولي العهد(…) ليصبح من أقرب مساعدي يس المنصوري وأحد الأوفياء لفؤاد الهمة)) (نيشان. عدد 16 شتنبر 2006).

فماذا أبعد الضريس، بعد هذا المسار الناجح الذي غطى على الفراغ الذي تركه الجنرال العنيكري، حتى بعد  أن أصبح في مرتبة وزير للداخلية.

عندما نعرف أن الحسن الثاني، رغم تركيزه على تواجد الرجل المكلف بالأمن بجانبه، فإنه لم يكن يقنع بهذا التواجد، وقد سمع بروكسي مساعد إدريس البصري، الملك الحسن الثاني يقول لبعض مساعديه: ((أنا وحيد معكم في هذه الباخرة، فهذا مصير الملوك، لأنهم يشعرون دائما بالوحدانية)).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!