في الأكشاك هذا الأسبوع

متابعات|| مولاي هشام وحراك الريف

إعداد: عبد الحميد العوني 

حاضر الأمير مولاي هشام مؤخرا في جامعة هارفارد، حول موضوع: “معنى العروبة في زمن الثورة”، وشمال المغرب الناطق بالأمازيغية، بمنطقة الريف، يرفض من خلال قائده، ناصر الزفزافي، أي انتساب لحراكه بالعرب، ومن الغرفة 201 E  التي يتابع فيها ابن عم العاهل المغربي، تخصصه في “العلمنة والدمقرطة بعد الربيع العربي”، تتأسس المقاربة المختلفة، لكنها تتفق مع إعلان الملك محمد السادس عن فشل النموذج التنموي الحالي، لأن المشكلة اقتصادية.

وحراك الريف، من أكبر التحديات التي تواجهها الدولة المغربية، بل يرقى إلى لعب الدور الحاسم في صيغ الاحتجاجات القادمة بالمملكة، وإن استثمرت الدولة ميزانيات مهمة في الريف، لكنها لم تعط ثمارا، لأنها لم تكن استثمارات معقلنة خاضعة لمخطط تنموي واضح تشرف عليه مؤسسات ذات كفاءة.

ومن اللافت أن يقول الأمير، بأن الزلزال السياسي، حدث، فيما الخطاب الأخير للملك، يقول بعدم حدوثه بعد في المغرب، وهو من يقرر ساعته، وسيديره من موقع المبادرة، وليس رد الفعل.

وينفي المشكل الذي يدور حول الاقتصاد، الطابع السياسي الذي دفع رئيس الحكومة سعد الدين العثماني، بعد خطاب الملك، إلى خلق لجنة لإعادة تنقيح أو تعديل النموذج التنموي للمملكة، لجعله أكثر فعالية، ويختزل الجهاز التنفيذي والحزبي، الزلزال السياسي في تعديل النموذج الاقتصادي الجاري به العمل.

وأخذت الخطب الملكية، بعد عزل بن كيران من الحكومة، انعطافة بدأت بخطاب العرش، وجاءت استقالة العماري على إثره من حزب الأصالة والمعاصرة، وبعدها سقط شباط من قيادة حزب الاستقلال، ليطوي الجميع الزعامة الحزبية التي طالبت بإسقاط “التحكم”، وصار الخوف قويا من مصالحة تاريخية بين هؤلاء المستقلين والمبعدين من قيادة الأحزاب الثلاثة الأولى في المملكة.

وكان هذا الاقتراح علنيا من إلياس العماري، كاد في تحققه أن يعلن انتصار الأحزاب التي فشلت في الوساطة في أحداث الريف وفي قيادة الحكومة، وانتهى تحالف النقابات والأحزاب إلى “أزمة ثقة كبيرة” جعلت الشارع يدخل إلى الساحة لتوجيه القرار، وكان على الحكومة الاستقالة لاتهامها حراك الريف بالانفصال، مما زاد الفجوة بين أحزاب الأغلبية وساكنة الشمال المغربي، وهي ضربة قاسية لشعبيتها، و”الحراك في الأصل، ليس انفصاليا” كما يقول الأمير، وليس مظهرا من مظاهر المزاج الريفي، والمشكل بالنسبة للدولة المغربية، أن هذا الملف مختلف عن المشاكل السابقة، ليس مشكلا إيديولوجيا ولا قوميا ولا إثنيا ولا اشتراكيا ولا إسلاميا، ولا يتبنى الطروحات السياسية والإثنية، فينفلت من التصنيف الذي وضعته الدولة للاحتجاجات إلى الآن، مما استدعى تدخل إمارة المؤمنين بقوة في هذه المرحلة.

 

+++ الأمير مولاي هشام مع العلمنة، وبفشل الربيع الحساني (إكديم إزيك) والربيع الأمازيغي (حراك الريف)، طرح الجميع سؤال الاقتصاد، وأقر الملك بفشل النموذج التنموي الحالي، ووافق ابن عمه على نفس الخلاصة، فيما ارتفعت مظاهر إمارة المؤمنين في افتتاح البرلمان أخيرا، وسبق للسلطات أن اعتقلت الزفزافي قائد الحراك الاجتماعي المحلي شمال المملكة، بجنحة مرتبطة بعبادة، قبل أن تضاف إليها اتهامات بمسه أمن الدولة

 

في هارفارد، يبحث مولاي هشام في تخصص: “العلمنة والدمقرطة ما بعد الربيع العربي”، وهذا الربط الجدلي بين العلمنة والدمقرطة، يذهب بعيدا، والمغرب يتحرك كما قالت زميلته سوزان جيلسون ميلر، من جامعة كاليفورنيا، في نونبر الماضي، على نفس الكرسي الذي اعتلاه الأمير: “إن المملكة لا تعرف تعددها الثقافي في إطار الإمارة الإيمانية، وإن أقرت أن الإيمان الإبراهيمي متعدد”، وفي محاضرتها تحت عنوان: “ما بعد الربيع العربي في المغرب: تأملات في التاريخ والتعدد الثقافي وحقوق الإنسان”، ما يفيد أن حراك الريف، ناتج عن تاريخ يضرب جذوره إلى عهد عبد الكريم الخطابي، ورافد ثقافي يتمثل في الأمازيغية، وأزمة لحقوق الإنسان بعد اعتقالات وصلت إلى ما يزيد عن 300 ناشط، والنظرة الاقتصادية للحل، هروب إلى الأمام لإبعاد طرح سؤال الثروة، منذ الاستقلال إلى الآن، كما صرح شباط على الملإ، وأيضا علاقة العرش مع منطقة الريف زمن محاربة الاستعمار المزدوج: الإسباني ـ الفرنسي.

ولا يزال نشطاء الريف حريصين على عدم تسييس موضوع اعتقالهم، أو بناء مطالب سياسية لأنهم مدافعون عن حقوق اقتصادية واجتماعية، وقد استفادوا من تراث وزخم حركة 20 فبراير في الربيع العربي، ومن “الدياسبورا” المغربية، وخاصة الريفية منها في أوروبا، ولم يعد هناك إمكانية لتشجيع الهجرة كما في النموذج التنموي السابق.

وكل ما سيعرفه المغرب في المستقبل، يرتبط بما ستؤول إليه أزمة الريف، لأن الشباب خرج متظاهرا على المأسسة الفاشلة والإصلاحات غير المكتملة، لذلك، فحراك الريف ليس ردا على أزمة ما بعد حراك الربيع العربي الذي تعرفه المنطقة.

وفي هذه القراءة التي قدم لها طارق مسود من سلطنة عمان، والبروفسور في “هارفارد”، كينيدي سكول، يلاحظ الأمير مولاي هشام كما في مقال سابق في جريدة “لوموند دبلوماتيك” تحت عنوان: “المغرب العربي بين السلطوية وأفق التحول الديمقراطي”، “أن الاستقرار، هش وقابل للانفجار أمام أزمة اقتصادية مفاجئة قد تحرك الشارع، خاصة في المغرب”.

وقد تتحول الهوية الأمازيغية إلى مصدر توتر قوي للرد على السلطوية، وهي تدير حاليا التحول الاقتصادي للمملكة، فيما حراك الريف، دفع بالنظام إلى الاعتراف بفشل نموذجه الاقتصادي، وأي تحول اقتصادي سـ “يجعل الهوية الأمازيغية مصدرا موازيا للمخزن”.

ومحاولة مولاي هشام دمج المطالب الاقتصادية والاجتماعية في الريف، وباقي شمال المغرب، ضمن ما بعد الربيع العربي، أسلوب لاحتواء الوضع المتفجر، والعمل على “المعالجة التقنية” للمشكل التنموي في جهات المملكة، وتكون المواجهة في هذه الحالة، مواجهة مدنية وعصرية بين الشباب والنظام غير العادل، لكن حمل المتظاهرين لعلم “تمازغا” وعبد الكريم الخطابي، يؤسس لـ “بديل آخر”، وهو ما تخشاه الأجهزة الأمنية، وتحاول من بعض التفاصيل البسيطة، تأسيس المخاوف القادمة.

ولا تجيب النخبة الرسمية عن مرحلة “ما بعد حراك الريف” و”الزلزال السياسي” الذي بدأ ضد الأحزاب في خطاب العرش، وخطاب الزفزافي باسم “الدكاكين السياسية”، وهو ما يقصي أدوات العمل الحالية، ويدفع إلى حالة الإفلاس السياسي بعد الاعتراف بالإفلاس الاقتصادي.

من جهة، لأن انتقاد الأحزاب متواصل من الإدارة والشعب، ولا نعرف إن كان النظام يعلم أن جروحه العميقة في المدن الصغيرة والأرياف، يفقده رصيده، حسب نظرية “لوفو”: “الفلاح المدافع الأول عن العرش”.

والعالم القروي الذي يحوله النيوليبراليون بشكل جذري، من خلال استراتيجية أخنوش “دمروا نظرية البروفسور الفرنسي لوفو”، ومع المقاربة الأمنية التي رفع صيتها خطاب العرش، تكون الخسارة السياسية مضاعفة، وتتطور بشكل سيء، لأن الأحكام القضائية ضد نشطاء حراك الريف، قد تزعزع ما تبقى من السمعة السياسة والقضائية المتبعة.

وبمراجعة أوراق مركز “ويذر هيد” التي يتابع فيها مولاي هشام سلك ما قبل الدكتوراه، يؤكد مديره، ستيفن بوم فيلد، أن الرؤية العميقة، ليست اقتصادية لتداخل عوامل التاريخ والثقافة وحقوق الإنسان في الصراعات الجديدة في العالم العربي.

وينطبق هذا التداخل على حراك الريف، فبعده التاريخي الذي اقترح “الجمهورية” بديلا عن الاستعمار مع عبد الكريم الخطابي، وبعده الثقافي (الأمازيغية إلى جانب العربية)، وبعده الحقوقي (حقوق الإنسان) الذي عوض المقاربة الأمنية منذ خمسين سنة، أبعاد واضحة دون التطرق للبعد السياسي بشكل مكشوف.

وتحولت الحرب حول الملكية إلى حرب استراتيجية بين حلفائها، حيث يكسر طرف أطراف أخرى في المعادلة، وفشلت الموجة الجديدة، وهي من نخبة النظام التي تجمع بين قرار السلطة والاستقرار، وهذا الصراع من داخل النظام، أدى إلى استخدام تكتيكات قد تفشل معها الدولة وإن بقي النظام.

وفي مقاربة هاريس ميلوناس من نفس الكرسي في “هارفارد”، نستخلص أن العالم عاش أربع موجات ما بعد الشيوعية، ونعيش حاليا الموجة الرابعة، وفي الموجة الثالثة، سقط بن علي في تونس ومبارك في مصر وصالح في اليمن وباكييف في قارغيزستان.

وقد تكون نماذج دموية في الانتقال كحالة رومانيا في شرق أوروبا، ويواجه المغرب إما مرحلة ما بعد الربيع العربي، أو الموجة الرابعة التي ستسقط أنظمة جديدة.

واصطف الأمير مولاي هشام إلى جانب الملك المغربي في إعلان فشل النموذج التنموي والاقتصادي في المملكة، وإكمال الإصلاحات، وفي مقدمتها الجهوية لتجاوز الأزمة، لكن هذا الاتفاق في المقاربة والحل بين الملك محمد السادس وابن عمه الأمير هشام، يضاعف الانقسام الذي دفع بالأمير في محاضرته الأخيرة، إلى تعريف الموجة الديمقراطية الرابعة في فترة ما بعد الربيع العربي بـ “العروبة”، بعيدا عن التعصب العرقي، كما نظر لها ميشيل عفلق، فكانت الثورات العربية في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، متلازمة مع الانقلابات العسكرية، وشحن العروبة بالقيم الديمقراطة كي لا تكون موازية للبعثية، وباقي التيارات القومية، خيار استراتيجي عند البعض، أي أن إفراغ العروبة من الديكتاتورية العسكرية ودمقرطة قيمها من خلال إحياء المنظومة الحضارية التي شملت “البربر” (باستخدام الأمير)، واليهود المسلمين، وباقي مكونات الخارطة العرقية الطائفية والدينية في المنطقة، يعد تطورا، لكن النظرة الأمريكية إلى أكراد سوريا في ما يدعى “قوات سوريا الديمقراطية” تتجه إلى دمقرطة الأقليات في الوطن العربي، فيما تقترح روسيا دمقرطة العروبة بعلمنة وفدرلة الدول الموجودة، للوصول إلى خارطة جديدة ومتوازنة.

ويدفع مولاي هشام إلى انخراط الأمازيغ في “العروبة الديمقراطية” والموجة الرابعة لإنشاء نظام إقليمي وجماعي متقدم لحقوق الإنسان.

وحسب هذه المقاربة، يجب أن يذوب “أنصار إفريقيا” في المؤسسة الحاكمة، وأنصار “التيار الأمازيغي” غير الثقافي، ولا يعتقد المراقبون بإمكانية انتقال المصالحة السريعة للعروبة والثورة إلى مصالحة شعوب الشرق الأوسط وشمال إفريقيا مع الديمقراطية، فالمشكل، هو أن النظام يهندس، والشعب يثور.

وبين هندسة النظام وثورة الشعب، تدور المصلحة الاجتماعية بين الموالاة والمعارضة، واضطر الملك إلى إعلان فشل “النموذج التنموي” الحالي، لأن الحكومات لا تصنع نماذج، والأحزاب تطبق ما قررته مراحل هذا النموذج.

من جهة، أنهى الملك النموذج التنموي في الصحراء ـ الأقاليم الجنوبية ـ وقال أخيرا بفشل النموذج التنموي المغربي، وحاول الأمير هشام من جهته، أن يعالج مشكل الريف من خلال “إدارة ما بعد الربيع العربي”، ومن زاوية اقتصادية، كي لا يتحول البعد الأمازيغي إلى مشكلة إثنية، وقد يضع المملكة في مواجهة بركان، تبحث أطراف على تجذيره من خلال عدم طي صفحة الريف بالعفو الملكي.

هذا التواطؤ بين المعتقلين والنظام على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، يفيد عدم انحراف مطالب الشارع، ويكون الزفزافي قد خدم سياسيا النظام الحاكم، لأن الصراع، رغم جسامته، مؤطر، وتحاول أطراف اتهام المطالبين بحقوقهم الاقتصادية بـ “الانفصال”.

ولجوء الجميع إلى “الطابع الاقتصادي” للاحتجاجات التي شهدتها الحسيمة، بعد مقتل محسن فكري، تجاوز مسألة الثروة نحو إعادة بناء النموذج الاقتصادي المغربي.

وتتفق دوائر النظام على إبعاد سؤال الثروة، وطرح سؤال النموذج التنموي الفاشل القابل للإصلاح والتعديل بأمر ملكي.

وتمتد هذه الروح الواحدة بين أفراد الأسرة الحاكمة، وباقي دوائر النظام، من خلال أمرين:

1ـ إدخال حراك الريف ضمن آليات تحليل إقليمي لا تكون له أي خاصية، فالصدام الذي حدث بين شباب ونظام، يعتبرونه غير عادل معهود في زمن الثورات، ودخول حراك الريف ضمن حالات ما بعد الربيع العربي، جزء من الأمن القومي، تطبيقا لنفس التوازن الذي عمل به الحسن الثاني، فكان ضد القومية العربية لجمال عبد الناصر وحزبي البعث العراقي والسوري الممتد إلى جزائر بومديان، لأن شعبه أمازيغي وضد القومية الأمازيغية، لأنها قادت انقلابين عسكريين.

ومحاولة القول أننا “في منطقة وعصر الثورة” في العالم العربي، كما في عنوان محاضرة مولاي هشام، إحياء لنظرة الحسن الثاني في مقاربة الوضع، وإحياء أيضا، لآليات العرش العلوي في حماية نفسه، كما حدث في زمن الثورات والانقلابات العسكرية في القرن الماضي.

2ـ القول بأن العالم العربي تحول إلى منطقة ثورية، يشمل بطبيعة الحال، الأمازيغ واليهود وباقي المكونات، ولا يمكن علميا تخصيص “إثنية” أو “طائفية” بما يجري في هذه المنطقة المتفجرة، ولذلك فالقول بوجود “ربيع أمازيغي” كما قال بذلك سعد الدين العثماني رئيس الحكومة، قبل أن يرأس الحكومة، انتهى بنهاية مطالبته بحكم ذاتي للريف، وهي التهمة التي يعتبرها القضاء في الدارالبيضاء “انفصالا”، ونهاية استعمال “الربيع الأمازيغي”، شيء قائم، لأن حكومته تسحق بجرأة، الحق في الحرية كما تنشد تطلعات حراك الحسيمة والريف.

وإيمان مولاي هشام، بأن المغرب ليس استثناءا، لقوله لا فرق بين الدار البيضاء والقاهرة، يثبت انتماء بلاده إلى هذه “المنطقة الثورية”، ولابد أن تنتمي إلى “العروبة الديمقراطية” إن صح التعبير.

وفي واقع الحال، فإن المنطقة العربية، بؤرة ثورية قادت الجيوش جيلها الأول في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، وقادت الجماهير جيلها الثاني في بداية العشرية الأولى من القرن الحالي.

وهذه الدورة ناسفة، ولا يمكن توقع مسارها إلا من خلال “دمقرطة العروبة”، وسيساير البعض في هذا التقدير “دمقرطة العبرية” من خلال تجربة إسرائيل.

 

+++ الهندسة ـ التي يقودها النظام ـ لوقف الثورة التي تشارك فيها الجماهير

 

إن الهندسة تقتل الثورات، وما تعيشه روسيا يكشف أن “الهندسة الاستخبارية” لـ “كي. جي. بي” استعادت الدولة من الجماهير ـ الثورية ـ المطالبة بالديمقراطية، كما استعادت نفس المخابرات العسكرية في مصر وسوريا المبادرة بدعم روسي، وترغب كل هندسة استخبارية في المنطقة العربية، في استعادة المبادرة.

ونطق مولاي هشام في محاضرته بالإنجليزية، لفظ المخابرات بالعربية، لثقلها الشديد على المشهد، وليس لنجاحها في أي مرحلة من مراحل الثورة، والانقلاب على مرحلة ترتيب عسكري في فترة ما بعد الربيع العربي كما فعلت “كي. جي. بي” مع بوتين لترتيب مرحلة ما بعد ثورة “الجلاسنوست” مع غورباتشوف.

وعزلت موسكو غورباتشوف، كما عزلت مصر مرسي، وبدأت الثورة العربية موجة أخرى، فيما التحول خطير في المشرق العربي، لأن التشيع تحول إلى “تحالف سياسي”، وبعد حصار قطر، ليس هناك تحالف سني، وفي شمال إفريقيا تتحول “الإثنية الأمازيغية” يوما بعد يوم إلى “إثنية سياسية”، لأن محاكمة نشطاء حراك الريف، تغير النفسية العامة في الحسيمة وخارجها.

 

+++ في الدقيقة 16 من محاضرة جامعة “هارفارد”، قال مولاي هشام بقيام الأمازيغ الذين سماهم “البربر” بتأسيس مشروعهم إلى جانب الأكراد (الذين قاموا باستفتاء على استقلال دولتهم في شمال العراق)، واليهود (الذين قرروا مصيرهم في إسرائيل) والمسيحيين (الذين لهم مشروع ماروني في لبنان)

 

العروبة، على نفس خطوات “الجرمانية الرومانسية”، وضعت الأطراف في مواقع بناء هويات جديدة في عصر الثورة الذي يعيشه الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ويهدد هذا الوضع، إن لم تتدمقرط العروبة، بظهور مشاريع الكرد والبربر واليهود والمسيحيين.

والتشدد الذي تبديه الرباط تجاه حراك الريف، ناتج عن هذا التخوف، فالمسألة تتعلق بمساس بالأمن الداخلي للمملكة، لأن المشروع في الريف، ليس اقتصاديا، بل الحراك انفصالي.

ويتفق مولاي هشام مع نظرة الملك محمد السادس والأجهزة الأمنية المغربية حول الموضوع، وأقر النظام بفشل نموذجه الاقتصادي، ومحاسبة الوزراء والمسؤولين في إدارته بقدر محاسبته للنشطاء في حراك الريف.

والتعاطي بجدية مع المقاربة الاقتصادية، ينفي على الملك دعمه المباشر للنيوليبرالية التي يتزعم الوزير أخنوش تطبيقها في الحكومة الحالية.

 

+++ الملك يعلن عن فشل النموذج التنموي الحالي الذي يديره حاليا الوزير النيوليبرالي عزيز أخنوش

 

عندما وصلت الخطوات النيوليبرالية إلى الفلاحة والصيد البحري، بدأت مدن ساحلية ومالكين زراعيين ورعاة، في الثروة، وقمعت جماهير المدن الصغيرة والقرى، وهو ما حول الفلاح المدافع عن العرش، والمعفي من الضرائب منذ عهد الحسن الثاني، إلى المواجهة لدخول الخليجيين وأباطرة الصيد البحري إلى ساحته، فماتت الزراعة المعيشية والصيد التقليدي، وما يجري حاليا، ثورة لهذين النمطين المهددين بالموت.

إن إيمان الملك بفشل المشروع النيوليبرالي والدعوة إلى مشروع جديد، جعل الحكومة تعلن عن لجنة لتعديله دون الوصول إلى جوهره، وما جرى، احتواء لمبادرة الملك، وهو ما يعصف بالجهود الراهنة لبناء نمط اقتصادي متوازن، والتهديد بزلزال سياسي، لم يمنع الحكومة من القول أنها لن تسقط أو تعدل بشكل كبير.

ويدفع هذا الوضع إلى جهوية متقدمة قد تتحول من هذه البوابة، إلى “تثوير” المشروع وتسليم “سوس” حكما ذاتيا على شاكلة ما طلبه العثماني للريف.

في خطابه أمام البرلمان، هدد الملك بالزلزال السياسي إن تجاهلت الحكومة والأحزاب ما يجب العمل عليه، لمنع المغرب من الالتحاق بانعكاسات ما بعد الربيع العربي، وتشمل انفصال الأكراد، والتخطيط لانفصالات جديدة في المنطقة، وعادت المعارضة الممنهجة لاستراتيجية الملك إلى استخدام وسائل “فشل الدولة” مع تقديس النظام، وهو ما يكرس إدخال الماء لإغراق ما تحت السجادة، ومن الطبيعي أن الأجهزة الأمنية التي حاربت الإسلام الجهادي، تحارب احتمالات انفصال إثني في الريف.

والهروب إلى إفريقيا، أو العروبة بمحتواها الديمقراطي بعد الربيع العربي، خياران كي لا يسقط المغرب في ثورة أمازيغية، وبالتالي، فإن قدرة المغرب على بناء نموذج اقتصادي جديد بواسطة النيوليبراليين في الحكومة، ليست خيارا دقيقا.

إن الضغوط المتوالية لمحاسبة نشطاء الريف والمسؤولين عن مشاريع الحسيمة دفعة واحدة، خيار تهدده استقالة العثماني وإسقاط الحكومة.

ويكون الزلزال الموعود، من استقالة هذه التشكيلة التي يقودها أخنوش قبل السماح للقصر بإجراءات الزلزال السياسي، وهذه التقديرات لا تخدم بأي حال مستقبل الاستقرار، وتفرض على رئيس الدولة “المعالجة القصوى”.

وحاليا، يعود مستقبل الأمازيغية والعربية، في ظل صراع مدروس ضد نشطاء الحسيمة والريف ككل إلى الواجهة، فتحديد الصراع الإثني، بدسترة لغتين رسميتين، يسمح لكل إدارة ذاتية بتغليب لغة رسمية على أخرى، وحماية هذه الاستراتيجية من النيوليبراليين في الحكومة، يفجر الوضع في المدى المتوسط، ويسحق صورة المغرب.

ومطالبة الملك لحكومة يهيمن عليها أخنوش بتعديل النموذج التنموي، خلق أزمة صامتة، لأن المسألة لا تعني المزيد من التعديلات النيوليبرالية التي بدأها أخنوش بشكل محتشم في حكومة بن كيران، ويطبقها في إطار الصراع والمحاكمات في عهد العثماني، بل تعني الفاتورة الاقتصادية والحقوقية المرتفعة والتي لا يستطيع النظام دفعها خارجيا.

وبشكل ممنهج، يعرف القصر القريبين منه والمعرقلين بشراسة لخططه واستقراره، ولذلك، قرر أن يرفع الغطاء عن هؤلاء تحت ما سماه الزلزال السياسي، وإن دفعوه إلى هذا الخيار، فهو يريد “تنمية متوازنة ومستديمة” لا يحكمها الأمن ـ الداخلية ـ أو النيوليبراليين ـ في باقي الحكومة بقيادة أخنوش.

وهذا الخلاف بين النيوليبراليين والأمنيين حول الملك، قد يدفع بهذا الزلزال السياسي إلى عودة مولاي هشام إلى دائرة القرار، وتعود أسماء كبيرة، وعلى الهامش، لإخراج المغرب من هذه الوضعية الصعبة، وقد تورطت فيها مصالح فئة حاولت إضعاف القصر من أجل فرض أجندة رفضها الملك وقرر مقابلها، مراجعة النموذج الاقتصادي، والاقتصاد يرسم السياسة.

تعليق واحد

  1. تحليل رائع و عميق …نادر جدا ان تجد مثل هذه التحليلات الراصدة و القوية في ظل سوق الجرائد الالكترونية و المحللين المطبلين…لكن اولا و اخيرا لا خيار للشعب المغربي سوى التشبت بالعرش العلوي و بالملك ….و لابد من مفكرين و كتاب و محللين وطنيين من المساعدة في توضيح ما خطته اناملك …بدل التطبيل و التحليلات الفارغة في قنوات الصرف الفضائية و الارضية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!