في الأكشاك هذا الأسبوع

الحقيقة الضائعة|| الفرنسيون حولوا مراكش إلى كعبة لهم..فأصبحت باريس كعبة للمغاربة

بقلم: مصطفى العلوي

فرنسا، هاته الدولة التي أصبحت تشاركنا في كل شيء، فأعطيناها كل شيء، وأصبحت بالنسبة لنا كل شيء، إضافة إلى بعض المجالات الصناعية والتجارية التي هي كل شيء، وفي المجالات الشخصية أصبحت تحظى من رموزنا بكل شيء، فرنسا خليقة بالتنويه، والتعظيم، وربما.. من يدري، ربما أصبحت فرنسا يوما من المقدسات، كيف لا.. وكل شيء في فرنسا، التجارة في فرنسا، والدراسة في فرنسا، والعلاج في فرنسا، والراحة في فرنسا.. بينما الواقع أنه منذ حوالي مائة عام، لم تكن فرنسا بالنسبة للمغرب تساوي شيئا. لنقرأ في صحيفة فرنسية، في بداية القرن المنتهي وهي تنقل للقراء الفرنسيين أخبار مبعوثين مغاربة من رتبة وزراء، قاموا بزيارة رسمية لفرنسا، قبل إمضاء عقد الحماية، وهو الزمن الذي كانت فيه جيوش الجنرال ليوطي قد تسربت من الجزائر، واحتلت أطرافا من المغرب مثلما احتل بعض الأذكياء الفرنسيين مواقع في محيط السلطان مولاي حفيظ، الذي بعد أن كانت جيوشه تحارب الاحتلال الفرنسي في الشاوية، كان هو الذي أمضى عقد الحماية، بعد أن أرسل وزيرين في حكومته لمفاوضة الفرنسيين سرا في باريس، فكتبت الصحافة الفرنسية التي لا تحفظ سرا: ((إن الوزيرين المغربيين، المقري وعبد الله الفاسي، قدما لباريس لتحسين العلاقات، والبحث عن التسهيلات بين المغرب وفرنسا، غير أنهما أصبحا يتطوفان مع من معهما(…) على شوارع باريس، ويتفرجان في الطياطرويات ومواقع اللعب.. ويتبخترون في ملابسهم(…) ويزينون حوائجهم)) (جريدة لوطان. عدد 9 نونبر 1909).

وبعد إمضاء عهد الحماية في فاس سنة 1912، أصبحت فرنسا هي العدو المحتل للمغرب، ليحمل المغاربة السلاح في الجبال والسهول والصحاري لمحاربتها إلى غاية 1938، وليسعد بالتعامل معها بعض كبار الضباط المغاربة في الجيش الفرنسي، الذين شاركوا أولا في الحرب العالمية الأولى والثانية، وبعض المحظوظين بالدراسة في فرنسا من أبناء الأعيان(…) لتكرس فرنسا ذلك العداء الدفين بالرغبة في إبعاد الملك الوطني، محمد الخامس، عبر نفيه إلى كورسيكا ثم مدغسكر، وليكون الاستقلال المغربي غالي الثمن، الذي قدمه أبناء المغرب فداء للاستقلال.

ورغم أن فرنسا ارتكبت في حق المغرب خطئا أزليا وهي ترغم على إمضاء استقلال المغرب، حين اقتطعت أطرافا من الجنوب المغربي لتضمها إلى الجزائر، وكانت متيقنة أن تلك المناطق غنية بالبترول والمعادن، وتعرف أنها لن تغادر الجزائر أبدا، كل العناصر إذن، متوفرة لتصنيف فرنسا في سياق العدو الأزلي للمغرب.

فماذا جرى.. يا ترى.. حتى أصبحت فرنسا، كما نراها الآن، في فترة وجيزة لا تتعدى الثلاثين عاما، هي الصديقة والشريكة والعاشقة، وفي كثير من الحالات، هي المعشوقة.

ومن هو هذا العقل المدبر الذي حول العدو الفرنسي إلى الحبيب المتكبر.

بينما الذي يراجع تاريخ الملك الحسن الثاني في معاناته مع الدولة الفرنسية، يكتشف المآسي السياسية التي تخللتها محاولات الانقلاب الأولى والثانية، التي كانت بتنظيم من ضباط مغاربة فرنسيي التكوين والتوجيه(…) بعد توريط المغرب في عملية اختطاف زعيمه المهدي بنبركة، وتضخم عبارات اتهام المغرب من طرف المثقفين والصحفيين الفرنسيين الذين كرسوا إفسادهم لسمعة المغرب، بواسطة عدة كتب مرمدت السمعة الملكية المغربية، وكأنها تحضر الأجيال المغربية للانقلاب على النظام المغربي، وقد تبنى كبار الكتاب والصحفيين الفرنسيين الغوص في أعماق الأخطاء المغربية لتضخيمها وتفعيل الكراهية في حق نظامها، كان آخرها ما أصدره الكاتبان الفرنسيان “كاترين كراسي”، و”إيريك لوران”، في كتابهما “الملك المستحوذ”، والذي أرادا تجديده في كتاب ثاني طالبين أموالا طائلة للامتناع عن كتابته.

مواكبة لهذا الواقع الملموس، المشمول بعناصر العداء المتمكن، تسربت العوامل المصلحية المالية، مغمضة العيون، بل عمياء لتغرق العلاقات المغربية الفرنسية، في بحر من المصالح التي كانت في منطلقاتها تدار بين أقطاب معروفين، لا يهمهم الماضي في شيء، الماضي الذي نقلوا فيه عن الحسن الثاني عندما كان وليا للعهد، كما كتبت عنه الوثائق الفرنسية، أنه قال مرة عن فرنسا: ((كنت أتصور أننا نحتاج إلى عشرين عاما في المغرب لنتحضر مثل فرنسا، وفهمت الآن، أن مائة عام لا تكفي))، لنفهم الدوافع الحقيقية التي جعلت الحسن الثاني يغامر بشراء واحد من أكبر القصور الفرنسية في منطقة بيتز، دون أن يعرف أنه باختياره هذا، فتح الباب أمام آلاف المغاربة، ليسقطوا في أحضان الغرام الفرنسي، الذي كان كما تعلمنا من أدبيات فيكتور هوغو، وبلزاك، وفولتير، وألبير كامو، أن الغرام الفرنسي لا يكون من جهة واحدة، وأنك عندما تسقط في عشق فرنسا، فإنها تغرقك في غرامها، وتجعلك لا ترتاح إلا وأنت في أحضانها(…)، لولا أن الغرام الفرنسي ليس مفتوح الأبواب على مصراعيها، فعندما اختار الحسن الثاني مثلا، الضابط ساسيا، لتنظيم أجهزته الأمنية، وصدر منه مرة أمام مساعديه الأقربين من مستشارين ووزراء وأصدقاء أن قال لهم: إن ساسيا هذا أحسن منكم جميعا، سارع نائب شيوعي فرنسي إلى طرح سؤال برلماني على رئيس الحكومة الفرنسية “بيير ميسمير” حول مهمة ساسيا هذا، وخبايا علاقاته مع الحسن الثاني، الذي زاد تشبثه بالخبير ساسيا، عندما أخبر الملك يوما بأن الإرهابي الكبير “كارلوس” كان يتواجد في المغرب.

وسيكون من الصعب جدا الإحاطة بأسرار العشق المتبادل بين المغرب وفرنسا على كل المستويات، من أيام الحسن الثاني إلى أيامنا هاته(…) بعد أن أغرقت هذه العلاقات أمواجا من المصالح المالية بالملايير التي لا تعد ولا تحصى.

حتى الوزير القوي إدريس البصري عندما اضطر للجوء إلى فرنسا بدون جواز سفر، بعد طرده من محيط الملك محمد السادس، استقر بباريس، في البيت الفخم الذي كان يسكن به رئيس الحكومة الفرنسية، “مانديس فرانس”.

وعبد الفتاح فرج، أمين سر أموال الحسن الثاني الذي مخمخ في أموال الملك الفقيد، وحساباته البنكية وشيكاته الضائعة، استقر في فرنسا، وبذلك فتح الباب أمام كل مغضوب عليه أن يجعل من باريس مستقرا.. ومقاما.

ونشرت الإحصائيات الرسمية أنه في عز أيام الحسن الثاني كانت في المغرب خمسمائة ألف شركة فرنسية تشغل خمسة وستين ألفا من الأطر المغربية.

حتى اضطر الوزير الفرنسي ستراوس كان، الذي تزوج الأسبوع الماضي في مراكش بسيدة مغربية من عائلة العوفير الرباطية، لم يهدأ له بال حتى تعلم اللغة المغربية بكل تعابيرها، لتكون صفقة تأسيس اتصالات المغرب بملاييرها سرا من أسرار الكون المغربي الفرنسي(…) التي حققت الملايير والملايير، بعد أن توالدت عنها شركات “إينوي” و”وانا”، واختلط الحابل بالنابل على مهندس خبير بالخبايا الإلكترونية، اسمه الزاز، ها هو قابع في سجن عكاشة، عقابا له على عزفه على الوتر الحساس(…).

وجعل الأثرياء الفرنسيون من مراكش، ما سماه أحد الكتاب “مراكش كعبة الفرنسيين”، حيث أسست مراكز سياحية تضاهي ما قرأناه في حكايات ألف ليلة وليلة، بينما الواقع أن باريس هي التي أصبحت كعبة المغاربة، كبارا وصغارا، يلجأ إليها كل من يجعل من لجوئه لفرنسا، غطاء لملفاته المغربية، أو مرتعا بعيدا عن العيون الفضولية للمغاربة، أو ابتعادا عن هذه الأجواء الهمجية والأوساخ الاجتماعية.. بدءا من المدير المشهور زين الدين الزاهدي، رئيس القرض السياحي المنسي لحد الآن، ومؤسس بنك التجاري وافا الذي أطلق عليه لقب نجم الاقتصاد المغربي، خالد الودغيري، الذي لم يبق سرا أنه أبعد من المغرب، في إطار رغبة اللوبي المعلوم في إبعاده، فتم توريطه في ملف مصنوع وتتبعه بعد أن اختاره بنك الجزيرة في السعودية، مديرا، ليتم إبعاده قبل أن تدور الأيام، ويحصل على العفو الملكي، خلال إحدى الفرص السعيدة في باريس.

وكانت الأوساط المغربية في باريس، تهتز بالأجهزة المتتبعة للمسمى هشام المنظري، الذي هرب كل الأموال التي استولى عليها من خزائن الحسن الثاني، والتي غطت على حسابات الشركات المشتركة والملايير المخصصة لما كان يسمى باتفاقية “أكور”(…) المتخصصة في ابتلاع الميزانيات المخصصة للسياحة المغربية، والتي أصبحت لا شيء أمام مشاريع المواطن المغربي اليهودي “موريس ليفي” الذي كان متباهيا بالمهمة المغربية المفتوحة لنشر سمعة المغرب بميزانيات غير محدودة.

تصوروا أن المسؤولين الفرنسيين شدهوا لهذا الكنز المغربي المفتوح، فأصبحت أجهزتهم تبحث لتتعمق في المكونات البشرية لأقطاب هذا البحر من الملايير، حتى أن المهتمين الفرنسيين سمعوا مرة أن واحدا من المبتدئين(…) اسمه خالد القنديلي، قد تقرب من المحيط الملكي فتولى الرئيس ميتران نفسه استقبال هذا القنديلي، كما استقبله الرئيس شيراك بحضور رئيس حكومته جوبي، ليعرضوا عليه أن يصبح نائبا لعمدة إحدى المدن، ودفعوه لإطلاق قناة تلفزيونية خاصة بالمهاجرين، سماها “أطلس TV”، حتى أصبح المغاربة مصدومين بهذه العناية الفرنسية المشبوهة، فأغرقوه بالوعود المغربية للتمويل من طرف المؤسسات المغربية كالبنك الشعبي والخطوط الملكية، لتنتصب في عقول اللوبيات المؤثرة في الرباط عوامل التضايق(…) والشك، وليشاع ربطه بعملية سرقة إحدى الأميرات المغربيات في أحد فنادق أثينا، ويتم منع القنديلي من العودة إلى القصر الملكي، وبالتالي طرده من جميع المناصب التي أغدقها عليه الفرنسيون، ليبقى وجها لوجه أمام المشاكل القضائية المعلقة.

وكان رئيس الحكومة الأسبق عبد اللطيف الفيلالي، قد جمع حقائبه وأثاثه واستقر نهائيا في شقة فخمة في باريس تطل على ساحة الجواهر المسماة ساحة “فاندوم”، بينما نشرت صحف المغرب، أن ولده الذي كان صهرا للحسن الثاني، فؤاد، يتوفر في حسابه البنكي على خمسة عشر مليارا.

ليذكرنا بالمدير السابق لمكتب الفوسفاط، مراد الشريف، الذي كان بمثابة النموذج الراقي لرجل الثقة حتى أراد المسؤولون في جمهورية غينيا مرة تقديره أثناء استقباله كرئيس دولة، الشيء الذي كانت فيه نهاية تجربته.

فيم بقي المغرب يكرم الرئيس الفرنسي شيراك في جميع عطله بمدينة تارودانت، والرئيس سركوزي الذي يستقبل دائما في أحد القصور الملكية بمراكش، حتى بعد أن لم يبق رئيسا، ليختار المغرب أحسن وزير داخلية عرفه المغرب، شكيب بنموسى سفيرا للمغرب في باريس، كان إبعاده عن وزارة الداخلية حتميا، لا لحاجة العلاقات الفرنسية المغربية إليه، ولكن لأنه عندما كان وزيرا للداخلية لم يقبل التعامل مع المخطط الذي كان يقضي بتحويل حزب الأصالة والمعاصرة إلى الحزب الأول في المغرب.

عجيب مسار العلاقات الفرنسية، حيث فكر الفرنسيون في تحويل مراكش إلى كعبة الفرنسيين، فسارع المغاربة إلى تحويل باريس إلى كعبة للمغاربة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!