في الأكشاك هذا الأسبوع

تجربة “المجلس الاستشاري للشباب” بين ملكين: الحسن الثاني والملك محمد السادس

شبح الماضي يفسد الفرحة بـ “المجلس الوطني للشباب”

 الرباط: سعيد الريحاني

لم يكن يتوقع جل البرلمانيين والبرلمانيات الذين حضروا بكامل أناقتهم لافتتاح الدورة التشريعية لمجلس النواب من طرف الملك محمد السادس، أن يختار المقرئ الذي لا يقرأ إلا بعد الاتفاق مع البرتوكول الملكي(..)، افتتاح اللقاء بآيات قرآنية تتحدث عن “شر الدواب عند الله”، لذلك، شوهد أغلبهم مندهشين وهم يسمعون الآيات: “إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون، ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون”. (سورة الأنفال).

وما أشبه اليوم بالأمس فيما يتعلق بالخطاب الملكي الذي خصص لافتتاح الدورة التشريعية، من حيث تكرار عبارتي “الزلزال” و”الشباب”، وقد سبق للحسن الثاني، صاحب فكرة إنشاء “المجلس الوطني للشباب”، أن لخص المعضلة التي تكاد تتكرر اليوم بنفس الشكل، وهو يحتفي بالسنة الأولى لإحداث مجلس الشباب قائلا: ((إن الهزة التي تصيب العالم العربي، تأخذ شكل زلزال سيخلف انعكاسات عميقة، وسيطبع بأثاره، العلاقات بين الدول العربية لحقبة يصعب في الساعة الراهنة تحديدها، لكن العالم العربي عرف عدة أزمات، واجتاز حقبا صعبة في تاريخه، وكانت أزماته، ما في ذلك من شك، أخف وطأة من هذه التي نعيشها اليوم.. فهل يا ترى سنتغلب على الأزمة الحاضرة؟ إن الجرح عميق، وهو بمثابة تمزق في جسم الأمة العربية، فهل سيلتئم هذا الجرح؟ وهل سيجبر الجسم العربي كسره، فتعود الأمة العربية إلى وحدتها وتماسكها؟)) (من خطاب الحسن الثاني بمناسبة الذكرى 30 لاعتلائه العرش سنة 1991).

الحسن الثاني الذي كان يقلقه ما يجري في العالم العربي كما يحصل مع ابنه الملك محمد السادس اليوم، كان يعول كثيرا على تجربة “المجلس الوطني للشباب”، ولكن الفكرة التي ترأسها الاتحادي الحبيب المالكي، أفرغت من محتواها، فقد كان الحسن الثاني يقول: ((نحن واعون كل الوعي، بأن الوسائل المتوفرة، يمكن أن تعجز، لأسباب أو أخطاء ترتبط بالطبيعة البشرية، عن تحقيق ما تنشده من مرامي، ونتوخاه من أهداف، وتلافيا لذلك، أنشأنا في هذا المجال، جهازا متخصصا باسم “المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان”، الذي يعمل تحت إشرافنا المباشر، ويهتم بكل ما يتصل من قريب أو من بعيد بحقوق الإنسان، وأن تشكيلة هذا الجهاز ذات دلالة واضحة، حيث أن من بين أعضائه، من ينتمون إلى كافة الأحزاب السياسية، والمركزيات النقابية، والجمعيات العاملة في مجال حقوق الإنسان.. إن المهمة التي أنجزها هذا المجلس رغم حداثته، جديرة بالتقدير، فقد عرض على أنظارنا في مجال اختصاصه مجموعة من المقترحات الهامة، ووافقنا عليها، وستصدر بشأنها عما قريب، نصوص تشريعية وتنظيمية)) (من نفس خطاب الحسن الثاني).

وبالعودة للسياق التاريخي الذي أعلن فيه تأسيس المجلس الوطني للشباب، وهو النسخة الأولى من المجلس الاستشاري للشباب، نجد أنه كان جوابا ملكيا على الاضطراب الذي شهده المغرب، وعنوانه الكبير “اندلاع انتفاضة فاس”، تلك الأحداث الأليمة التي مازال الشهود يرددون حكاياتها بشكل مرعب، بعد مقتل العشرات إثر دعوة نقابية للدخول في الإضراب العام، لكن الحصيلة كانت كارثية حسب التقارير الرسمية، فقد خلصت لجنة تقصي الحقائق البرلمانية، التي عرضت تقريرها على وزير العدل، مصطفى بالعربي العلوي، ووزير الصحة الطيب بن الشيخ وإدريس البصري وزير الداخلية بعد سنة من العمل امتدت من 16 يناير إلى 3 دجنبر 1991، إلى تقرير جاء فيه، أن عدد الجرحى بلغ  236 عنصرا من القوات العمومية، و83 من المدنيين، بالإضافة إلى قتيل واحد في طنجة و124 جريحا، 103 منهم من القوات العمومية، ولكن الصدمة الكبرى تأخرت إلى عام 2008، عندما تم اكتشاف مقابر جماعية بحديقة جنان السبيل بالمدينة القديمة بفاس.

الحسن الثاني، قال: ((يجب أن نأخذ الدروس))، ومن الحلول التي اقترحها، ولدت فكرة “المجلس الوطني للشباب والمستقبل”، وها هو الملك محمد السادس، يستشعر نفس الخطر ليخلص لنفس الجواب وهو يدعو إلى الإسراع بتأسيس “المجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي”، ويأتي ذلك في سياق التفاعل مع الحركات الاحتجاجية التي يشهدها المغرب، سواء تعلق الأمر بالريف أو ببعض المناطق الصحراوية، وقد اختزل الملك وضعية الشباب في خطابه قائلا: ((إن وضعية شبابنا لا ترضينا ولا ترضيهم، فالعديد منهم يعانون من الإقصاء والبطالة، ومن عدم استكمال دراستهم، وأحيانا حتى من الولوج للخدمات الاجتماعية الأساسية، كما أن منظومة التربية والتكوين لا تؤدي دورها في التأهيل والإدماج الاجتماعي والاقتصادي للشباب، أما السياسات العمومية، القطاعية والاجتماعية، فرغم أنها تخصص مجالا هاما للشباب، إلا أن تأثيرها على أوضاعهم يبقى محدودا لضعف النجاعة والتناسق في ما بينها، وعدم ملاءمة البرامج لجميع الشرائح الشبابية)).

الملك محمد السادس الذي واجه بمرونة الحركات الاحتجاجية منذ سنة 2011، بإعطاء الضوء الأخضر لتعديل الدستور، قال: ((على غرار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، فإننا ندعو لبلورة سياسة جديدة مندمجة للشباب تقوم بالأساس على التكوين والتشغيل، قادرة على إيجاد حلول واقعية لمشاكلهم الحقيقية، وخاصة في المناطق القروية والأحياء الهامشية والفقيرة، ولضمان شروط النجاعة والنجاح لهذه السياسة الجديدة، ندعو لاستلهام مقتضيات الدستور، وإعطاء الكلمة للشباب، والانفتاح على مختلف التيارات الفكرية، والإفادة من التقارير والدراسات التي أمرنا بإعدادها، وخاصة حول “الثروة الإجمالية للمغرب” و”رؤية 2030 للتربية والتكوين”، وفي أفق بلورة واعتماد هذه السياسة، ندعو للإسراع بإقامة المجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي كمؤسسة دستورية للنقاش وإبداء الرأي وتتبع وضعية الشباب)) (من خطاب الملك محمد السادس خلال افتتاح الدورة التشريعية لسنة 2017).

“المجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي”، منصوص عليه في دستور 2011، لكن الخطر الذي يهدده، هو نفس مصير “المجلس الوطني للشباب والمستقبل” الذي ترأسه المالكي، قبل التخلص منه، وكما ساد بالأمس اعتقاد بأن المجلس سيقوم بتشغيل الشباب، فإن الصراع الذي ظهرت مؤشراته حتى الآن، يدور حول العضوية أولا، ثم انتظار الحلول التي سيأتي بها هذا المجلس للبطالة، فهل يمكن أن ينجح المجلس في محاربة البطالة التي عجزت عن محاربتها كل حكومات المغرب؟ فـ “المجلس الوطني للشباب والمستقبل” على سبيل المثال، كانت له أهداف نبيلة، ومع ذلك لم ينجح في تقديم الأجوبة حول تشغيل الشباب حاملي الشهادات، وإنعاش الشغل في الوسط القروي، وأي تشغيل لمغرب الغد؟ الشباب والمقاومة ورهانات جديدة، والجهة والجهوية والتشغيل، وتنمية أقاليم الشمال، أوراش المستقبل، وإدارة الغد وتطلعات الشباب.. وهي مواضيع مرتبطة بالتطورات والمتغيرات التي شهدها المغرب منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي على الأصعدة، السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

بالرجوع إلى دستور 2011، الذي كان استجابة لمطالب الشارع، نجد أن “المجلس الاستشاري للشباب” يجد سنده في فصلين أساسيين هما: الفصل 33 الذي يقول: ((على السلطات العمومية اتخاذ التدابير الملائمة لتحقيق ما يلي:
–  توسيع وتعميم مشاركة الشباب في التنمية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية للبلاد؛
–  مساعدة الشباب على الاندماج في الحياة النشيطة والجمعوية، وتقديم المساعدة لأولئك الذين تعترضهم صعوبة في التكيف المدرسي أو الاجتماعي أو المهني؛
–  تيسير ولوج الشباب لعالم للثقافة والعلم والتكنولوجيا، والفن والرياضة والأنشطة الترفيهية، مع توفير الظروف المواتية لتفتق طاقاتهم الخلاقة والإبداعية في كل هذه المجالات.
– يحدث “مجلس استشاري للشباب والعمل الجمعوي” من أجل تحقيق هذه الأهداف)).
ثم الفصل 170 الذي يقول:
((يعتبر “المجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي”، المحدث بموجب الفصل 33 من هذا الدستور، هيئة استشارية في ميادين حماية الشباب والنهوض بتطوير الحياة الجمعوية. وهو مكلف بدراسة وتتبع المسائل التي تهم هذه الميادين، وتقديم اقتراحات حول كل موضوع اقتصادي واجتماعي وثقافي، يهم مباشرة النهوض بأوضاع الشباب والعمل الجمعوي، وتنمية طاقاتهم الإبداعية، وتحفيزهم على الانخراط في الحياة الوطنية، بروح المواطنة المسؤولة..)).

وكانت الحكومة قد صادقت السنة الماضية برئاسة عبد الإله بن كيران، على القانون التنظيمي المتعلق بـ “المجلس الاستشاري للشباب والمستقبل”، وأشار بلاغ صادر عن الحكومة إلى كون العملية تندرج في إطار، تفعيل مقتضيات الفصول 33 و170 و171 من الدستور، والنهوض بأوضاع الشباب والعمل الجمعوي، وكذا تيسير ولوج هذه الشريحة من المجتمع لمختلف البرامج والمشاريع التي تعدها الحكومة في المجالات المرتبطة بهم، وتوفير الظروف المواتية لاستفادتهم منها، وتحفيزهم على الانخراط في الحياة الوطنية بروح المواطنة المسؤولة، ويحدد هذا المشروع صلاحيات المجلس، المتمثلة أساسا في إبداء رأيه في كل القضايا التي تحال عليه من لدن الملك والحكومة، ورئيسي مجلسي البرلمان، وكذا المساهمة في إعداد مشاريع الاستراتيجيات التي تعدها الحكومة في مجال النهوض بأوضاع الشباب وتطوير العمل الجمعوي، وإنجاز الدراسات والأبحاث التي تخص قضايا الشباب والعمل الجمعوي، بالإضافة إلى إصدار التوصيات إلى الجهات المختصة من أجل النهوض بأوضاع الشباب وتطوير العمل الجمعوي، حسب ما نقلته الصحافة، ولكن السؤال المطروح هو، من سيقوم بهذه المهمة، وماهي الضمانات لعدم تكرار أخطاء الأمس؟

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!