في الأكشاك هذا الأسبوع

محاولة تغليف انقلاب بثورة تعجل برفع درجات التعاون الاستخباراتي بين المغرب وروسيا

العدو المشترك والتعاون المشترك 

بقلم: سعيد الريحاني

كشفت الزيارة الأخيرة التي قام بها رئيس الوزراء الروسي، ديمتري مدفيديف للمغرب مؤخرا، حركية غير معهودة فيما يتعلق بالأنشطة الروسية في المملكة، ليس من حيث حجم الضيف الذي دخل إلى المغرب مرفوقا بـ 5 طائرات و5 سيارات خاصة(..)، ولكن من حيث الطاقم الذي سهر على إنجاح الزيارة، ولعلها المرة الأولى التي تنافس فيها (في إطار التكامل)، كل من أعضاء طاقم السفارة الروسية بالمغرب، وطاقم إدارة المخابرات الروسية الذي أصبح له موطئ قدم في المغرب منذ مدة، عبر إدارة مستقلة(..).

وجود المخابرات الروسية المصنفة من بين أقوى الأجهزة عبر العالم على التراب المغربي، بقدر ما يعكس الاهتمام الروسي بمنطقة شمال إفريقيا ومحاولة البحث عن قواعد جديدة(..)، فإنه يؤكد بالملموس، رفع درجة التعاون الاستخباراتي بين المملكة المغربية وروسيا، كما يؤكد الشروع في تأمين قنوات التواصل بين نظام الرئيس بوتين ونظام الملك محمد السادس، أي أن العلاقة لم تعد تدبر على المستوى الإداري المحض، بل إن الأمر أصبحت تختلط فيه حسابات الأمن والجيش والاقتصاد، وهو ما يؤكده توقيع رئيس الحكومة الروسية، ديمتري مدفيديف، أثناء زيارته الرسمية يومي الثلاثاء والأربعاء الماضيين، على 11 اتفاقية، تشمل التعاون في المجال العسكري والأمني، وفي مجال الطاقة النووية والطاقات المتجددة وتزويد المغرب بالغاز الطبيعي الروسي.

التعاون بين المغرب وروسيا، وهو تأكيد لاستمرار البرنامج المسطر منذ لقاء الملك محمد السادس والرئيس فلاديمير بوتين بموسكو خلال شهر مارس 2016، يبلغ أوجه بعد أن بات بإمكان المغاربة السفر إلى روسيا، التي تلعب دور التوازن في العالم، دون تأشيرة، وهو ما يعني أن دولة عظمى جعلت مواطنيها في نفس مرتبة المواطنين القادمين من دولة سائرة في طريق النمو، رغم أن رقم المعاملات الاقتصادية بين البلدين لا يخدم حتى الآن هذا التوجه، ليطرح السؤال، لماذا لا تسير دول أخرى على المنهاج الروسي؟ لماذا لا يمكن للمواطن المغربي الذي يستهلك ليل نهار المنتوجات الأمريكية والأوروبية وما تحتهما من منتوجات إسرائيلية(..)، أن ينتقل إلى هاته البلدان دون تأشيرة؟ ليبقى الجواب الأقرب إلى المنطق، هو أن هذه الدول تعتبر المواطن المغربي مهما علا شأنه، مواطنا من الدرجة الثانية، لا يصلح إلا للاستغلال والاستهلاك أو الاستعمار(..).

الواقع، أن كلا من المغرب وروسيا، رغم بعد المسافة الجغرافية التي يكسرها التقارب الحضاري(..)، تجمعهما تحديات مشتركة، تفرض تأمين قنوات التواصل بوسائل مخابراتية، فحسن العلاقة بين الملك والرئيس، وعدم وجود حزازات بين الشعبين، على غرار ما هو حاصل بين المواطن الفرنسي والمواطن الروسي على سبيل المثال، ينضاف إليه أنهما يواجهان نفس العدو، فالمغرب يواجه مخططا للتقسيم، وروسيا نفسها تواجه نفس المخطط لتقسيمها، لذلك لا غرابة أن تكون روسيا من الدول التي لا تعترف بما يسمى “الربيع العربي”، أو ما يمكن تعريفه بالانقلابات المغلفة بالثورة(..)، والأخطر من ذلك، هو أن الأطراف “المتضررة” من التقارب المغربي الروسي، ستسعى بكل الوسائل لنسف كل تعاون بين الدولتين.. ألم يتم التلاعب في البطاطس المغربية المصدرة إلى روسيا، ((مما دفع  بالإدارة الروسية المختصة في المراقبة البيطرية والصحة النباتية، إلى منع حوالي 500 طن من البطاطس المغربية موزعة على 6 شاحنات، من دخول مدينة سانت بطرسبورغ (شمال غرب روسيا)، حيث أعيدت بأكملها إلى المغرب بعد اكتشاف إصابتها بمرض معروف يدعى “الديدان الخيطية الكيسية” أو “Les Nématodes à kyste”)) (المصدر: هسبريس: 2 يوليوز 2014)؟ فهل يعقل أن نصدق أن الفلاح المغربي غير قادر على إنتاج بطاطس جيدة للسوق الأوروبية؟ هل هي مجرد صدفة أن تلتهم الديدان البضائع المغربية وحدها دون باقي بضائع العالم؟.. لعل طرح السؤال هو نصف الجواب: من المستفيذ من تعطيل التعاون الفلاحي بين المغرب وروسيا؟ طبعا لن تكون الديدان هي المستفيدة.. ولاشك أن المخابرات المغربية ونظيرتها الروسية قادرتين على توفير عناصر الجواب بما يخدم مصلحة الشعبين.

سواء تعلق الأمر بالمغرب، في الريف أو الأقاليم الجنوبية، أو بالحركات الاحتجاجية المناوئة للنظام الروسي، انظروا إلى قبضة اليد التي يرفعها المحتجون في كل المظاهرات الحاشدة، واقرؤوا تاريخ “قبضة اليد” لتعرفوا أن نفس المخطط الذي انطلق من صريبا لإسقاط “ميلوسوفيتش”، فـ ((قبضة اليد، هي رمز اتخذته حركات المعارضة في الثورات الملونة حول العالم.. كانت البداية في حركة “أوتبور” بصربيا التي أطاحت بسلوبودان مليسوفيتش عام 2000، وتم تمويل “أوتبور” عن طريق منظمة الأمن والتعاون الأوروبية والأمم المتحدة UN، ومنظمة حقوقية تسمى “humanity in action”، وكذلك من “فريدوم هاوس” (بيت الحرية الأمريكي)، وترك بعض أعضاء “أوتبور” الحركة عند اكتشافهم لمصادر تمويلها بعد الإطاحة بملوسوفيتش، وبعد نجاح هذه الحركة الانفصالية في مهمتها، تم تطويرها إلى “مركز لدراسات اللاعنف” يصدر التجربة للدول المراد تغيير أنظمتها حول العالم، فتمت تسمية المركز: “كانفاس CANVAS” بالإنجليزية:

(Center for Applied Nonviolent Action and Strategies).

بعد ذلك، تم تصدير ثورة صربيا إلى جورجيا عن طريق حركة “كمارا” التي تعني “يكفي”، وتمت تسميتها بـ “الثورة الوردية” وذلك عام 2003، ثم بعد ذلك، انتقلت الثورات الملونة إلى روسيا عام 2005، ثم إلى فنزويلا عام 2007..)) (المصدر: وكالات).

لن تخسر شيئا بالمقارنة بين التجارب.. أليست هناك محاولة لصناعة ثورة ملونة في المغرب؟ ألم يرفع الشباب قبضة يدهم إلى السماء؟ ألم تتضح الآن معالم المؤامرة بعد الانقلاب على الرئيس المصري حسني مبارك والرئيس الليبي معمر القذافي وزين العابدين بنعلي في تونس؟ ألا يتمنى الليبيون بعد كل هذه الفوضى، عودة القذافي؟

إذا كنت لا تعرف، فقد حان الوقت لتعرف أن هناك مراكز عالمية متخصصة في صناعة “الثورات” في العالم، خاصة في الدول التي تجسد خط “المقاومة” وفي مقدمتها روسيا، ومن بينها المغرب، الذي بات يتمرد على كل التحالفات التقليدية، بعد أن أدرك ما يحاك له في الخفاء، هل سمعت في حياتك عن “سرجة بوبوفيتش  Srdja Popovic”؟ هل تعلم أن هذا الشخص على سبيل المثال، هو الذي يقف وراء “حركة 6 أبريل” التي ساهمت في “الانقلاب على النظام في مصر”؟ هل تعلم أنه هو نفسه رئيس مدرسة الثورة بصربيا، وهو نفسه الذي اعترف أن مجموعة “6 أبريل” تلقت ورش عمل من إحدى المؤسسات الصربية (CANVAS) عام 2009 للتدريب على كيفية إسقاط الديكتاتور بجانب عدد من جماعات المعارضة فى مصر؟ وقد قال بوبوفيتش، ((إن مدرسة الثورة جزء من مؤسسة (CANVAS) التى تعمل على تغيير النظام بالقوة، (نفس الأمر يحصل حاليا في المغرب وروسيا)، موضحا أن الفكرة جاءت لمساعدة جماعات من زيمبابوي وروسيا البيضاء عام 2003، لأنها كانت مستوحاة من الثورة الصربية، موضحا أنها كانت في البداية عبارة عن هواية، ثم توالت الطلبات على المؤسسة وأصبحت تدرس طبقا لـ “مناهج دراسية”، وأشار بوبوفيتش إلى أن إسقاط الديكتاتور، هو مجرد “بداية”، موضحا أن “إزالة الشرير أسهل من بناء مؤسسات ديمقراطية.. هذا درس للجميع، والمتظاهرون فى أنحاء العالم العربي سوف يتعلمونه في وقت قريب”)) (المصدر: المصري اليوم / 27 غشت 2011).

بوبوفيتش، يجب أن تضيف إليه جين شارب، أستاذ هارفارد العجوز، صاحب كتاب: “من الديكتاتورية إلى الديمقراطية”، وهو عبارة عن خارطة طريق للانقلاب على الأنظمة، وجد لدى المعتصمين المصريين في ميدان التحرير، أما في دول أخرى، فقد طبقوا أفكاره دون الحاجة إلى كتابه، بفضل مراكز التدريب العالمية لصناعة الانقلابات رغما عن زعمائها.. “لا تتوقعوا أنكم ستستطيعون التحاور مع الدكتاتور، ولا تتوقعوا أن كل شيء سينتهي نهاية طيبة، فسوف يناور الدكتاتوريون معكم، وسوف تكونون أكبر الخاسرين، فلا تفاوضوا! وقوّوا أنفسكم.. وهذا ما فعله المصريون” هكذا يتحدث جين شارب، أما بوبوفيتش، فمازال يعطي الأوامر لإخراج الناس إلى الشوارع من روسيا إلى المغرب، وتنفرد “الأسبوع” بنشر صورة للفيديو الأخير، الذي يدعو من خلاله إلى قلب الأوضاع في روسيا، (انظر صورة من الفيديو رفقته).

عدو المغرب يستثمر في البوليساريو، والحركات الاحتجاجية لصناعة ثورة ملونة، باستعمال “قبضة اليد”، وعدو روسيا يستثمر في محاولة تقسيم روسيا، ليعيد ترتيب العالم حسب أجندته، لكن المؤكد أن التعاون الاستخباراتي الذي بلغ أقصى درجاته مع روسيا، سيكون له أثر إيجابي على كلي الجانبين، وعلى سبيل المثال، فـ ((بعد الضجة التي أثيرت عن مشاركة شباب حزب التقدم والاشتراكية في المهرجان الدولي للشباب الديمقراطي الذي تحتضنه مدينة سوتشي الروسية من 14 إلى 22 أكتوبر الجاري، والذي سيعرف تكريم زعيم البوليساريو الراحل محمد عبد العزيز، تأكد أن شباب الجبهة سوف يغيبون عن فعاليات هذا المهرجان، وذلك بسبب رفض السلطات الروسية حضورهم على متن طائرة عسكرية جزائرية، وقال مصدر مطلع أن السطات الجزائرية حاولت تدارك الأمر ووضعت طائرة مدنية رهن إشارة الوفد الكبير من شباب البوليساريو الذي كان يضم 200 مشارك، لكن السلطات الروسية عادت لتبلغهم بأن الآجال المحددة لاستقبال الوفود، قد تم تجاوزها، ليعودوا مساء الجمعة، من مطار الجزائر إلى تندوف، وحسب نفس المصادر، فإن القرار الروسي كان قرارا سياسيا أكثر منه إجرائيا..)) (المصدر: موقع “الأول”).

أن تلغي روسيا استقبال وفد من البوليساريو، معناه أن هناك تعاونا جادا مع المغرب، لكن وجود أطراف “مغربية” و”أجنبية” تسعى لتخريب العلاقة بين البلدين، وقد تكون من بينها أطراف روسية أيضا، لم يكن من حل له، سوى رفع مستوى التعاون الاستخباراتي إلى أقصى حدوده.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!