في الأكشاك هذا الأسبوع
السفير الأمريكي السابق رفقة أعضاء المجلس البلدي تمارة

تهديد السيادة الوطنية عبر فتح باب التمويل الأجنبي من ألمانيا وأمريكا

** من مخاطر التمويل الأجنبي.. الحيطي وزيرة “ألمانية” في حكومة بن كيران

إعداد: سعيد الريحاني

في الوقت الذي يتواصل فيه الجدل حول خطورة “التمويل الأجنبي” على استقرار المجتمعات في عدة بلدان ومن بينها المغرب، حيث يمكن أن يستغل مباشرة لضرب الاستقرار(..)، أعلنت سفارة الولايات المتحدة الأمريكية خلال الأيام الأخيرة في الرباط، عن تخصيص ما قيمته 1.6 مليون دولار، لصالح 13 جمعية فقط، من أصل 100 جمعية طلبت الحصول على التمويل الأمريكي، لتكتب الصحافة، أن “الصفقات” تمت في إطار “برنامج مبادرة الشراكة الولايات المتحدة- الشرق الأوسط للدعم المحلي المخول للمجموعات والأشخاص الراغبين في الإسهام في تغيير المجتمع”.

وبينما كان بعض رؤساء الجمعيات يتحدثون عن إعادة إدماج “المعتقلين السابقين”، أي تمكينهم من إمكانيات مادية للتحرك(..)، قالت المكلفة بالأعمال بسفارة الولايات المتحدة بالمغرب، ستيفاني مايلي، ((أن الدعم الممنوح للجمعيات المغربية، سيساهم في تعزيز العلاقات المغربية الأمريكية، مسجلة أن هذه المشاريع “ستمكن الشباب من الانخراط بشكل أفضل في تنمية بلدهم، وبالتالي، صناعة قادة الغد”)).

إذن، ما علاقة إعادة الإدماج بمشاريع صناعة قادة الغد، وهو برنامج ذو هدف سياسي؟ ثم ألا يفترض التعامل مع معتقلين سابقين المرور عبر مؤسسات الدولة، ومندوبية السجون التي تعرف نوعية الجرائم التي ارتكبوها في الماضي؟ ماذا لو وقع هناك انفلات؟ ثم هل يمكن أن نتصور تمويلا من هذا النوع في أمريكا؟ أليس هذا الأمر ممنوعا بحكم القانون؟

الجواب الشامل على هذه الأسئلة، يكمن في تعريف “برنامج مبادرة الشراكة الولايات المتحدة- الشرق الأوسطية”، المعروف اختصارا باسم “ميبي”، وهو نفسه البرنامج الذي يدعم عدة جمعيات معروفة باستعمالها لغة الشارع(..)، ويهدف هذا البرنامج من الناحية الرسمية، إلى تقديم تمويلات لدعم الجهود الرامية إلى توسيع المشاركة سياسية، وتعزيز المجتمع المدني وسلطة القانون، وتمكين النساء والشباب، وتطوير فرص اقتصادية وتعليمية، والتشجيع على الإصلاحات الاقتصادية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا” (مواقع الولايات المتحدة الأمريكية)، لكن الذين يعرفون هذا البرنامج، يعرفون أنه مشروع “لـ الهيمنة الأمريكية”، فـ ((ميبي MEPI هي الأحرف الأولى لـ Middle East Partnership Initiative، أي مبادرة الشراكة للشرق الأوسط، ويعنى بالشرق الأوسط: الدول العربية إضافة للكيان الصهيوني!.. إن اهتمام أمريكا منصب على خلق تيار مساند لها في أوساط المقاولين والصحفيين والمثقفين والطلبة والشباب والنسوة، وقادة الأحزاب والمنظمات غير الحكومية، لخلق جيل من الأنتليجنسيا المشبعة بالقيم الإيديولوجية الليبرالية السائدة في الولايات المتحدة، وخلق تيار بديل للقيم الشعبية السائدة في الوطن العربي، وبديل لمعاداة الصهيونية والحلف الأطلسي، والإمبريالية بشكل عام، والأمريكية بشكل خاص، وقلب الموازنة تدريجيا لتأسيس تيار يدافع عن القطاع الخاص، والليبرالية والسياسات الإمبريالية والاحتلال، لدى الشباب والنسوة والمثقفين والصحفيين، وتعلم الولايات المتحدة علم اليقين، أن الأنظمة العربية غير شعبية، ولذلك تظهر للرأي العام المحلي، أنها غير راضية على وضعية حقوق الإنسان من خلال التقرير السنوي لوزارة الخارجية، وكذلك تقرير “هيومان رايتس ووتش”..)). (المصدر: الكاتب الطاهر المعز: “ميبي” مشروع هيمني أمريكي في الوطن العربي 2014-04-05).

هكذا إذن، يظهر أن الهدف الخفي لأصحاب مشروع “ميبي”، هو صناعة جيل جديد من القادة، أي أنه هدف سياسي لصناعة سياسيين على المقاس(..)، وهو المشروع الذي تلتقي فيه عدة أجندات خارجية تعمل فوق التراب الوطني، فبغض النظر عن حكاية وعدد الوزراء المغاربة الذين يحملون جنسيات بلدان أخرى، وبغض النظر عن طرح سؤال: هل يكون ولاؤهم للوطن الأم، أم للوطن الذي يحملون جنسيته؟ هل تعلم على سبيل المثال، أن الوزيرة السابقة المكلفة بالبيئة، في حكومة عبد الإله بن كيران، والتي اشتهرت بفضيحة أزبال الطاليان(..)، كانت جزءا من برنامج ألماني، هدفه تمكين النساء من الوصول إلى مراكز القرار؟ وقد نقلت الصحافة ذات يوم على لسان مسؤول عن مؤسسة “فريدريش نيومان” الألمانية بالمغرب، واسمه عبد الواحد بوكريان، أن الحيطي كانت “منتوجا” لمشروع ممول من طرف وزارة الخارجية الألمانية، فـ ((في المغرب، توجد ثلاثة مشاريع يتم تمويلها عبر “فريديريش نيومان” من أموال وزارة الخارجية الألمانية، الأول يتعلق بمشروع هدفه تقوية قدرات النساء للوصول إلى مراكز القرار، سواء إداريا أو سياسيا، وفي هذا الإطار، تم العمل رفقة “كونكتين غروب” منذ عام 2011، والتي كانت ترأسها الوزيرة حكيمة الحيطي، بلغت تكلفة المشروع 100 ألف أورو خلال العام الماضي، فيما رصد له مبلغ 80 ألف أورو بالنسبة للسنة المقبلة، وهو مشروع حسب بوكريان، أتى بأكله حيث تم تعيين رئيسته في الحكومة الحالية، وأخريات  من نفس المنظمة في مناصب مهمة)) (المصدر: تصريح بوكريان لموقع اليوم 24، 17 نونبر 2014).

من الناحية العملية، يعد بوكريان واحدا من الذين لا يرون أي ضير في حصول جمعيات المجتمع المدني على تمويلات خارجية؟ لكن كلامه تضمن خلطا بين النشاط “المدني” والنشاط السياسي الذي تكون نتيجته أحيانا، تعيين وزراء في الحكومة، علما أن النشاط السياسي موكول للأحزاب، وليس نشاطا للمجتمع المدني، ذلك أن الأحزاب، وهي المختصة بممارسة العمل السياسي، محكومة بمقتضيات قانون الأحزاب الذي يمنع عليها الحصول على أي تمويل أجنبي، وذلك حسب المادة 31 من قانون الأحزاب التي تقول: ((يجب أن تؤسس الأحزاب السياسية وأن تسير بأموال وطنية دون سواها)).

وسواء تعلق الأمر بألمانيا المستمرة في نشاطها بكل حرية، أو أمريكا أو غيرها من البلدان، فإن الحديث عن تخصيص تمويل أجنبي لجمعيات المجتمع المدني بمئات الملايين، يطرح سؤالا حول مصير البرقية الدبلوماسية التي رفعتها وزارة الخارجية يوم 23 مارس الماضي إلى الهيئات الدبلوماسية والقنصلية، وإلى فروع المنظمات الدولية في المغرب، بقصد مراقبة أي دعم مادي منها لمنظمات المجتمع المدني في المغرب، فهل مر التمويل الأمريكي عبر القنوات الدبلوماسية، أم أن نشاط السفارة الأمريكية لا يحتاج إلى ترخيص، ويحضره التلفزيون العمومي (القناة الثانية)، حيث لم يصدر أي بلاغ رسمي عن وزارة الخارجية المغربية ليشرح للمغاربة أسرار هذا الدعم الأجنبي؟

هذه ((المراسلة التي أشرفت عليها جهات عليا، والتي من المؤكد أن لها علاقة بتوتر الأجواء في الريف والصحراء، دعت بشكل صريح، الهيئات الدبلوماسية والتمثيليات القنصلية وفروع المنظمات الدولية والإقليمية ووكالات التعاون العاملة في المغرب، وتظهر الغاية من المراسلة الحازمة بوضوح، في دعوتها كافة الهيئات سالفة الذكر، إلى احترام القنوات الدبلوماسية، وأن كل اتفاق، وكل برنامج عمل، أو تمويل من هذه الهيئات لمنظمات حكومية أو غير حكومية مغربية، يجب أن يمر عبر القنوات الدبلوماسية)) (المصدر: “الأسبوع” عدد 20 أبريل 2017/ “المغرب يهدد بطرد الدبلوماسيين المتهمين بتمويل ثورة في الريف والصحراء”).

وبينما يؤكد الواقع تحركات السفير الأمريكي السابق، دوايت بوش، الذي وقع  بصفته “الدبلوماسية” اتفاقية “تمويل للمجتمع المدني” مع مسؤول غير دبلوماسي، هو رئيس جماعة تمارة سنة 2016، في نفس الدائرة التي حصل فيها برلمانيون على تمويل أجنبي للتواصل مع المواطنين، في ضرب سافر لقانون الأحزاب، سبق لعدة مسؤولين مغاربة، أن دقوا ناقوس الخطر حول هذا التمويل، ((فقد أعلن الأمين العام للحكومة، إدريس الضحاك، عن رقم “مريب” للتمويل الأجنبي، بعد أن أكد استفادة 194 جمعية من مساعدات أجنبية، بلغت قيمتها الإجمالية إلى غاية شتنبر الماضي، ما يناهز 26 مليار سنتيم، فهل يعقل أن تتصرف بضع جمعيات، ومعروف أن بعض الجمعيات لا يوجد فيها سوى رئيسها، في الملايير؟، إن هذا هو الأمر الذي جعل وزير الداخلية السابق محمد حصاد، يتحدث يوم 15 يوليوز 2014 في خطاب نقله التلفزيون الرسمي، عما وصفه بـ “الكيانات الدخيلة” المتهمة بـ “خدمة أجندة خارجية”، حيث قال: “إن اتهام الجمعيات لأفراد المصالح الأمنية بارتكاب التعذيب ضد المواطنين، ترتب عنه إضعاف للقوات الأمنية وضرب لها وخلق تشككا في عملها”)) (المصدر: الأحداث المغربية عدد22 يوليوز 2014).. لكن المسألة لم تعد تقف اليوم عند حدود إنجاز التقارير، بل الأخطر من ذلك، هو العمل الميداني، الذي يستفيد أصحابه من الملايير، ((فقد بلغ حجم هذا التمويل الأجنبي، بحسب الحبيب الشوباني، الوزير السابق المكلف بالعلاقات مع البرلمان، في سنة 2011، أزيد من 14 مليارا و57 مليون سنتيم، تلقته 352 جمعية، بينما تلقت 279 جمعية أكثر من 14 مليارا و64 مليون سنتيم في 2010، في حين بلغ الدعم الأجنبي للجمعيات خلال سنة، 2009 أزيد من 11 مليار سنتيم استفادت منه 98 جمعية وطنية وجهوية ومحلية، ومن ضمن المستفيدين، جمعيات حقوقية واجتماعية وتربوية وغيرها)) (المصدر: المساء 5 أبريل 2012).. فهل نصدق أن كل هذه الملايير، تصرف من أجل سواد عيوننا، أم أنها الشجرة التي تخفي الغابة؟

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!