في الأكشاك هذا الأسبوع

رأي|| المتسولون.. ظاهرة تتفاقم وتطرد السياح والمستثمرين

بقلم: رمزي صوفيا 

لا حديث للكبار والصغار في مختلف المدن الكبرى وخاصة الدار البيضاء، إلا عن ظاهرة التسول والانتشار المتزايد للمتسولين والمتسولات بطريقة تثير الاستغراب تارة، والاستنكار تارة أخرى، حيث صار الشخص يفتتح يومه وهو متوجه إلى عمله، بمشهد يحبطه وبتصرفات تثير أعصابه دون ذنب منه سوى لأنه يعيش في مدينة تعج بالمتسولين، ومهما حاولت الجهات المسؤولة عن تدبير شؤون المدن المغربية الكبرى، أن تحصي أعداد المتسولين، فإنها لن تنجح في ذلك، لسبب واحد، هو أن هذه الفئة لا تتوقف عن التزايد وعددها يرتفع بشكل يومي وليس شهري أو سنوي.

البعض يبرر هذه الظاهرة بالفقر الملحوظ الذي تعيشه فئات عريضة من المجتمع المغربي، لكن الكثيرين يؤكدون بأن المتسولين يدخلون هذا الميدان تباعا بسبب مداخيله المسيلة للعابهم بعد أن تحول إلى مهنة منظمة وثابتة لدى الكثيرين، ﻟيس بهدف سد ﺤﺎﺟﻴﺎتهم فقط، بل للاغتناء وتكوين الثروات، حيث ﺗﺘﻌﺪﺩ ﺍﻷﺳﺎﻟﻴﺐ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﺴﺘﻌﻤﻠﻬﺎ ﺍﻟﻤﺘﺴﻮﻝ ﻣﻦ أجل كسب المال كتقليد الأﻋﻤﻰ أو ﺍﻷﻋﺮﺝ وغيرها من الحيل، ويقيم مهتمون ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻈﺎﻫﺮﺓ، بكونها تؤدي إلى بزوغ ﻣﺠﻤﻮﻋﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﻈﻮﺍﻫﺮ ﺍﻷﺧﺮﻯ كاﻟﺴﺮﻗﺔ ﻭﺗﺠﺎﺭﺓ ﺍﻟﻤﺨﺪﺭﺍﺕ ﺛﻢ ﺍﻟﺪﻋﺎﺭﺓ، فهي ﺗﺆﺛﺮ ﻋﻠﻰ ﻧﻔﺴﻴﺔ ﺍﻟﻤﺎﺭﺓ ﺣﻴﺚ ﻳﻘﻮﻡ ﺍﻟﻤﺘﺴﻮﻟﻮﻥ ﺑﺎﻟﺘﺴﻮﻝ ﺑﺎﻷﻃﻔﺎﻝ الرضع ﻭمن ﺛﻢ ﺗﺸﻜﻴﻞ ﻋﺎﺋﻼﺕ ﺩﻭﻥ ﺭﻭﺍﺑﻂ ﻗﺎﻧﻮﻧﻴﺔ بهدف ﺍﻟﺘﺴﻮﻝ.

ورغم وجود قوانين تعاقب ﻣﻤﺘﻬﻨﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻈﺎﻫﺮﺓ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺎﺩﺓ 129 من ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﺠﻨﺎﺋﻲ ﺍﻟﺘﻲ ((ﺗﻔﺼﻞ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻀﺮﻭرﺓ ﻭﺍلامتهان)) ﺛﻢ ﺍﻟﻤﺎﺩﺓ 329 ﺍﻟﺘﻲ ((ﺗﻨﺺ ﻋﻠﻰ ﺿﺮﻭﺭﺓ إﻳﻮﺍء ﺍﻟﻤﺘﺸﺮﺩﻳﻦ ﺍﻟﻤﺘﺴﻮﻟﻴﻦ))، إلا أن المتسولين يعرفون كيف يفلتون من المتابعات بتغيير أماكن “عملهم” باستمرار، والتخفي عن أعين السلطات للتحول إلى مصدر إزعاج متواصل للمارة بشكل عام ولسائقي مختلف وسائل النقل بشكل خاص، فبمجرد توقف السيارة في إشارات المرور الضوئية، تهاجمها جحافل من محترفي ومحترفات التسول وكل واحد يتفنن بطريقته الخاصة في استدرار الشفقة لـ “يشفطوا” أقصى ما يستطيعون من أموال من

جيبه وجيوب غيره، والكارثة الأكبر، هي أن هؤلاء المتسولين صاروا يتسابقون ويركضون ذات اليمين وذات الشمال نحو مختلف السيارات المتوقفة في إشارات المرور للحصول على أكبر حصة من الصدقات من أكبر عدد من السائقين، وعندما تظهر إشارة المرور الخضراء للسماح للسيارات باستئناف السير، تجدهم يركضون ويتشتتون للعودة من جديد إلى الرصيف مما يتسبب في حوادث سير يكون سببها انتشارهم بشكل غير مشروع وخطير جدا في جوانب وأرصفة الطرقات.

وقد حكى لي صديق مغربي، كيف فقد مبلغا ماليا مهما في حادثة سير لا يد له فيها عندما صدم متسولا كان يمر أمام سيارته بعد أن قضى وطره وحقق هدفه بالحصول على مبلغ من المال، فلم ينتبه له صديقي وصدمه وكانت الصدمة خفيفة من حسن الحظ، لكن المتسول لم يتساهل معه رغم عدم إصابته بأي خدش، بل طالبه بمبلغ مالي دفعه له صديقي على مضض ليواصل سيره بعد أن تأخر عن عمله بنصف ساعة وأكثر.

السؤال المطروح اليوم، هو لماذا لم يتم تفعيل القوانين الرادعة لهذا النشاط الذي أصبح مصدر إزعاج لكل مستعملي الطرقات المغربية حيث صرت لا تسمع سوى “لا حول ولا قوة إلا بالله.. ما هذا، ومن أين أتى كل هؤلاء لطرقات المدن، ولماذا عجز الجميع عن وضع حد نهائي لهذه الظاهرة؟”.

فعلا، لماذا عجز الجميع عن إيجاد حل لهذه الظاهرة الخطيرة على المجتمع والتي يستلهم منها الأطفال الصاعدون أنشطة ما أنزل الله بها من سلطان، كما أن السياح والمستثمرين الوافدين على المغرب، صاروا يتندرون بهذه الظاهرة وينفرون من الاستثمار في المغرب نفورا ملحوظا متوجهين نحو بلدان أخرى عرفت كيف تقضي على مشهد التسول في مدنها الكبرى.

ويبدو وكأن متسولي المغرب لم يكفوا وحدهم لخلق معضلة اجتماعية حقيقية، فقد صرنا نلاحظ تكاثر متسولي الدول الإفريقية واللاجئات السوريات وهن يحملن لافتات مكتوبة لطلب الصدقات، حيث يلاحظ الراجلون والسائقون كيف يعبث هؤلاء بأرصفة الطرقات ويشوهون منظر المدن بطريقة غريبة حيث يصل كل واحد منهم إلى “مقر عمله اليومي” وهو النقطة المرورية التي اتخذها مركزا لنشاطه، فيعلق أغراضه في شجرة أو عمود كهربائي ثم يشرع في التسول، وإذا داهمته فضلات يتخلص منها على جانب الطريق متسببا في تلويث المدينة، كما أننا صرنا نشاهدهم جالسين في الحدائق العمومية لتناول طعامهم ليتركوا الفضلات هناك بدون أدنى شعور بالذنب، لأن كل همهم هو العودة إلى مكان “شفط” الصدقات من مستعملي الطريق الذين ضاقوا ذرعا بهذه الظاهرة وصاروا يطلبون من الدولة أن تضمن لهم مرورا هادئا على متن سياراتهم التي يدفعون مبالغ مهمة كل سنة من تأمين وضريبة وفحص تقني، لا تشفع لهم في استعمال طرقات خالية من هذا الإزعاج وهذه الفوضى المتواصلين بدون انقطاع، لأن ظاهرة التسول ليست إلا في تزايد بكل النقط المرورية للمدن المغربية الكبرى.

لقد صار مشهد المتسولين في مختلف طرقات المدن المغربية يوميا، يشوه صورة البلاد ويعطي للسياح والزائرين وحتى أبناء الجالية المغربية المقيمة في الخارج، انطباعات سلبية تجعلهم ينفرون من المغرب.

والمثير، أن عددا كبيرا من هؤلاء المتسولين قد كونوا ثروات طائلة من ريع “المهنة” التي صارت بوابة حقيقية نحو تكديس أموال الناس بدون حق حتى تجمدت مشاعر الجميع ولم يعودوا يشعرون بالشفقة على الفقراء الحقيقيين من فرط اقتناعهم بأن كل المتسولين ليسوا فقراء، بل يتصنعون الفقر لاستدرار العطف ومن بعده المال الغزير، وهنا لست في حاجة إلى التذكير بعدة ربورتاجات أنجزها الصحفيون المغاربة الأكفاء حول هذه الظاهرة، فكشفوا عبر تحقيقاتهم الميدانية عن المبالغ الطائلة التي يحصل عليها المتسولون في شوارع المدن المغربية الكبرى بشكل يومي، وهي مبالغ لاتقل عن 300 أو 400 درهم في اليوم الواحد، أي 12 ألف درهم في الشهر، وهذه أجرة إطار مغربي أفنى سنوات شبابه في الدراسة وأفنى عمره في العمل الدؤوب حتى يمكنه الوصول إلى راتب بهذا السقف المادي المريح جدا.

إننا اليوم أمام ظاهرة غريبة صارت واقعا مفروضا على كل سكان المدن، وهي التعايش مع إزعاج يتسبب لهم فيه تطاول المتسولين عليهم حتى لو كان الشخص غير راغب حتى في محادثة نفسه، فإنه يجد نفسه أمام عدد كبير من هؤلاء حين يبادرونه من هنا وهناك وحتى لو كان في مكالمة هاتفية مهمة، فإن المتسول يظل واقفا في انتظار إنهائه لمكالمته ليطلب منه الصدقة.

وقد قال لي الكثير من إخواني المغاربة، بأن الكثيرين يعرضون العمل على متسولين فيرفض هؤلاء مغادرة “المهنة” التي تدر عليهم مداخيل خيالية بدون أدنى جهد منهم.

وكم أثلج صدري الخبر الذي كنت قد قرأته مؤخرا حول مخطط اجتماعي إقليمي بناء وضعته ولاية الرباط لمحاربة التسول والتشرد بتراب العمالة، وذلك في إطار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية وتنفيذا للاتفاقية الإطار لتفعيل المخطط الجهوي لمحاربة الهشاشة لجهة الرباط سلا القنيطرة (2016-2020)،

وأطلقت الولاية بشأنه الرقم الأخضر (0800000202) للتبليغ عن حالات التشرد، بالإضافة إلى إحداث مرصد لرصد ظاهرة التسول والتشرد بتراب العمالة.

وأبرز بلاغ لولاية الرباط، أنه لتنفيذ برنامج العمل الإقليمي لمحاربة التسول والتشرد، والتتبع والسهر على حسن تدبير وتسيير مختلف مراكز الرعاية الاجتماعية والتنسيق بينها، أحدثت الولاية إطارا مؤسساتيا يتمثل في إحداث اللجنة الإقليمية للرعاية الاجتماعية لعمالة الرباط، والتي تضم في عضويتها جميع القطاعات المتدخلة في الشأن الاجتماعي والأمني، وجمعيات المجتمع المدني النشيطة في مجال محاربة الهشاشة، ومن بين مهام هذه اللجنة، الإشراف على تنفيذ برنامج العمل الإقليمي لمحاربة التسول والتشرد، وتتبع ومراقبة عمل المراكز الاجتماعية بتراب العمالة، بالإضافة إلى مواكبة مؤسسات الرعاية الاجتماعية التابعة للنفوذ الترابي لولاية الرباط، ودعمها لتصبح أكثر فاعلية ونجاعة طبقا لمقتضيات القانون 14.05 المؤطر لتنظيم وتسيير مؤسسات الرعاية الاجتماعية، وتعمل هذه اللجنة كذلك، على توفير الشروط الكفيلة بتحسين جودة الخدمات المقدمة لنزلاء المراكز الاجتماعية وفق المعايير المعمول بها والكفيلة بإعادة اندماجهم عائليا واجتماعيا، والمساهمة في تحسين القدرات التسييرية والتدبيرية للأجهزة المشرفة على تسيير وتدبير مؤسسات الرعاية الاجتماعية.

ولتفعيل هذا البرنامج الإقليمي، يلعب “مركز المحمدية للرعاية الاجتماعية” الكائن بالمدينة العتيقة بالرباط، دورا محوريا بحيث يعتبر الوجهة الأولى لأي حالة تشرد أو تسول يتم إحالتها من طرف الوحدات المتنقلة للمساعدة الاجتماعية التابعة لذات المركز أو تلك التابعة للسلطات المحلية أو من طرف المجتمع المدني.

وتعد هذه المؤسسة مركزا للاستقبال المؤقت للمتسولين والمشردين حيث يتم تقديم باقة من الخدمات الأولية من تطبيب ونظافة وألبسة وإيواء، كما يتم إعداد بحث اجتماعي على ضوء نتائجه، يتم توجيه النزيل بناء على أربع مقاربات تنبني على مقاربة الإدماج العائلي من خلال العمل على دمج الفئات المعنية في وسطهم العائلي بمدينة الرباط أو خارجها.

إنه مخطط إيجابي سيمنح ولاية الرباط وجها مشرفا ومشرقا بعد التغلب على هذه الآفة الاجتماعية السلبية، ونأمل أن يعم كل المدن المغربية حتى تكون مثالا يقتدى به في التطور والنماء الذي اختاره العاهل العظيم، جلالة الملك محمد السادس للمغرب، حيث صارت المملكة مضربا للمثل في الازدهار والأوراش التنموية الكبرى بفضل سياسة جلالته الحكيمة في مختلف المجالات.

إن المطلوب اليوم، وبشكل ملح، أن يتم وضع استراتيجية اجتماعية مضبوطة ومحبوكة بعيدا عن الخطط اللحظية والمؤقتة بهدف القضاء بشكل مبرم على ظاهرة التسول التي تعتبر وصمة عار في أكبر وأجمل مدن المغرب، والتي تضرب فرضا إسلاميا مقدسا في الصميم بانتحال الكثيرين لصفة فقراء ومحرومين لاقتناص الصدقة المرادفة للزكاة، وعندما نتحدث عن الانتحال، فإن الفقراء الحقيقيين صاروا موضع شكوك من طرف الراغبين في تقديم الصدقات، إذ صار الاعتقاد السائد هو أن كل المتسولين محتالون على الجيوب والعواطف.

لهذا، فالمطلوب من المسؤولين في كل جهة وفي كل مدينة، أن يعملوا على مكافحة هذا الوباء الذي ينخر جمالية المدن وأعصاب سكانها، وذلك بإيجاد أماكن معقولة ومهن مقبولة لهذه الفئة لإدماجها في المجتمع بطريقة سليمة تعيد للمدن توازنها الاجتماعي وتفرغها من جحافل المحترفين الذين نقرأ عنهم

بين وقت وآخر، بأن هذا المتسول عندما مات ترك وراءه ثروة كبيرة، وأن تلك المتسولة عندما ضبطتها الجهات الرسمية، تم اكتشاف مبالغ طائلة في حوزتها.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!