في الأكشاك هذا الأسبوع

حقيقة عدم اعتماد حميد شبار سفيرا للمغرب في موريتانيا

إعداد: عبد الحميد العوني

بعد طرد موريتانيا لوفد من 12 شخصية أمريكية نسقت مع لاري أندري، سفير الولايات المتحدة في نواكشوط والمعين مؤخرا في جيبوتي، اختارت الرباط الرد عبر مسؤول حكومي، لم يعرف عن نفسه، بما يسمى “الصبر الاستراتيجي” واعتبار شهرين ابتداء من عدم استقبال سفيرها، حميد شبار، “مهلة معقولة”، ولن يؤثر هذا التأخير، حسب ما أورده موقع “360”، الشبه رسمي، على العلاقات الثنائية “المتميزة”.

وأرادت المملكة أن يكون الرفض عبر القنوات “المختصة”، وليس أمرا شفويا يحاول أن يبتعد عن إحراج الطرفين، وأكدت المصادر الموريتانية في هذا الصدد وجود وثيقة في الموضوع، لكنها لم تسلك قنوات وزارة الخارجية في البلدين.

وكشفت محاولة فرض سياسة الأمر الواقع على نواكشوط، بعد 25 يوليوز الماضي، بخصوص السفير المغربي حميد شبار أو الرحلة عبر باريس للوفد الأمريكي الذي يقوده القس، جيسي جاكسون، أن نظام ولد عبد العزيز، دخل في ترتيبات جديدة قد تعدل من موقفه المحايد في الصحراء قبل جولة المبعوث الأممي كوهلر إلى المنطقة، وأيضا التفاوض على “الأجندة” قبل تعيين السفير الذي يعوض لاري أندري، الذي اضطر للخروج عن صمته في حوار مع “لوكوتيديان دو نواكشوط” وقال: “إن أجندة ترامب في موريتانيا هي نفس الثوابت الأمريكية تجاه هذا البلد”، وقد أعاد رئيس الولايات المتحدة صياغتها وتتمثل في الأمن والحكامة، وخاصة حقوق الإنسان، وجاء هذا التشديد من السفير الذي يخاف على أمن موريتانيا ويضع “أمن البلدين” في قمة اهتمام الإدارة الجمهورية التي لا ترى مانعا من استمرار ولد عبد العزيز في حكم موريتانيا، عكس ما يراه الجوار.

نواكشوط وقفت إلى جانب السعودية وحلفائها في حصار قطر، كي لا يستغل المغرب الفرصة لحصار موريتانيا بدعم من التحالف الذي يخوض حرب اليمن بقسوة

رأى ولد عبد العزيز موقفه ضد قطر، “حالة استراتيجية”، خوفا من حصار مرتقب تتهم نواكشوط المغرب بإدارته إلى جانب دول التحالف الذي يخوض حرب اليمن.

وابتعدت الرباط عن إرسال أي إشارة سياسية في الموضوع، لكن المواجهة البحرية حول “الكويرة” وإعلان المغرب ترسيم حدوده البحرية ملحقا بها إقليم الصحراء، كشفت الواجهة الاستراتيجية للصراع.

وطوى الموريتانيون صفحة السفيرين: الأمريكي لاري أندري والمغربي حميد شبار، لكن الرباط لا تزال متمسكة باقتراحها لدكتور العلاقات الدولية في جامعة بروكسيل قبل أن يلتحق بوزارة الداخلية، وكان مكلفا بالتنسيق مع الأمم المتحدة في يوليوز 2001، ومع بعثتها في الصحراء.

وهذا العضو في اللجنة التي أطلقت “مبادرة الحكم الذاتي” وقامت في يونيو 2014 بلقاء كريستوفر روس من أجل تحييد مشروعه “الفيدرالي” قبل أن ينجح في سفارة بلده بغانا من تحويل المغرب إلى خامس مستثمر في هذا البلد الإفريقي، هو حاليا مفتاح الأزمة القائمة.

وإن نجح شبار في تحييد موقف نظام ولد عبد العزيز وتحويل الاستثمارات المغربية إلى نواكشوط، ستحقق الأجندة المغربية كامل أهدافها.

ولا تريد المملكة حاليا أي تغيير واسع في موريتانيا، خوفا من دخول هذا البلد في مرحلة “عدم الاستقرار”، لكنها تعمل على تعديل في “سلوك نظام ولد عبد العزيز” المدرك جيدا لتعيين وال سابق على وادي الذهب ـ الكويرة، في منصب سفير للعرش العلوي في عاصمته.

واتجهت موريتانيا إلى توضيح “تحفظها” من هذا التعيين دون نفي حالة الرفض التي أقرها أقطاب في نظام ولد عبد العزيز لوسائل إعلام مختلفة، ولا تريد نواكشوط الرد بخطوات تصعيدية، لأن صفقة قبول شبار بمقابل قبول المغرب لأي اسم موريتاني في سفارتها في الرباط ،لا يزال له موطئ قدم في رؤية الخارجية الموريتانية.

وأراد ديوان الرئيس ولد عبد العزيز، عدم ختم أي وثيقة في الموضوع المثار، لأن التحفظ الموريتاني ظاهر للعيان، وإلا فإن “التجاهل” سيطال هذا التعيين، استمرارا للوضع القائم.

والسفير السابق للمغرب في غانا، له حنكة في التعاطي مع “الدول غير العدائية والمعترفة بدولة البوليساريو”، ويمكن أن يشكل قفزة نوعية في العمل المغربي بمنطقة غرب إفريقيا.

وساهم حميد شبار في تحييد دور “المينورسو” لسنوات قبل أن يعيد الكرة مع “مشروع كريستوفر روس”، وانتهى الأمر بطرد المكون المدني للبعثة الأممية لقضية الصحراء قبل أن يعيد مجلس الأمن العمل بكامل طاقم البعثة، وينتهي الرهان على السلاح في “أزمة الكركرات”.

وتعيش العودة إلى استراتيجيات “التحييد” على المستوى القاري، من خلال دول الاتحاد الإفريقي وعلى المستوى الإقليمي في موريتانيا وأيضا في الجزائر، “الدرجة الصفر”، تماما  كالعلاقات الميتة بين المغرب والجزائر منذ 7 سنوات، حسب وزير الخارجية ناصر بوريطة.

ومن المخيف أن تتحول استراتيجيات “التحييد” انطلاقا من المغرب إلى سياسات لـ “التجميد”، وهو ما يعمل به الجنرال ولد عبد العزيز.

 موريتانيا تعيد صياغة علاقاتها مع أمريكا والمغرب من خلال مشكل السفراء

استجابت واشنطن لتحفظات نظام ولد عبد العزيز لقرارها نقل السفير لاري أندري دون أن تعين سفيرا جديدا، ويصر المغرب على سفيره رغم تأخر اعتماده كي لا يضع بسهولة اسما جديدا عوض حميد شبار.

وهذا اللعب على الزمن، جزء من قدرة النظام الموريتاني على بقائه بعد إطاحته بأول نظام ديمقراطي منتخب في البلاد.

وفي تفاصيل رفض موريتانيا لاستقبال القس، جيسي جاكسون، ضمن وفد أمريكي هام، يكون ولد عبد العزيز قد مس بمشاعر كل “السود الأفارقة”، وهدد نظامه، وإن استمر في قدرته التكتيكية على إنشاء غلاف جيوسياسي لـ “شعب البيضان”، لأول مرة منذ 1622 للميلاد.

يقول السفير لاري أندري: “لقد قبل الوفد الذي يترأسه جيسى جاكسون وسين تينر والوفد في الطائرة، بتعديل البرنامج للمرة الثانية، وقبول الوفد مسؤولا موريتانيا لمتابعته على الأرض، وطيلة الرحلة، لكن الخارجية الموريتانية رفضت”.

وقال في حواره: “إن جيسي جاكسون، رمز ويؤمن بالسيادة المطلقة للدول”، وسبق لبوبكر ولد مسعود أن زار شيكاغو إلى جانب بيرم داه عبيد، ودققت التقارير الموريتانية في بعض الجوانب:

أولا: أن ولد عبيد شارك في مسيرة 3 غشت الماضي في نواكشوط، ودخل المستشفى لساعات على إثر استنشاقه للغازات المسيلة للدموع، وراسل الأمم المتحدة في السابع من نفس الشهر عبر فرع منظمته “إيرا” الإيطالية، بما يجعل الوفد الأمريكي في جانب منه يضم محققين في هذه الأحداث، ومنها اعتقال رئيس فرع “أليغ” داخل البلد (كراشي) لمرور الوزير الأول الموريتاني بهذا البلد.

ثانيا: إثارة أخطر قضية حول موريتانيا في أمريكا، وهي التسجيل البيومتري لأجهزة ولد عبد العزيز على أساس عرقي (أسود ـ بيضاني).

وضمن الوفد الأمريكي خبير أمني في هذا الموضوع.

وسبق للسلطات التحفظ على جواز سفر ولد عبيد في إجراءات قنصلية لأولاده أمام السفارة السعودية في نواكشوط، وقد اتهم المعني سلطات نواكشوط بالتنصت عليه من إقامته بالعاصمة السنغالية، دكار.

ولا يخلو أن يكون هناك تعاون سنغالي مغربي في الموضوع كما تورد التقارير من نواكشوط، وينفتح المغرب بما يجعله داعما لـ “الأفريقانية” كما تحدثت مداخلتان على الأقل، في مؤتمر ميونيخ قبل أيام (11 شتنبر الجاري) لنفس المنظمة.

وإثارة المغرب والسنغال في الخلاف الموريتاني ـ الأمريكي، يعقد مسألة التأخير في اعتماد حميد شبار أكثر، فيما يدفع طرف داخل أجهزة النظام الموريتاني إلى قبوله مع فتح سفارة البوليساريو في نواكشوط، واعتمادها مركزا لجولات التفاوض السري الذي سيعتمده الألماني كوهلر، المندوب الأممي الذي عوض كريستوفر روس في مهامه.

ويصر الجيش الموريتاني على عدم اعتماد السفير المغربي

حميد شبار، لموقفه الواضح من “الكويرة” دون استعجال فتح سفارة البوليساريو إلا بشرط: “عدم وجود ملحق عسكري فيها”، واستطاع إبراهيم غالي “إقامة قنوات اتصال مهمة”.

ومن المخيف في نظر استراتيجيين عسكريين في الجيشين الموريتاني والجزائري، أن يعمل المغرب على وضع “البيضان” بين الأمازيغ والسود الأفارقة، لحصار استراتيجية ولد عبد العزيز.

وتمكن حميد شبار من تحييد مشاريع ذات طابع وثقل استراتيجيين من داخل الأمم المتحدة، وبعثتها في الصحراء، والفرصة مواتية لدخول الاستثمار المغربي إلى موريتانيا، بفعل الوضع الاقتصادي للجارة الجنوبية، فبعد النمو الاقتصادي بين 2010 و2014 والذي بلغ 5.5 في المائة ونمو الصادرات في هذه الفترة بـ 71 في المائة، حيث انتقلت واردات الخزينة من 200 مليون دولار إلى 400 مليون دولار، والاستثمارات الخارجية إلى 756 مليون دولار، وصادرات الحديد إلى 140 في المائة، تواجه نواكشوط حاليا انتقالا للدين الخارجي بـ 4.904 مليار دولار، بزيادة 153 في المائة، وهو ما دفع جريدتي “لوموند” و”لوموند أفريك” في مقالين متزامنين في الأسبوع الأخير إلى القول بوجود “فشل اقتصادي” يسمح للمغرب بانتهاز الفرصة ودخول استثماراته بقوة لأخذ المكان والتأثير في دوائر القرار.

وتبدو شروط نجاح مهمة حميد شبار في موريتانيا أكثر وضوحا، واحتمال نجاحها كبير، لأن فكرة تقليد النظام الموريتاني للأوراش الكبرى أو الأوراش الملكية في المغرب، تأتي من بوابة تعاون العاصمتين، الرباط ونواكشوط.

ويحاول الإعلام الفرنكفوني، القريب من المغرب، انتقاد مشاريع مثل مطار يستقبل مليوني مسافر رغم حاجة موريتانيا إلى مطار لاستقبال 120 ألف فقط، إلى جانب “طريق الأمل” وقناة زراعية من 55 كيلومترا، وذلك بهدف إيجاد تعاون ثنائي يحمي هذه المشاريع في الدولتين بعد خروج المطالب الاجتماعية إلى الشارع، وحملها من طرف شباب عاطل أو معطل يصل في موريتانيا وحدها إلى 32 في المائة.

ويجد النظامان: المغربي والموريتاني في البلدين، نافذة للتعاون والدفاع عن مشروعيتهما التنموية، واعتماد السفير حميد شبار، يخدم هذه الأهداف التي تطابق مصالح الطرف الثالث: فرنسا.

 حميد شبار لم يتلق الورقة الحمراء مباشرة، لأن دوائر الدبلوماسية في باريس دعمت تعيين الرباط لهذا الاسم في سفارة المغرب بنواكشوط

إن جاء رفض اسم حميد شبار من المخابرات الفرنسية الخارجية، فإن بعض الدوائر الدبلوماسية دعمت هذا التعيين المغربي في نواكشوط، وهي دوائر مهتمة بالجانب الاقتصادي عموما، ولا ترغب في إخراج موريتانيا عن حيادها.

وتركيز نواكشوط والرباط على الجانب الاستثماري والاقتصادي، فيه تحييد بنيوي متزن لدور موريتانيا في ملف الصحراء، لأنه يهدد بتقاسم جديد للمصالح بخصوص الإقليم المتنازع عليه، إن أعادت نواكشوط رسم أولوياتها.

ونظام محمد ولد عبد العزيز، لم يلق الورقة الحمراء مباشرة في وجه السفير الجديد للمغرب، وفي نفس الوقت يأخذ المسافة من اعتماده، إلى حين حل المغرب لمشكله، إن رغب في تعيين بديل عن شبار، أو الاستمرار في علاقات دبلوماسية من دون سفيرين.

الرباط ترفض ربط موضوع تسليم رجل الأعمال بوعماتو الذي انهار مشروعه بموت الرئيس الموريتاني الأسبق ولد فال، بمسألة اعتماد السفير حميد شبار

انتهى تهديد بوعماتو و”جماعة الداخلة” كما يسميها البعض، بموت الرئيس الموريتاني الأسبق ـ أو قتله حسب أوساط معروفة مصدومة بغيابه ـ ورفضت الرباط ربط تسليم هذا المعارض برفض اعتماد سفيرها حميد شبار، وهي رسالة إلى عزل موضوع السفير المغربي في نواكشوط، عن رهانات وحسابات واستراتيجيات العمل المغربي فوق الأراضي الموريتانية، فيما تركز نواكشوط على التواجد المخابراتي والمسلح في الكويرة وخليجها أكثر من حضور عناصرها في العاصمة المغربية.

وما وقع لطرد موريتانيا لجيسي جاكسون ومن خلاله منظمة “رينباو”، يوجه رسالة إلى أي عمل إنساني يخدم أبعادا سياسية، ومنه عمل الدول الجارة التي حاولت في وقت سابق: “إعادة تدوير المكعب من خلال تحالف رجال الأعمال مع رؤساء وقادة عسكريين حاليين أو سابقين”.

وعلى الأرض، انتهى “تحالف بوعماتو ـ ولد فال”، ويمكن أن تنتهي أمثلة أخرى، ولن يعمل السفير حميد شبار على مثل هذه الورقة كما جاء في منطوق إعلان المسؤول الحكومي لموقع “360”.

 انقسام موريتاني حول حميد شبار لأن الرئاسة حددت تاريخا لاعتماده قبل أن يلغى

كان من المهم عدم نفي السلطات الموريتانية خبر إلغاء الرئاسة اعتماد السفير المغربي المعين مؤخرا، قبل أن يتقرر الأمر من خلال القنوات المعهودة، ويعتقد الجانب الموريتاني أن الدول الصديقة، لا تكاد تستخدم هذه القنوات، من باب اللياقة والحفاظ على المستوى الحالي للعلاقات الثنائية.

وتمنع نواكشوط أي تدهور في العلاقات مع المغرب بنفس حرصها على عدم تطويرها في اتجاه لا يضمن الشراكة المتوازنة في رسم الأجندة، ومن ثم تطبيقها.

وفي جملة التحفظات المتواصلة التي طبعت علاقات ولد عبد العزيز مع المغرب، تكون مسألة السفير شبار ضمن مجموعة قضايا عالقة بين الجانبين.

 إطلاق حوار استراتيجي موريتاني ـ مغربي يعمل في إطاره السفراء

تريد نواكشوط أن يبدأ عمل الدولتين عبر السفراء، وباقي الفاعلين، في إطار حوار استراتيجي يبدأ بلقاء قمة مغربية موريتانية، وخارج هذا العمل، يمكن لموظفي السفارات أن يكونوا مجرد متابعين للأخبار والوقائع دون أن يكون لها تأثير على التنمية والاستثمار وخدمة السلام والاستقرار، وحاليا، تكون موريتانيا قد ربحت معركة، لأن الانعكاسات صعبة ما بعد طرد جيسي جاكسون، الأب الروحي للسود الأفارقة، وقد بكى رئيس الكونغو ساسو أنجيسو لبكائه في تعيين أوباما رئيسا لأمريكا.

شيء ما جرحه الجنرال ولد عبد العزيز في قلوب الأفارقة قد يدفعه إلى التراجع في معركة شبار أو معركة المغرب، فيما يدفع ديوان الرئيس، أن يكون اسم السفير الأمريكي القادم في نواكشوط، مهيكلا للصورة، وربما لحركة نظام ولد عبد العزيز، وبين التحدي الذي يواصل به ديوان الرئيس عمل الدولة في موريتانيا وبين التراجع الذي لن يفيد كثيرا النظام الحاكم، يبقى تعيين شبار عالقا لأيام أخرى.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!