في الأكشاك هذا الأسبوع

ملف|| أخطر التحديات والأسرار في زيارة بوريطة إلى واشنطن

الحرب “القذرة” في حسابات ترامب بين المغرب والجزائر

إعداد: عبد الحميد العوني

ذهب وزير الخارجية المغربي إلى واشنطن وحيدا وناقش نظيره الأمريكي وحيدا من دون حضور الأميرة للا جمالة، سفيرة المملكة بالولايات المتحدة، مما جعل أوساطا غربية تؤكد اختزال اللقاء في 20 دقيقة وإن خاطب تليرسون موقع وزارته مباشرة، بوجود “مخطط كبير للنقاش” بين البلدين.

وكان ناصر بوريطة قد أجل زيارته الرسمية للولايات المتحدة الأمريكية من نهاية شهر يونيو الماضي، عقب انتقاله بين دبي والكويت في الوساطة المغربية بخصوص أزمة قطر، ليتزامن لقاء السابع من شتنبر الجاري بحضور أمير الكويت والتفجير النووي لكوريا الشمالية الذي ختمت السؤال عنه، التحية بين الرجلين (بوريطة وتيلرسون).

ورأى محللون، أن تأخير الزيارة جاء لسببين: معرفة هوية السفير الأمريكي في الجزائر، وأيضا السكرتير المساعد لشؤون إفريقيا في الخارجية الأمريكية، وخسر مرشح المغرب (جون بيتر فام) التنافس والوصول إلى منصب “رجل إفريقيا” في إدارة دونالد ترامب.

وتدافع الرباط عن الوضع القائم (استاتيكو) في قضية الصحراء قبل انطلاق المفاوضات الأممية مع البوليساريو.

تداعيات صفقة “فاليانس” أضعفت بوريطة في الداخل، وفي الخارج تأثرت المملكة بخسارة بيتر فام (مرشح المغرب) أمام دونالد ياماموتو، الذي انتخب لمنصب الرئيس “المنتدب” لقسم شؤون إفريقيا في الخارجية الأمريكية، كحل وسط لصراع دام لشهور حول رئاسة هذا القسم، وفي قلب هذا الخلاف، قضية الصحراء كما قدمها اللوبي القوي لسيناتور أوكلاهوما، جيمس إنهوف

أجمعت التغطيات على بقاء بوريطة وحيدا وإن تمتع بدعم المخابرات الخارجية “لادجيد”(1)، وإعطاء الجانب الأمريكي أهمية للقاء، حسب الملاحظات الواردة على موقع سكرتارية الدولة الأمريكية التي قال فيها تليرسون: “إن هناك مخططا أو عملا جادا للنقاش بين الجانبين”(2).

وزاد الخلاف حول ترشيح صديق المملكة (بيتر فام) إلى منصب “رجل إفريقيا” في الإدارة الأمريكية، من تعميق الهوة التي بدأت بتعليق ترامب على مساعدة المغرب المالية لمنافسته هيلاري كلينتون، ووجود خلافات مع الإدارة السابقة في عهد أوباما(3).

ومن المهم في نظر البعض، ألا يخلق التعاون الأمريكي ـ الجزائري مسافة تتقدم فيها الجارة الشرقية على نظيرتها المغربية على صعيد الحوار الاستراتيجي مع واشنطن.

وعين ترامب جون ديروشر، سفيرا لبلاده في الجزائر لملء الفراغ الذي تركته استقالة الأمريكي، كريستوفر روس، من مسلسل المفاوضات حول الصحراء، إلى جانب التعاون الأمني وتنمية التجارة والاستثمار، وفي محور ثالث، العمل على متابعة الإصلاحات السياسية والاقتصادية والتحكم في مرحلة “ما بعد بوتفليقة”.

وأعلن السفير عن هذه المحاور في “تشاور مؤسساتي” عال حسب تعبيره(4)، لأن الجزائر في نظره “مصدرة للاستقرار”، وقدمت المساعدة إلى تونس والنيجر، ولأول مرة، يبارك الأمريكيون هذه الخطوة الجزائرية خارج الحدود، في إيمان منهم بالتعاون والعمل المخابراتي الثنائي في إفريقيا.

وعزز تعيين ديروشر، رئيس المهمات الاقتصادية في بغداد بين 2009 و2010 والمكلف بقضايا مصر والدول المغاربية، تأمين المصالح الاقتصادية للولايات المتحدة في أي تحول يمكن أن تعرفه الجزائر، ولذلك طالب السفير باستثمارات أمريكية “عاجلة” وسماها “ضرورية”، لوضع يد واشنطن على التحول القادم في مرحلة “ما بعد بوتفليقة”.

وعرفت المحادثات بين واشنطن والجزائر تطورا اعتبره البعض “استثنائيا” منذ أبريل الماضي، في جولة المشاورات حول اتفاق التجارة والاستثمار (تيفا) لتوطيد علاقات الجانبين، الأمريكي والجزائري.

وأسس هذا الدبلوماسي منذ 1988 رؤيته من مكتب الشرق الأدنى بوزارة الخارجية، ومن مهمته قنصلا في 7 دورات قبل أن تعينه إدارته سفيرا فوق العادة من فئة الوزراء في الجزائر كما توضح وثيقة “بي. ن. 688″(5).

واعتبر البيت الأبيض هذا التعيين ضمن المناصب المهمة و”مفاتيح” إدارة ترامب، حسب وثيقة التعيين، وجاءت في ورقة واحدة إلى جانب تعيين كل من توماس بويمان ومارك بوزبي، في الإدارة البحرية لوزارة النقل، وكيلي إيلكس كوري في المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة، وكارل ريش في الشؤون القنصلية(6).

تقول “واشنطن إيكزامينر”: “إن ترامب استعجل، قبل عطلة غشت، تعيين السفير الأمريكي في الجزائر”(7)، وتعود معظم أسباب هذا الاستعجال إلى الحوار مع بوتفليقة، تحت عنوان ما سماه السفير: “الحوار المؤسساتي العالي” بين البلدين.

وكسرت إدارة ترامب عقيدة التوازن في العلاقات الجزائرية ـ المغربية، وعينت سفيرا جزائريا قد يخلق المسافة مع الرباط على مستوى العلاقات الثنائية مع واشنطن، لأن الإدارة الأمريكية لم تقرر بعد في شأن تعيين سفيرها في المغرب.

ومن الصعب لإدارة المملكة أن تعيد العمل مع ناصر بوريطة على عقيدة التوازن الجزائري ـ المغربي، لأن المغرب ذهب إلى المجموعة الاقتصادية لغرب إفريقيا، وقال وزيره في الخارجية بأن العلاقات الجزائرية ـ المغربية ماتت منذ 7 سنوات(8)، بل أعاد رئيس دبلوماسيته، تعريف المغرب في حواره مع “جون أفريك”، على أساس وضعه الجيوسياسي في غرب إفريقيا منطلقا من مفهوم جديد لـ “المغرب الأقصى”.

وأوضح المسؤول المغربي أن “البرغماتية”، أسلوب مباشر للسياسة الخارجية لبلاده، بما شجع البرغماتية الأمريكية على إلغاء المغرب من الدول المغاربية التي يبني عليها السفير ديروشر، كل تصوره وخطواته.

وتبدو الخطوة القادمة أشد ذكاء عندما تسمح الولايات المتحدة للعمل الأمني المشترك مع الجزائر أن يكون متقدما وغير مسبوق في تونس والنيجر، أي بناء تخوم جديدة حول الجزائر في معادلة إقليمية جديدة، يدعم فيها الرئيس بوتفليقة هذا التحول في العلاقات الثنائية مع واشنطن، فيما يسافر وزير الخارجية المغربي وحيدا إلى العاصمة الأمريكية.

خسارة وإن قيل “نصف خسارة” أمام السفير دونالد ياما موتو

خسر مرشح المغرب، بير ترفام، وإن دعمه الحقوقيون وعلى رأسهم صاحب “إيناف بروجيكت”، لوقف جرائم التطهير العرقي في إفريقيا، لأن انتصاره انتصار لطرح الفيدرالية في الكونغو، ويعني هذا دفاعه عن “الفيدرالية” على طريقة كريستوفر روس، وليس الحكم الذاتي كما تقترح العاصمة الرباط سقوفه لحل مشكل الصحراء.

وانتصر الرئيس المنتدب، ياما موتو، المدافع عن شرق إفريقيا، في مقابل “إفريقيا الغربية” التي تريد الرباط من خلال “سيداو”، العمل معها على تعزيز موقع المجموعة في القارة، لكن الذي جمع العمل في الميدان وفي واشنطن(9)، حسب وصف إدارة ترامب لرجل إفريقيا، لا يختلف عن جون ديروشر في مقاربته للأمن والاقتصاد.

وما قام به ياما موتو في شرق إفريقيا سينتقل عمليا إلى غربها، ولا يمكن للمغرب أن يصطدم مع ديناميكيتين، الأولى من السفارة الأمريكية بالجزائر، والثانية من إلحاق إفريقيا الغربية باستراتيجية أمريكا في إفريقيا الشرقية.

ولتوضيح الصورة، يورد كتاب “الحروب القذرة”، البرقية السرية التي وقعها دونالد ياما موتو تحت رقم “06 أديس أبابا 3212″(10)، وبها أمر تنفيذي بمحاربة الوهابية في شرق إفريقيا بتكتيكات شبه عسكرية، وتريد الجزائر محاربة الفكرة الوهابية والطرق الصوفية  وباقي مظاهر الإسلام المغربي، دفعة واحدة، كي تحاصر باقي الأثر الذي خلفته إمارة المؤمنين في دول جنوب الصحراء.

وهذه العسكرة لعمل وزارة الخارجية الأمريكية، عقيدة الولايات المتحدة في إفريقيا كما أكد عليها ياما موتو في استجواب 26 يونيو 2016، كما يورده مفصلا، كتاب جودان أدامز وشون موراي(11).

ومن المخيف أن تتحول البرغماتية إلى “برغماتية قذرة” في التنافس الجزائري ـ المغربي على جميع المستويات الإفريقية وعلى صعيد العلاقات الثنائية مع أمريكا.

وقرار المملكة تحميل دبلوماسي واحد وكتوم في شخص ناصر بوريطة، الحوار مع المؤسسات في الولايات المتحدة، يكشف عن عدة نقط منها:

1ـ أن السفير الأمريكي في الجزائر يقول بوجود “حوار مؤسساتي عال” بين البلدين، فيما لم يحضر مدير واحد من الخارجية يساعد بوريطة في هذا الحوار، ولم تكن إلى جانبه سفيرة المغرب في واشنطن.

2ـ أن مسايرة الولايات المتحدة للمغرب في فك الارتباط مع الجزائر لكبح العلاقات الجزائرية ـ الأمريكية خارج التوازن مع الرباط، يهدف إلى بناء علاقات أحادية مع الجارين المتنافسين، وتستثمر واشنطن في ناصر بوريطة المسؤول عن هذه السياسة، أو على الأقل الناطق باسمها.

3 ـ أن التفاهم الأمريكي ـ المغربي استخباري بالأساس، وغير مؤسساتي كما يظهر، فبوريطة يعتمد على المخابرات الخارجية لبلاده (لادجيد)، فيما يتقاسم السفيران، ياما موتو  مهندس العمليات السرية في الصومال وجون ديروشر المشارك في أكثر من عملية سرية في بغداد، نفس الخلفية.

ولم يصل الحوار بين واشنطن والرباط إلى كل أهدافه، بما يعني أن “القدرة” على إعادة إطلاق العلاقات الأمريكية ـ المغربية لا تحتمل إعادة تعريف “مصالح المغرب” بنفس ما يجب توقعه من الجانب الأمريكي الذي أنهى حديثه عن عقيدة “التوازن” الجزائري ـ المغربي، وحافظ على مصطلح الكتلة المغاربية التي تدور في فلك الجزائر، ومجموعة دول المغرب العربي، بضم موريتانيا إلى رباعية (طرابلس، تونس ،الجزائر ونواكشوط).

وعاشق كلمة “الشيطان يكمن في التفاصيل” الوزير بوريطة، يريد تعريف مصالح بلاده من زاوية “المغرب الأقصى” انطلاقا من حاضنته مجموعة غرب إفريقيا، وهو ما ينتهي إلى إصلاح الاتحاد الإفريقي، ووجهت الرباط ورقة مكتوبة بهذا الإصلاح إلى الرئيس الرواندي بول كاغامي.

ومن المهم في هذا التصور البرغماتي ـ الإصلاحي، إعادة تعريف “إفريقيا” و”المغرب في غرب إفريقيا” دفعة واحدة، ولا يزال المغرب في “المرحلة القانونية” لانضمامه إلى المجموعة الاقتصادية لغرب إفريقيا.

وتدعم الرباط حاليا، التعريف الاقتصادي والأمني للمجموعات القارية بعيدا عن الإطار الجغرافي الصرف، أو الإحداثيات الجيوسياسية الكلاسيكية، في نظرها على الأقل.

أكبر هدية قدمتها السياسة الجديدة لبوريطة إلى الأمريكيين

إن تدمير “عقيدة التوازن” في العلاقات الأمريكية بين المغرب والجزائر، بخروج المملكة من فضائها الجيوسياسي للمغرب العربي وانتقالها إلى غلاف مجموعة غرب إفريقيا (سيداو)، يكشف أن باقي العوامل ستتأثر برسم العلاقات الجزائرية ـ الأمريكية بعيدا عن الاعتبارات والثوابت التقليدية في مصالح المغرب.

وفي نظر ورقة تقنية للخارجية الأمريكية، فإن تحويل نزاع الصحراء من البعد المغاربي و”المتوسطي” إلى البعد الإفريقي في غرب إفريقيا، غير وبدل موقف موريتانيا بشكل متدحرج وجذري، وأي علاقات أمريكية مباشرة مع نواكشوط، سيكون لها مفعول إقليمي عميق، كما لم يحدث في السابق.

وحرر انشغال المغرب بموريتانيا، على أساس المناورة الجديدة في غرب إفريقيا، الجار الشرقي للمملكة في عملية بناء علاقات أكثر رسوخا بين الجزائر والولايات المتحدة.

ويصعب على المغرب إدارة توتر يخرج نواكشوط من “حيادها”، لكن بعض الساسة المغاربة يتجاهلون الوضع، وإن هددت أوساط في موريتانيا من تحول يعتمد الفصل الذي حدث عام  1900 في الخارطة الموروثة عن الاستعمار، وليس “اتفاق مدريد”، لكن إسبانيا تؤكد على اعتماد وتسجيل الاتفاق في الأمم المتحدة، وليس هناك معنى قانونيا لدخول “الصحراء الغربية” في شكل كونفدرالي مع موريتانيا تحت راية شعب البيضان.

ويعمل الجنرال ولد عبد العزيز على توصية قانونية، في هذا الشأن، دون الوصول إلى إطلاق “موريتانيا الكبرى” (من فصالة إلى طرفاية).

وأضحى عمل السفير الأمريكي، لاري أندري في موريتانيا، أخطر “تكتيكيا” على باقي عمل الولايات المتحدة في المنطقة بعد “الاستقلال الاستراتيجي” الذي دخلته العلاقات الأمريكية ـ الجزائرية.

ويستبعد البنتاغون أي حرب في المنطقة، في الأفق القريب، بما يؤكد أن خارجية تيلرسون، لديها هامش المناورة الممكن لعمل متقدم في غرب إفريقيا من بوابة المغرب، وعمل متوازن من الجزائر للهيمنة على شمال إفريقيا (مصر والمغرب العربي) كما أكدته تصريحات وأفكار جون ديروشر.

 أوراق تيلرسون في وجه بوريطة

انتقل وزير الخارجية الأمريكي من مكان ميلاده في تكساس قبل ساعات من لقاء بوريطة الذي أشرف على العلاقات الروسية ـ المغربية، على الأقل في اتهام أوردته الورقة التي تحدثت عن وزير الخارجية المغربي المعروف بميوله البراغماتي، وقد بنى بعض الاعتبارات على أساس “غير واقعي” في قراءة ما يسمى بـ “الواقعية المغربية” في غرب إفريقيا والاتحاد الإفريقي، وأخيرا في العلاقات مع واشنطن.

ولا يكاد يختلف بوريطة وتيلرسون سوى في “ذكاء الصفقة” التي يدركها الوزير الأمريكي، لكن واقعيتها تختلف بين الطرفين، وإن اتحدا في العمل مع ملك أو مع من لديه خلفية ملك (ترامب).

يقول ديفيد كلارك في تحليل عميق، أن هذه الواقعية الصلبة للدولة بعنوان “دي فاكتو”، تلعب على احتمال ما هو واقعي في ما هو قادم(12)، أو ما هو آت، فيما الواقعية المغربية تنطلق من الأمر الواقع على أساس أن يكون الواقعي فيما هو قائم، وهذه النظرة تكشف أن قدرة العلاقات الأمريكية ـ المغربية على بناء أبعادها، قد خرجت عن سكتها التقليدية دون الوصول إلى بناء مسار جديد على أساس انتقال المغرب من غلاف “شمال إفريقيا والمغرب العربي” إلى غلاف “غرب إفريقيا”.

واستفادت الرباط من قراءة البنتاغون لهذا التحول، لكن الخارجية الأمريكية أخذت زمام المبادرة ورسمت خرائط جديدة وصفقات قد تكون صعبة بالنسبة للمغرب، ولكنها في المتناول.

ويستطيع تليرسون أن يبني بهدوء “المادة السرية” قاعدة للقوة الفعالة، وحسب جيم جيفري، المسؤول السابق في الأمن الوطني، فإن “تيليرسون يشبه كولن باول في عهد جورج بوش”.

ونسج وزير الخارجية الأمريكي علاقة “جدية” مع رئيسه بما يسمح له بهامش مناورة تبدأ من التحديد الجديد لشمال إفريقيا بعد خروج المغرب منه، والتصميم على رسم أبعاد ومستقبل غرب إفريقيا، الغلاف الجديد الذي تريده الرباط وتنتقل إليه.

وفي هذه الخلفية، يمكن إيجاد حل لقضية الصحراء، ويعتقد الخبراء الأمريكيون، أن الاجتماع العام للجمعية العامة للأمم المتحدة هي المناسبة الحاسمة، ولم يستطع بوريطة أن ينفي أو يؤكد حضور الملك إلى نيويورك.

قبل الاجتماع الدوري للجمعية العامة للأمم المتحدة، قررت إدارة ترامب حسم “ثوابتها” في سياسة العالم، وجاءت العلاقات الجزائرية الأمريكية في خانة مفاتيح هذه السياسة، وأيد السفير ياما موتو هذا التقدير بفصل الجزائر عن المغرب في خارطة مصالح الولايات المتحدة الأمريكية، بعد انتقال المغرب إلى مجموعة غرب إفريقيا (سيداو)، وإدارة الجزائر للخارطة المغاربية من خلال تونس، وأيضا، تحريك عجلة مجموعة إفريقيا الشرقية (كوميسا)

 

إن النقاشات الماراطونية لناصر بوريطة مع بوب كروكر وإيد رويس، عن الملف الليبي ومنطقة الساحل وقضية الصحراء، يكشف انعكاسات تحول المغرب إلى لاعب في غرب إفريقيا، مع تحويل الغلافات الإقليمية إلى تقدير جديد، فالخارجية الأمريكية لا تتطابق مع خرائط “سي. آي. إي”، وأخذت المسافة عن رؤية البنتاغون من أجل الوصول إلى بناء “حلول نهائية” أو ظرفية تضمن جزءً من الاستقرار الدائم.

والتقى بوريطة بسيريل سارتور من قدماء “سي. آي. إي” والمدير الرئيسي الحالي لإفريقيا في المجلس الوطني للأمن، ومن قوة هذا الشخص، أن له تقديرات استراتيجية، لأنه حامل لشهادة عن التاريخ الإفريقي من جامعة بوسطن عام 1984، بالإضافة إلى عمله في كل المواقع بما فيها تقديره الدقيق حول “أزمة الكركرات”، لذلك، لا تجد السياسة الإفريقية للمملكة دعما كبيرا من “مجتمع التعليم العالي والاستخبارات”، فيما يرفض بعضهم “التأثير الخارجي” من الإسلام السعودي أو المغربي على منطقة جنوب الصحراء، إذ أن انتقال المغرب إلى غلاف جيوسياسي جديد، يشمل الوصول إلى بناء جذور اجتماعية واقتصادية لهذا الانتماء، وهو ما يجب إثارته بين المغرب ومجموعة غرب إفريقيا (إيكواس أو سيداو).

وتجد إدارة ترامب فرصتها في إطلاق سياستها العالمية في الاجتماع الدوري للجمعية العامة للأمم المتحدة، ويمكن للمغرب أن تكون له الفرصة الأخيرة في تركيب المصالح الأمريكية في المنطقة بعد تغيير الغلاف الاستراتيجي للمغرب من شمال إفريقيا إلى غربها.

ومن اللافت في قراءة الأوراق السرية، أن منهج ترامب في إفريقيا، يزكي المبادرة الألمانية “كومباكت فور أفريقيا”، ولن يخرج كوهلر، الذي عوض الأمريكي كريستوفر روس، عن هذا الإطار.

يقول سارتور للمسؤول المغربي: “لا يمكن رؤية المغرب خارج خطة الأربعة في شمال إفريقيا (ليبيا، تونس، الجزائر، المغرب)، وأيد مرشح المغرب، بيتر فام، هذا التقدير طالبا مقاربة أمريكية صلبة لإفريقيا الجديدة المهتمة بالأهمية الجيوسياسية المتصاعدة لدولها، والدينامية المتقدمة لاقتصاداتها.

ولن يخرج هذا الوضع عن “مخطط مارشال”(13) يلغي البوليساريو وموريتانيا، وهي النقطة التي لم يؤيدها الأمنيون مستعينين بتقارير “هيومان رايتس ووتش” في سابقة غريبة.

ودافع ياما موتو عن سارتور، لأن الالتزام الأمريكي ليس تجاه الحكومات فقط، بل أيضا، تجاه المجتمعات المدنية(14) بما فيها المجتمع المدني المغربي، وعلى الرباط أن تركزعلى بعض النقط السابقة في سياستها.

قال ماتيو باج لجريدة “دايلي تراست”: “بكل الأصابع الناعمة لترامب، اختار مجربين في أجهزة استخبارية وموظفين كبار وجمهوريين شعبويين”، وهذا المحلل النيجيري، يقرأ خارطة التأثير الأمريكي في نيجيريا من قسم الدفاع والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، حين غادر أماندا دوري، وميشيل لينهان، المديرة المركزية للشؤون الإفريقية، وجنرال الجو، كورتيس وليامز الذي انتقل إلى الرئاسة، وكلها إشارات إلى التأثير الواسع لإدارة ترامب في إلحاق المغرب بالإيكواس”.

ولا يمكن لحدود اللحظة، القول أن “سي. آي. إي”، لديها موقف إيجابي من التحاق المغرب بمجموعة غرب إفريقيا.

وحسب هذه المصادر العليمة، فإن إسقاط مرشح المغرب (بيتر فام)، جاء من تقرير للسفير السابق في الكونغو برازفيل، ستيفاني سوليفان، حين كتب 7 صفحات بذكاء عن هذا التعيين الذي آل إلى ياما موتو.

 الخارطة التي واجهت بوريطة في واشنطن

دخل وزير الخارجية المغربي وواشنطن تهيئ كل المسرح لتسطير سياستها وإعلانها أمام العالم في الدورة العادية للأمم المتحدة، ولهذا خرج تراسي جان جاكويسون، مدير مكتب الصفقات بالنيابة من المنظمة الدولية، لكن نقاش المغرب بالنسبة لياما موتو، أخذ نصيبه أمام طاقم شاب جدا ناقش قضية الصحراء بطريقة لا تساعد داخل الجمهوريين أنفسهم على قبول الاقتراح المغربي، في ظل انتقادات شديدة ل”هيومان رايتس ووتش” بشأن مسألة “التعذيب” عقب اعتقال نشطاء حراك الريف، وكان واضحا أن ملاحظات السيناتور إنهوف، كانت السبب في إبعاد مرشح المغرب عن منصب رئيس قسم إفريقيا في الخارجية الأمريكية.

يقول تقرير يصف زيارة السيناتور إنهوف في 2010 لمخيم الشهيد الحافظ في تندوف: “إن المسؤول الأمريكي، يريد موقفا حاسما لترامب في قضية الأراضي التي يديرها المغرب في الصحراء، واقترح اللوبي الجزائري المحامي، جاك كينغستون، السيناتور السابق عن جيورجيا، وربح المغرب والإدارة الأمريكية “بعض التوازن” بتعيين ياما موتو.

وسمح، عدم وصول هذا القانوني الذي عاش فترة من حياته في إثيوبيا، لناصر بوريطة بالقيام بزيارته إلى واشنطن، وقد أجلت كل القرارات داخل “الإيكواس” وباقي المنظمات الإقليمية في إفريقيا، بالمقابل، ومنعا لأي تعاون عسكري نيجيري ـ مغربي قد يشكل محور الرباط ـ أبوجا بعد التعاون الغازي بين الجانبين، أفرجت واشنطن عن تجهيزات هجومية شديدة الحساسية بمبلغ 600 مليون دولار.

وفي قرار قد يعقد السياسة المغربية في القارة السمراء، لم تعد ممكنة، المساعدة اللوجستيكية المباشرة الموجهة من المغرب إلى شركائه إلا بموافقة واشنطن.

وأمرت الولايات المتحدة بتشكيل نواة “قوة إفريقية” من دول القارة المشاركة في مجموعة العشرين، بدأت في إيطاليا وقادها رئيس البنك الإفريقي للتنمية، أكينوومي أديزينا، إلى جانب مسؤولين من إثيوبيا ونيجيريا ورئيسي كينيا والنيجر، وأجمعوا على ضرورة حل قضية الصحراء من خلال تقرير مصير شعب الإقليم تبعا لمقتضيات الاتحاد الإفريقي.

وبدأت من جهة ثانية، شراكات دفاعية واستراتيجية بدأت ببروتوكول بين البنتاغون وأنغولا، وآخر بين موزمبيق والخارجية الأمريكية بعد لقاء تيلرسون برئيس الدولة.

وفي مراجعة ورقة الكونغريس من 70 نقطة التي أقصت المرشح  بيتر فام، يتأكد أن القدرة المغربية على المناورة، كانت محدودة، لأن الوزير لم يختزل رسم المملكة في شخصه كما اعتقد البعض، بل كان واضحا، أن الأمريكيين حققوا في تأثير صفقة “فاليانس” على زيارة بوريطة إلى واشنطن.

وأكدت الصحف وجود تأثير لهذه الصفقة التي أمرت بها مونيا بوستة عن وزارة الخارجية والتعاون الدولي، على زيارة وزير الخارجية المغربي إلى الولايات المتحدة، ورفع بشأنها تقرير، وأمرت الوزيرة شركة خاصة للاستشارة (فاليانس كونسولينغ) بتقييم الاتفاقيات الموقعة بين المغرب والدول الإفريقية، تكون نتائجه بالضرورة موجهة للملك في عملية محكومة بالأمن القومي المغربي، وهذه الشركة تعود إلى عهد أحمد رضا الشامي في وزارة التجارة الخارجية، وألغى الوزير الحالي حفيظ العلمي كل العقود معها، لأنها سلمت تقريرا موجها للوزارة إلى الاتحاد العام لمقاولات المغرب في طلب عروض آخر.

ولم يجد الأمريكيون صلة بين عدم حضور سفيرة المغرب مع وزير الخارجية بوريطة، وبين هذه الصفقة المثيرة للجدل، لكن طغيان المخابرات والقطاع الخاص على الصفقات المغربية مع إفريقيا، جاء في خلاصة فيها الكثير من التفاصيل التي أثرت ولاشك على حضور وزير الخارجية المغربي إلى واشنطن.

وحسب المصادر الأمريكية، فإن بوريطة لم يأت بأي جديد، من وجهة نظر خارجية الولايات المتحدة، وقد دار لأول مرة، خلاف حول الصحراء في تنصيب مسؤول أمريكي في منصب إداري.

الخلاف حول مشكل الصحراء يؤثر، لأول مرة في تاريخ أمريكا، في تنصيب مسؤول في منصب إداري

لن ينسى دونالد ياما موتو بأن وصوله إلى منصب مساعد الخارجية الأمريكية للشؤون الإفريقية، جاء من خلاف حول مشكل الصحراء، وأن وساطته مع إدريس ديبي والبنك الدولي في أبريل 2006 وإنهاء النزاع السوداني ـ التشادي، قد تدفعه إلى نفس المفتاح التشادي لحل مشكل الصحراء.

ولا شيء في نظر هذا الإداري في منصب وزير، يبرر التأخر في ملف الصحراء أو غيره، لأن هذه فلسفة الشخص(15)، وإعادة طرح مشكل الإقليم المتنازع عليه بطريقة حاسمة لا ترتبط حاليا بدمقرطة المغرب، وقد عدها في تقرير سابق، مدخلا، كما في حالة إثيوبيا، لأننا أمام “إيرتيريا أخرى” وقد اشتغل عليها بين 1997 و1998.

ونقلت “فورين بوليسي” هذا الخلاف حول الصحراء بين بيتر فام وياما موتو(16)، بما يؤكد أن القضية، أخذت أبعادا بديلة داخل الخارجية الأمريكية التي وصلت في وقت سابق إلى اقتراح توسيع مهام البعثة الأممية “المينورسو” لمراقبة حقوق الإنسان في الإقليم، ولم تنجح تصفية الموظفين الذين كانوا وراء التوصية، بل تقدمت فئة منهم، في مناصب أكثر حساسية وأهمية، لتكون المعركة حول

“الأرض التي يريدها المغرب” كما تقول وثيقة الكونغريس المؤلفة من 70 بندا.

والبنتاغون الذي تحفظ على التوصية المذكورة إلى الأمم المتحدة، يدير مخططه بعيدا عن المغرب الذي انتقل إلى غلاف جيوسياسي جديد لـ “غرب إفريقيا”، فيما يواصل عمله باسم شمال القارة والدول المغاربية من منطلق جزائري فقط، وهو المنطق الذي رفضه مرشح المغرب (بيتر فام)، إذ أنه مس إحدى أسس السياسة الجديدة للمغرب في إفريقيا، لأنه رفض تعريف المغرب من هويته الجديدة، كما قال، ويقصد “المجموعة الاقتصادية لغرب إفريقيا”.

وتدفقت الأموال مؤخرا لمواجهة الأزمة الإنسانية في إفريقيا بجنوب السودان والصحراء (مخيمات اللاجئين)، ويعتقد جون هيرش، بأن المشكلين سببا في إسقاط بيتر فام(17).

وتتعلق المسألة في نظره، بإحياء السلام عبر المفاوضات مع البوليساريو، وهو ما لم يكن أمره واضحا في زيارة بوريطة الذي يناقش سقف الحكم الذاتي ورفض “فدرلة المملكة” كما آمن بها الأمريكي كريستوفر روس، المبعوث السابق للأمين العام للأمم المتحدة لقضية الصحراء، وتذهب الخارجية الأمريكية إلى أن المفاوضات لتقرير المصير، جزء من الأدبيات الإفريقية والأممية والأمريكية حاليا، ولا يمكن تجاوزها إلا في إطار مؤتمر دولي.

بوريطة لم تكن له تفاصيل مبادرة المملكة في الحكم الذاتي المقترح

جاء بوريطة ليميز بين “الحل الفيدرالي” كما اقترحه الأمريكي كريستوفر روس بتفاصيل وأوراق رفضتها الرباط، وبين اقتراح المملكة لـ “الحكم الذاتي” الذي لا يضمن نفس الوزن والدرجة، بما يوحي أن الطريق عاد شائكا، خصوصا وأن الفصل بين الحكم الذاتي وبين تقرير مصير الأرض الصحراوية، طغى على رؤية مجلس الشيوخ الأمريكي، ويمكن تقرير “الإدارة الذاتية للصحراويين دون إعلان السيادة على الإقليم”.

وجاء المأزق مركبا، لأن بيتر فام، المرشح الذي دعمه المغرب لمنصب رئيس الشؤون الإفريقية في الخارجية الأمريكية، يرفض انسلاخ المغرب عن محيطه الإقليمي المغاربي واللجوء الجيوسياسي لغرب إفريقيا في شخص مجموعتها (الإيكواس).

ومن جهة ثانية، رفض باقي أصدقاء المملكة من الجمهوريين، الربط بين منح الحكم الذاتي للصحراويين وإعلان السيادة على الإقليم، فبموجب الإدارة التي حصل عليها المغرب، حسب بنود “اتفاق مدريد”، يمكن للمغرب تسليم حكومة منتخبة تحت إشراف ورقابة الأمم المتحدة، إدارة مصالح السكان المحليين في الصحراء، دون إثارة مشكل السيادة أو إلحاق تراب ومياه الإقليم بالمملكة.

ورفضت بعض الأوساط الربط الميكانيكي للمملكة بين مبادرة الحكم الذاتي وبين إلحاق إقليم الصحراء، بل إن واشنطن تقترح تسليم الأمم المتحدة سلطة إنشاء بنيات منتخبة في الإقليم لإدارة مستقلة عن المركز المغربي.

وحوارات بوريطة في واشنطن، لم تكن شافية بالنسبة للإدارة الجمهورية، وبدأت تحديات جديدة في علاقات إدارة ترامب والمغرب بخصوص مشكل الصحراء تحديدا، وهو التطور الجديد في هذا الملف.

هوامش:

  • Bourita, un ministre sacrement seul, le 1.ma(11/9/2017).
  • Great deal of discussion in remarks with Moroccan foreign minister, Nasser Bourita before their meeting, state.gov/secretary /remarks/2017/09/273855.
  • Nasser Bourita meets us secretary of state in Washington, Morocco word news, 8/9/2017.
  • Le sénat américain confirme la nomination de John dérocher comme ambassadeur des états unis en Algérie, Huff post Maghreb, 4/8/2017.
  • PN 688 – john dérocher – department of state.congress.gov.
  • President Donald j. trump annouces intent to nominate personnel to key administration posts, the white house, 21/6/2017.
  • Susan Ferrechio, senate confirms 65 trump nominees on last day before august break, Washington examiner (3/8/2017).
  • Nasser Bourita: les relations Maroc – Algérie sont au point mort a tous les niveaux, Jeune Afrique, 10/9/2017.
  • US names Yama Moto acting secretary of state for Africa – daily nation, 31/8/2017.
  • Dirty wars, the world is a battle field, n Jeremy scahill, clays, 2013.
  • Mission creep, the militarization of US foreign policy? Gordon Adams and Shoon murray, George town university press 2014.
  • «The facto sec state and perhaps the next real one» in, haley, trumps, Tillerson as voice of us foreign policy, Dave clarck, digital journal, 7/9/2017.
  • Africa: third trump try to fill senior Africa policy post Panafrican visions.com(29/7/2017).
  • Africa: U.S.state department to get experienced diplomat in key Africa, reed kramer, daily trust,( 30/8/2017).
  • Senior US diplomat says never to late to post pone chad’s may election, AFP 25/4/2006.
  • Gop senator blocks plans to fill africa post at state department, Dan luce, Robbie Gramer, foreign policy 25/8/2017.
  • South Sudan: the crisis continues, john Hursh, just security, 8/9/2017.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!