في الأكشاك هذا الأسبوع

ملف|قضية “شارل”.. تفاصيل أول عملية خاصة للمملكة في إفريقيا بضباط فرنسيين

اتهام “لادجيد” بالتجسس على السعيد بوتفليقة وأويحيى فوق الأراضي الفرنسية

إعداد: عبد الحميد العوني

نشرت الصحف الفرنسية عن توجيه المخابرات المغربية لضابط فرنسي رفيع، من أجل عملية في أنغولا بقلب إفريقيا، أدت إلى اعتقال “شارل.د”، رئيس وحدة المعلومات في مطار “أورلي” بباريس، وسكتت المفتشية العامة للأمن الوطني الفرنسي عن تحويل لوائح المسافرين من فئة “إس” الشديدة السرية منذ مارس 2016، مباشرة إلى عميل المخابرات المغربية “محمد .ب” الحامل لرقم الشيفرة “إم 118” من جهاز “لادجيد”، كما قال أبوبكر صادق، الكوميسير في المديرية العامة للأمن الوطني لجريدة “هوف بوست”، مؤكدا أن القضية تتعلق بالمخابرات الخارجية.

وصدر قرار الاعتقال، بعد تجسس المغرب مباشرة على مرور مسؤولين جزائريين من مطار “أورلي”، منهم حسب مصادر “الأسبوع”، أحمد أويحيى المدير السابق لديوان الرئيس الجزائري ورئيس الحكومة الحالية لبلاده، فيما ذكرت الجزائر، حميد قرين وزير الاتصال، والطاهر حجار وزير التعليم العالي، ولم تختلف المصادر حول تجسس على وزير الداخلية الأسبق نور الدين يزيد زرهوني.

وقرر بوتفليقة تغيير موقع هذه الأسماء للضغط على باريس من أجل اعتقال العميل المغربي، وهو ما لم يحدث، فيما توصل قصر “مرداية” من الجانب الفرنسي بالاسم الكامل للأميرة المغربية التي ذكرتها المحاضر، ومولت ثلاث سفريات إلى المغرب (غشت 2015، و2016، وربيع 2017)، بعد الوصول إلى تسجيلات في فندق “فور سيزن” بالدار البيضاء، وتسلم الضابط الفرنسي المال نقدا ليكون مجموع ما حصل عليه هذا الضابط من يناير 2016 إلى ماي الماضي، 20 ألف يورو، حسب اعترافاته التي قال فيها: “كنت ساذجا وجرى استغلالي”، فيما عبر محاميه عن تدمير “قناة مهمة بين بلدين صديقين: فرنسا والمغرب في مكافحة الإرهاب”.

 رسم الخطوط الحمراء في التعاون الاستخباري الفرنسي ـ المغربي: عدم توجيه ضباط فرنسيين من طرف المخابرات المغربية إلى عمليات خاصة في إفريقيا “دون أن تكون العمليات مشتركة أو سبق التنسيق فيها”، على ألا تخدم المملكة مصالحها باسم باريس، وأيضا عدم تجسس المغرب على الجزائر والجزائريين فوق الأراضي الفرنسية بأسماء فرنسية، وقبلهما عدم السماح للمخابرات الداخلية بقيادة الحموشي بالتجسس الخارجي

إن وقفت إسبانيا ضد عمل المخابرات الداخلية المغربية خارج تراب المملكة منذ عهد الجنرال لعنيكري وقد اتهمته بتفجيرات مدريد لإبعاده عن منصبه، فإن فرنسا قررت مواصلة رسم هذا الخط الأحمر مع قيادة الحموشي، واستدعى القضاء الفرنسي مدير الأمن الوطني والمخابرات الوطنية بتهم تتعلق بالتعذيب لوقف نشاطه في إفريقيا.

وجاءت قضية “شارل” لرسم خطين أحمرين واضحين: عدم توجيه المخابرات المغربية لضباط فرنسيين في عمليات خاصة لصالح المملكة فقط، دون أن تكون هذه العمليات مشتركة أو سبق التنسيق فيها.

ومن الصعوبة، تسخير المغرب للمخابرات الفرنسية من أجل الوصول إلى مصالحه المباشرة في إفريقيا، وعدت الجهات الفرنسية قضية “شارل” محاولة جديدة لرسم حدود يحاول الطرفان استثمارها بشكل قاس ومنفرد.

وجاءت الحادثة ضد رفع مستوى “تبادل المعلومات” إلى مستوى “تبادل الملفات كاملة”، بعد أحداث “باتاكلان” دون تصفية أو تعديل أو حجب أسماء.

ووقعت باريس ضحية “فوبيا” العمليات الإرهابية، حيث سمحت بمستوى يمس سيادتها على صعيد تبادل المعلومات حين انتقل إلى المساس بمصالحها في إفريقيا، وجاء اعتقال “شارل” لتذكير الشركاء بالشروط التي تعيد المغرب إلى موقعه السابق.

وفي قضية “شارل” الذي ترأس وحدة المعلومات في شرطة الحدود (باف) بمطار “أورلي”، فإن المهمة كانت مزدوجة، تشمل مراقبة الوضعية الاجتماعية للمطار واستعداد العمال للإضراب، وأيضا مكافحة الإرهاب في خلية من 7 عناصر تختلف أدوارها من الهجرة إلى مراقبة الشخصيات الأجنبية الحاملة للجوازات الدبلوماسية.

والواقع، أن تحذيرات “إدريس”، المعتقل الثاني في هذه القضية والمولود في المغرب والعامل في إدارة الشركة الخاصة المشرفة على أمن المطار، نقلها “شارل” في تقارير إلى الأجهزة الفرنسية، وهي القادمة إلى “إدريس” من العميل المغربي “محمد”.

هذه الثقة تحولت لصالح “إدريس” الذي يعرف عن “شارل”، 59 سنة، أكثر مما يعرفه هذا الأخير عنه، وهو ما دفع بالمخابرات الفرنسية إلى كسر هذه القناة لأنها تخدم مصالح الرباط أكثر من مصالح فرنسا.

و”محمد. ب” ضابط المخابرات المغربية، لم يكن معروفا لدى الفرنسيين وقد توصل بـ 210 تقارير سرية، وشكل عقدة للتعاون الثنائي الفرنسي ـ المغربي، لأن الرباط لم تطلع نظيرتها على أي شيء يخصه، بل إنه عبر بوضوح على أنه “لا يثق في الأجهزة الفرنسية لوجود توترات بين المغرب وفرنسا”.

وقررت باريس عدم اعتقال العميل “محمد. ب”، لأنه ليس من استخبارات الحموشي، وتجمع “لادجيد” (المخابرات الخارجية المغربية) إلى جانب المخابرات الفرنسية، بروتوكولات وأعراف عن الحركة فوق أراضي الشريكين، وتجمع دائرة “فال دون مارن” مطاري “أورلي” و”رواسي”، وتتبع في التحقيقات للدائرة 12 للعاصمة باريس في شارع “هيران”.

وقرار المفتشية باعتقال “شارل” والذي أخذت منه المديرية العامة للأمن الوطني مسافة، كشف أن مرسوم 31 أكتوبر 1986 الذي وقعه وزير الداخلية آنئذ، شارل باسكو، ودمج فيه المفتشية العامة للأجهزة “إي. جي. إس” والمفتشية العامة للأمن الوطني الفرنسي، ليس قادرا على رفع التحدي أمام الشركاء فكيف مع خصوم فرنسا.

وكشف التجسس المغربي على فرنسا، في نظر الخصوم، مواطن تراجع باريس في خارطة المخابرات الدولية، وحمل نفس النظرة المتعصبون لدور فرنسي قوي يتقدمهم السفير السابق في الجزائر والرئيس الحالي للمخابرات الخارجية الفرنسية، ولم تصدر باريس، في وقت سابق، أي قرار لاعتقال الفرنسيين المتعاونين مع المغرب، لكن تحولا حدث لقرار قوات ما يسمى “حزام الدفاع ـ الأمن” (زون دي ـ إس) اعتقال الفرنسيين المتعاونين مع المخابرات المغربية، تعزيزا لإصلاح 1999، بعد قرار 28 غشت 2013 تكثيف الاندماج بين “إي. جي. إس” الذي يعد مديرها نائبا لمدير المفتشية العامة للأمن الوطني.

وبإجماع حقوقي أممي، فإن “الشرطة في فرنسا فوق القانون” كما تقول “أمنيستي”(1) والأمم المتحدة(2)، وباقي المنظمات على رأسها “وورلد جوستايس”، ورغم ذلك تتراجع هذه الشرطة بشكل مخل في الداخل والخارج، واختارت الاعتقال في حالة “شارل” للتغطية عن هذه المآخذ رغم إصدار المفتشية 500 عقوبة في السنة منذ 2012، وفي عام 2007، قامت بالتحقيق مع أحد عناصرها الكبار لأنه “يساري جدا” وبعدها برأت المحكمة كل المنتمين لأسلاك الشرطة، واعتقلت “شارل” لأنه “مغربي جدا”.

وفي حقيقة الأمر، جاءت هذه القضية للتغطية على قضية “تيو” التي كيفتها الشرطة “حادثة” فيما هي عملية قتل(3) وهتك عرض(4)، ودعا عمدة أولناي، إلى الهدوء بعد صدور التقرير الرسمي(5) الذي برأ الشرطة.

وخدمت  قضية “شارل”، من ناحية أخرى، أكثر من جهة في الدولة الفرنسية، للرغبة الشديدة من بعض الدوائر، في تغيير المديرة العامة للمفتشية، مدام مونيجي (ماري فرنسا) المعينة منذ 15 شتنبر 2012 في عهد فرنسوا هولاند(6).

 قبضة الحديد بين ياسين المنصوري وباريس يستثمرها رئيس المخابرات الفرنسية لتغيير المديرة العامة للمفتشية العامة للأمن الوطني مدام مونيجي (ماري فرنسا)

 جاء اقتراح مدام مونيجي (ماري فرنسا)، زوجة غويمارس، لقيادة المفتشية العامة للأمن الوطني الفرنسي، من طرف وزير الداخلية الأسبق، مانويل فالس في عهد الرئيس السابق فرانسوا هولاند، واليوم تغيرت كل القيادات الأمنية في عهد ماكرون، في الوقت الذي تعاني فيه الدول التي يستهدفها الإرهاب من فراغ أو نزاع في قيادة الأمن الداخلي.

تقول “لوسوار” البلجيكية: “إن هناك أزمة على رأس مفتشية الأمن الوطني الفيدرالي في بلجيكا، لأنها تحت قيادة المدير بالنيابة منذ 8 سنوات (فرانسوا آدم)، ومن أول غشت 2017، تقاعد وليس هناك من يعوضه، وكانت نهاية مهمته في أول يونيو الماضي وجرى تمديدها لعدم وجود مرشح”(7).

وحسب مصادر “الأسبوع”، فإن انسحاب المرشح لتعويض فرانسوا آدم، جاء بمبرر علاقاته مع المغرب، فيما يود الوصول إلى الشبكة المغربية في أوروبا بالتعاون مع الفرنسيين، والحد من قوة “لادجيد” على أراضي الاتحاد الأوروبي، وهو ما ذهب إليه أيضا، وزير الداخلية الفرنسي، في تصريح ذكر المغرب، وأثار حنق مواقع شبه رسمية مثل موقع “360” الذي اعتبر الوزير “خفيفا وغير رزين”، لأن كلامه يوحي بإرسال المغرب لإرهابيين يمرون عبر إسبانيا للوصول إلى أهدافهم في باقي دول الاتحاد.

من جهة ثانية، تكون قضية “شارل” كعب أخيل في وصول السكرتير العام، دانييل جاكيم، إلى منصب “ماري فرنسا”، وقد باشر بنفسه هذه التفاصيل، إلى جانب رئيس قسم التحقيقات إيتيان دوران.

ولا يريد الفرنسيون تعميق البحث، لأن العملية ذكرت أميرة مغربية، إلى جانب جهاز “لادجيد”(8) وكأن حركتهما واحدة، فيما رفع التقرير الفرنسي فقرة إلى الرئيس ماكرون تقول بصعوبة تفكيك التداخل بين عمل جهاز المخابرات الخارجية المغربية وعمل الأسرة الملكية، وهو ما حدا بالرئيس الفرنسي إلى إبعاد نقاش الموضوع في زيارته للمغرب وقد اعتبرها زيارة “خاصة”.

ولا يزال الوضع جامدا، فيما جاء رد الفعل الجزائري على التجسس المغربي على شخصيات جزائرية فوق الأراضي الفرنسية، قويا وموجها إلى “مدام فرنسا” كما يسمي الإعلام المحلي المفتشة الأولى للأمن الوطني الفرنسي، “وهي تتابع التطورات أمرت باعتقال شارل بعد تحقيق بدأ منذ شهور، وتم فيه استجواب كل العاملين مع المعني في وحدته المكونة من 7 أشخاص، وكانت شهاداتهم كلها ضد الضنين”، حسب مجلة “لوبوان”(9).

ولا تنفي المصادر دخول المغرب على خط ذهاب “ماري فرنسا”، قائدة المفتشية العامة للأمن الوطني الفرنسي، بمساعدتها في تحقيقات معمقة تباشرها محكمة “كرتيل”.

وتعلق الصحف الفرنسية بالقول: “إن هذه القضية، تضع الماء في غاز العلاقات المغربية ـ الفرنسية”، فيما رأت كل الأطراف أن “إحالة القرار إلى المخابرات الخارجية الفرنسية، إيذان بصعوبة واضحة في استيعاب القضية مع الشريك المغربي، مما يستدعي البراءة كما في باقي الملفات المثارة”.

ومنذ يوليوز ،2016 توصلت كل الأجهزة الفرنسية بتفاصيل التحقيقات أولا بأول، ورفض مسؤولوها اعتقال “شارل” إلى أن جاء استخدام المخابرات الفرنسية في عملية خاصة في أنغولا لصالح المخابرات المغربية.

وبقيت المسألة في حدود “الرشوة” وليس “مكافحة التجسس المغربي”، تقول “لوباريزيان”(10)، ولم تتمكن المفتشية العامة من تحمل مسؤولية التحقيقات، خوفا من المساس بالشراكة المغربية ـ الفرنسية.

وربطت “لوباريزيان” بين استدعاء الحموشي في 2014 وبين التطورات الأخيرة لقضية “شارل ـ إدريس” كما يحب البعض أن يطلق على تجسس الأخ الأصغر (المغرب) على الأخ الأكبر (فرنسا)، وكان لابد من رسم خطوط حمراء جديدة، في مقدمتها، عدم السماح للمخابرات الداخلية المكلفة بمحاربة الإرهاب بالعمل على الأراضي الفرنسية، ولابد في نظر باقي الشركاء الغربيين، من نقل هذا الملف إلى “لادجيد”.

 متابعة المفتشية العامة للأمن الوطني لكل تحركات “شارل” بالدار البيضاء، كشفت عن عمل المفتشية في الخارج، وهو التقدير الذي يريده الحموشي من خلال قيادته للإدارة العامة للأمن الوطني والمخابرات الداخلية، للعمل فوق الأراضي الفرنسية

ترفض باريس عمل المخابرات الداخلية المغربية فوق الأراضي الفرنسية، وهذا الخلاف لم يسو إلى الآن عبر القنوات المختصة، وفي حالة العميل المغربي “محمد”، لم تستطع التحقيقات تحديده إلا بعد اعتقال “شارل”، وتراجعت المفتشية الفرنسية عن المتابعة التي بقيت للقضاء، بل وثق ضباط فرنسيون عمليات لإبعاد “لادجيد” عن عملها الروتيني.

وصدم الكاتب العام للمفتشية محيطه بضمان الرحلات السرية لسعيد بوتفليقة وباقي الشخصيات، بعيدا عما سماه “التجسس المغربي”، وجاءت المفاجأة من مكتب، جاكيم، حين تسرب لمراسل “لوفيغارو” الفرنسية، جيرجيس مالبرونوت، الزيارة السرية التي قام بها السعيد شقيق الرئيس الجزائري، ولقاءاته الثلاثة التي دار أحدها حول “صعوبة قبول الجزائر لمسألة التجسس المغربي عليها بقرار سيادي فرنسي” حسب تعبير السعيد بوتفليقة نفسه.

وانتقل شقيق الرئيس الجزائري للقاء سفير فرنسا السابق في الجزائر والرئيس الحالي للمخابرات الخارجية الفرنسية، وبقيت المحادثة 92 دقيقة، عمر اللقاء السري، مع وعد لرفع العاملين للمخابرات الجزائرية في فرنسا بـ 12 عنصرا لمراقبة الأعمال العدائية ضد الجزائر ونظامها.

وفيما وافق المغرب على متابعة “شارل” بالدارالبيضاء من طرف المفتشية العامة للأمن الوطني الفرنسي، كان من الواضح أن الحموشي يريد مهام مماثلة أو التعامل بالمثل في متابعة إرهابيين وقوائم أخرى تراها الرباط ضد مصالح الدولة المغربية ونظامها، وأعطى الحموشي “حماية الدولة” لضباطه، فيما قرر أويحيى نفس الحماية والدفاع عن الوحدة الوطنية لصالح أسلاك الشرطة والدرك والجيش الجزائريين، وعلى إثر هذا القرار، وتفاعلا معه، سلمت إسبانيا جزائريين من دعاة الحكم الذاتي في منطقة الميزاب، وقد سلمهم المغرب، في وقت سابق، “بطاقة لاجئ” مع رقم تسلسلي من المفوضية الأممية، لكن مدريد لم تعتمد هذه الإجراءات، وقبلت بما تراه الحكومتان: المغربية والجزائرية على قدم المساواة.

وشجعت الجزائر في هذه الأجواء، إسبانيا وفرنسا، على تعزيز التعاون، ومنع التجسس على عملائها، ويشدد المغرب من جهته، على المعاملة بالمثل في مسألة مكافحة مخابراته الداخلية للإرهاب فوق أراضي دول أخرى.

وتريد الرباط سيادة هذا المبدإ تحديدا، بين فرنسا والمملكة دون أن يشمل الجزائر، فيما يوافق الشركاء الأفارقة المغرب في توسيع عمل مخابراته على أراضي ثمان دول إفريقية.

 أثار اختراق المغرب للشركة العالمية “إي. سي. تي. إس” من خلال موظفيها، ذوي الأصول المغربية، المخابرات الغربية التي واصلت التحقيقات في قضية “شارل”

الفاعل الدولي في شعبة “العمليات الأمنية والأمن” على صعيد المطارات والطيران منذ 4 عقود “إي. سي. تي. إس” يدخل التحقيقات الفرنسية، لأن صلة الوصل بين ضابط المخابرات المغربي “محمد” والضابط الفرنسي “شارل” هو “إدريس” الذي استطاع بذكاء خارق أن يدير الأمور لصالح المملكة.

وحسب التقرير الذي توصل به المدير العام جون باتيست ثيلو، فإن مدير الأمن في الشركة باسكال شارييه، له علاقة مع 200 شركة و50 ميناء في العالم، وأن الشركة أرادت دخول المغرب عبر مجموعة “أرمونيا” لتحقيق هدفها.

ولم ترغب الشركة في تبني كل التقديرات الأمنية للمفتشية العامة، واستعانت بخبرتها في المجال، فقررت أن تساعد الشركة فرنسا في طي الملف.

ومسألة “إدريس” ضمن 2700 أجير في فرنسا، ليست مختلفة عن الباقي، واقترحت الشركة تفتيش السيارات والتجسس على اللوائح الدبلوماسية لصالح الشركاء، لكن التقارير بقيت علنية وفوق المكاتب، وهو ما أثار المفتشية قبل إقرار تحقيقاتها بخصوص هذه القضية حيث قالت “إنها سذاجة مضاعفة من شارل وإدريس”، فيما فسرها الآخرون بمحاولة استسهال وضع تجسسي كامل، لأن المغرب لم يرغب في تأسيس شبكة يحميها من الاختراق.

وضمنت هذه التطورات لـ “لادجيد”، هامش مناورة على صعيد التجسس على الشخصيات الجزائرية المارة من مطار “أورلي”، والسماح بعلاقات تقرب ثيلو من المغرب وقد أسس “سوفي نور” لجمع مجهود شركتين (إي. سي. تي. إس) وأخرى لـ “فرانس أورلي” وثالثة للتخطيط.

يقول التقرير الجامع لمعظم الخلاصات، بأن الضابط المغربي “محمد” والمعروف بقوله “عاش الملك” دائما، إنه دخل على خط التحقيقات في قضية 12 كيلو من الكوكايين، وأن معلوماته حول الإرهابيين “عميقة للغاية”، ونقلها “شارل” إلى رؤسائه بالحرف، وكان يمكن له أن يعدل، ويضمن أن منسوب ما تستفيده فرنسا من هذه العلاقة، يتجاوز ما يتكافأ به المغرب، أي عكس تقديرات باريس.

وعززت تقديرات الشركة “القراءة المغربية لما حدث في مطار أورلي”، لكن “التجسس على الجزائريين، وتسخير ضباط فرنسيين منتمين لأجهزتها الاستخبارية في عمليات بإفريقيا خط أحمر”.

وجاء اعتقال “شارل” للحسم في هذه النقطة، لأن من المهم عند الفرنسيين، عدم تغيير قواعد اللعب المخابراتي والسري بين البلدين.

فرنسا تخوفت من العملية التي كان سيقودها “شارل” في أنغولا باسم المخابرات المغربية

رغم “جرح” باريس من قيام المخابرات المغربية بعملياتها في إفريقيا من خلال ضباط فرنسيين تابعين لأسلاكها في التجسس الخارجي، إلا أن أنغولا منطقة حساسة لأن مخابراتها الخارجية تديرها عائلة واحدة(12) ولا يمكن لـ “لادجيد” اختراقها إلا بمساعدة الفرنسيين، وتخوفت باريس من هذه العملية غير المنسقة بشكل دقيق وحرفي.

وقرر “شارل” زيارة أنغولا لصالح المخابرات المغربية قبيل الانتخابات التي عرفها هذا البلد في 23 غشت 2017، ولم يكن فيها الرئيس دوس سانتوس مرشحا.

وخشيت باريس من طرد “شارل” على نفس ما حدث لجوشوا فرينتش، حين طردته السلطات الكونغولية نحو النرويج.

ولا يمكن بأي حال لفرنسا أن تكون مغامرة إلى هذا الحد، فيما تكتم “شارل” عن تفاصيل السفر المدفوع الثمن إلى أنغولا.

وعدت الدائرة القريبة من الرئيس دوس سانتوس الإجراء الفرنسي حماية لانتخابات بلاده، وهو التصريح المؤثر على صورة المغرب في إفريقيا.

ويكون العمل المغربي فوق الأراضي الإفريقية (بضباط فرنسيين) قد تأزم منذ انطلاقته، وردت وسائل الإعلام الفرنسية على ما حدث بالهجوم على الرئيس دوس سانتوس الذي قرر أن يبني سدا يهديه لابنته، وأن يعطي لزوجته الأغنى في إفريقيا بـ 3 ملايير يورو، طلب عروض بناء هذه المنشأة على نهر كوانزا.

وحسب المصادر، فإن عملية “شارل” في أنغولا، جاءت لرغبة المغرب في التعاون مع مشاريع اقتصادية تابعة للرئيس، لكن التواصل بين المخابرات الأنغولية والفرنسية أبعد الطرف الثالث المتمثل في الرباط، وأسست باريس لأنغولا جهازها لمكافحة التجسس(13)، ولا يمكن السماح لـ “شارل” أو للشريك المغربي، بالقيام بعمليات منفردة فوق أراضي هذا البلد الإفريقي.

وعلى ذلك، كان نجاح عملية “شارل”، سيكون مساسا مباشرا بمصالح فرنسا في أنغولا وفي القارة السمراء.

ومن المؤكد أن المخابرات الخارجية الفرنسية، اطلعت على تقرير “ديزا” (مديرية المعلومات والأبحاث بأنغولا)(14) حول العمليات الخارجية فوق أراضي أنغولا، وهددت بقتل مخبرين أجانب إن لم يلتزموا بالتعهدات الثنائية، وتورد “أفريك أنتلجنس” في برقيتها رقم “489” تفاصيل ما عاشته دائرة مكافحة التجسس في أنغولا، بعد إهانة الجنرال ميالا، المتعاطف مع الجزائر.

وكانت الفرصة نادرة مع صعود نجم “زيردو” في المخابرات الأنغولية، لكن التقديرات والرهانات المغربية في هذا البلد، لم تكن يسيرة كما اعتقد المحللون، ولذلك فضلت باريس سجن “شارل” وعدم إلقاء القبض على الضابط المغربي “محمد” بقرار سيادي.

العملية المعقدة للمخابرات المغربية في أنغولا، البلد الذي منع دين الإسلام منذ 2013

يمكن أن تكون عملية “شارل” مهمة في بلد يمنع قانونيا إمارة المؤمنين والإسلام منذ 2013، لذلك فالتحرك عبر ضابط فرنسي “شيء حاسم”، لكن نتائجه غير مضمونة، خصوصا وأن الوازع الديني لعمل الضابط الفرنسي المسيحي لصالح إمارة المؤمنين، وجهه المحققون لـ “شارل”، فقال ببساطة “إني ساذج”، واجتمع المسلمون في أنغولا في بداية أكتوبر 2013 وأغلبهم من الغينيين، ومن مدينة فيانا، لتدمير صومعة مسجدهم في “زينغو” وانتهى رسميا وقانونيا، الإسلام فوق تراب هذه الدولة الإفريقية(15).

وتبدو تكلفة عملية “شارل” لصالح المخابرات المغربية دقيقة وصعبة للغاية، إن استحضرنا فيها أن “ديزا” وقعت مع المخابرات الجزائرية على بروتوكول عام 2014 لمنع المغرب من اختراق هذا البلد وباقي جوار أنغولا.

وقدم السعيد بوتفليقة مساعدة مالية مباشرة للجنرال ميالا، لمنع الاختراق المغربي، فيما اعتمدت تل أبيب على مجموعة “إن. إس. أو” العملاق المنتج لبرمجيات التجسس ومكافحته من أجل موطئ قدم لرجال أعمال يهود من أصول مغربية في أنغولا، وكان “شارل” المعتقل بتهمة التجسس لصالح المغرب، قد راسل مرتين صديقا له في “تاسك فورس” بأنغولا، ونقلت “ديزا” إحدى المراسلتين إلى الجانب الجزائري.

 التجسس المغربي في فرنسا على المسؤولين الجزائريين يزيد من مأزق “شارل”

الإفراج عن “شارل” إهانة للجزائريين، على الأقل في نظر السعيد بوتفليقة، عقب لقائه برئيس المخابرات الخارجية الفرنسية، لأن الحرب المستعرة بين البلدين فوق الأراضي الفرنسية، حالة غير مرغوب فيها، فيما توصلت الجزائر بـ “تجسس” المغاربة على مسؤوليها في مطار “أورلي” من مصدر رسمي فرنسي، ومن أنغولا لإبطال العملية المغربية المسماة اختزالا بالاسم الأول للضابط الفرنسي المعتقل، “شارل”.

وما تواجهه الرباط هو تنسيق أنغولي ـ فرنسي ـ جزائري، وعلى مستوى عسكري، فـ  “ديزا” والمخابرات الخارجية الفرنسية، اعتمدتا على رؤية جيشيهما.

وحسب التقارير، فإن المهم بالنسبة للمغرب الذي يعاني مع جبهة البوليساريو، أنه خلق قنوات اتصال لتوحيد الجهود ضد “اليونيتا والبوليساريو”، وأن “الموساد” التي قتلت لبنانيا في مستهل هذا العام كما قال الرئيس ميشيل عون(16)، تقوم بعمليات خاصة في هذا البلد.

ومن المهم أن فشل عملية “شارل” رسالة للمغرب، مفادها أن المرور إلى أنغولا لن يكون دون جسر إسرائيلي، ومن خلال “الموساد”، ولا دور للشريك الفرنسي في هذا الباب.

 “الموساد” الإسرائيلي ترفض اعتقال الضابط المغربي “محمد” في عملية مطار “أورلي”

جاءت الرسالة الإسرائيلية مزدوجة، فمن جهة، رفضت اعتقال الضابط المغربي “محمد” في عملية مطار “أورلي”، ومن جهة ثانية، رفضت “الموساد” دخول المغرب إلى أنغولا ومحيطها من دون التعاون مع إسرائيل.

وجاء تدخل تل أبيب لإضفاء مزيد من التعقيد على ما حدث في مطار “أورلي” الفرنسي، فنحن أمام عملية مركبة استهدفت التجسس على الفرنسيين، حسب صحفهم، والتجسس بواسطة ضباط فرنسيين لصالح المغرب في دول إفريقية، وهو ما دفع إلى تعليق عابر لـ “أفريكان أنتلجنس”، بأن “المغرب يريد عملا ميدانيا قويا في إفريقيا، وإن لم يكن مهتما للاتفاق مع الشريك الفرنسي، فإنه يعرف أن قدرته على خلق هامش للعب في القارة السمراء، لن يكون دون باريس”.

وموضوع “التجسس الاقتصادي” الذي يركز عليه المغرب من أجل استثماراته في القارة الإفريقية، لن يكون بالرشى أو بأموال موجهة للضباط الفرنسيين، بل باتفاق بين النظامين والمؤسستين الحاكمتين، وقد “عرفتا خلافات حقيقية وعميقة” كما قال الضابط المغربي نفسه في التحقيقات.

 الخلاف حول “التجسس الاقتصادي” في إفريقيا لا يزال واضحا بين باريس والرباط

لن تكون قضية “شارل” منفردة في مسلسل الخلاف المغربي ـ الفرنسي حول “التجسس الاقتصادي” على إفريقيا وفي مجموعة غرب القارة (إيكواس) تحديدا.

وإن أضفنا إلى هذه الفجوة، الخلاف حول مستوى التجسس فوق الأراضي الفرنسية، فإن باريس تزيد صعوباتها في حوار الأجهزة الاستخبارية في المملكة، فمنذ 2011، حاول المغرب أن يعيد تعريف استقلاله الاستخباري لمواجهة موجة ثانية من 20 فبراير، وانتفاضة صحراوية كما حدث في “إكديم إزيك”، وانتفاضة ثالثة في الحسيمة.

ولا ترغب هذه الأجهزة في اعتدال سياستها للمساهمة في أمن المغرب والدفاع عن مصالحه، لذلك فالخلاف المغربي ـ الفرنسي يشمل كل الملفات.

والضربة الموجهة ضد عملية “أورلي” تستهدف في جزء منها تقديرين آخرين:

1ـ أن الاختراقات الموجهة ضد فروع أجهزة وخلايا النظام الاستخباري الفرنسي فوق الأراضي الإفريقية، أخطر من العمل على الأراضي الفرنسية، ولم يعتقل “شارل” لسنة ويزيد، لأن الاستخبارات الفرنسية تعرف أن لوائح “إس” تخص المغاربة، وعندما سلم “شارل” للمغرب لوائح الجزائريين وقرر العمل في أنغولا لصالح مخابرات المملكة، اعتقلته المفتشية العامة للأمن الوطني.

2 ـ أن التجسس على مغاربة العالم مسموح به في كل السياقات بما فيها الخارجة عن الأطر المعهودة، لكن المساس بجنسيات أخرى على الأرض الفرنسية مسألة مرفوضة.

وحسب “أفريكان أنتلجنس”، فالمخابرات المغربية لا تكتفي بالزوايا الدينية أو التنصت، بل اتجهت في إفريقيا إلى العمليات الخاصة في التجسس الاقتصادي ومكافحة الإرهاب.

وتفرض الرباط معادلات جديدة عبر طول النفس لتعديل ما هو قائم لصالحها على الأرض وفي الممارسة.

المغرب يتمكن من التجسس على المسؤولين الجزائريين كـ “مواطنين” جزائريين في الموانئ الدولية

يكاد المغرب ينافس إسرائيل في التجسس على الموانئ الدولية، ويمكن أن تكون الموانئ الجوية في إفريقيا، السمة والعلامة البارزة التي يركز عليها الخبراء في قراءة العمل الاستخباري المغربي بعد حادثة مطار “أورلي”.

وسيعزز هذا التوجه التجسس الفضائي الذي انتهى بقرار المملكة إطلاق قمر صناعي وجلب طائرات من دون طيار من إسرائيل ومن دول أخرى.

والتمتع بإدارة تقنية متقدمة في موانئه وبعض أسطوله العسكري في الجو، يتمخض عنه تقدم على صعيد الاستخبارات البشرية التي يعمل عليها في إفريقيا، وتجد صداها في صفوف ضباط المخابرات الفرنسية، وربما باقي المخابرات الغربية النظيرة لها.

ويكون التجسس المتعادل أو التعادلي مع الدوائر الغربية، وحرية الحركة، هو الجزء الذي تدافع عنه المخابرات المغربية في سياق دولي يؤمن إلى الآن، بالمظلة الفرنسية في إفريقيا.

ولابد من التذكير من أن قدرة المخابرات المحلية على البروز بشكل مكشوف من خلال كلمات وعبارات الضابط المغربي ليست “حرفية” في نظر منافستها الفرنسية.

وقضية “شارل” كشفت أن عمل المخابرات المغربية يسير باتجاه:

أـ بقاء الحموشي وياسين المنصوري لسنوات طويلة في منصبيهما، لأنهما فرضا أسلوبين لعمل المخابرات الداخلية والخارجية، على حد سواء.

ب ـ أن فرنسا لا تريد قطيعة استخبارية متجددة أو مكررة مع المغرب.

ج ـ أن كشف رجال المخابرات المغربية على صعيد أجهزة الاتحاد الأوروبي، أصبح عملا مبرمجا للأجهزة الفرنسية، وأن ما يجري قد يضعف بشكل متقدم، العمليات الخاصة فوق أراضي دول الاتحاد، في مقابل أنها تعرقل التوجهات الإفريقية للسياسة الاستخبارية للمملكة بما يجعل التحدي دقيقا، لأن ما قررته باريس في إفريقيا عندما كشفت رجالات “لادجيد” يحول الأمر إلى تحديات وأبعاد أخرى، ولابد من مقاربتها بذكاء، وتلك سمة التنافس بين الاستخبارات الصديقة دون ذكر مواطن الخلاف في قضايا حساسة للغاية.

هوامش

  • France: des policiers au dessus des lois, amnesty.org. 2/4/2009.
  • Le comité pour l’élimination de la discrimination raciale clôt les travaux de sa session, UN.org. 11/3/2005.
  • Arrestation au lnay-sous bois: l’IGPN contredit la version de Theo et écarte la thèse de viol, huffingthon post, 9/2/2017.
  • Affaire de Theo, l’IGPN n’avait pas jugé le geste du policier international, ouest France, 9/2/2017.
  • Affaire Theo: le maire d’Aulnay lance un nouvel appel au calme après le pré-rapport de l’IGPN, bfm tv.cpom, 9/2/2017.
  • Jorf n° 215 du 15 septembre 2012, texte 40.
  • L’inspection générale de la police en sous effectif. Le soire, 6/8/2017.
  • Un policier français est soupçonné d’avoir fourni en sous-main des fichiers au Maroc, Anaïs lefrbure, huff post, 6/6/2017.
  • L’histoire rocambolesque du policier qui remettait des fichiers «s» au Maroc, Stéphane sellam: le point, 23/06/2017.
  • Trafic de fichiers «s» avec le Maroc; un policier d’Orley mis en examen pour corruption, le Parisien, 16/6/2017.
  • ICTS
  • L’Angola dans la paix, subsaharan center, 2008.
  • Documents diplomatiques français: 1966 tome, ministre des affaires étrangers, 2006.
  • Direccçao de informaçao a segurança de angola (DISA).
  • L’Angola interdit l’islam sur son territoire, méta tv.25 novembre 2013.
  • Le président libanais accuse d’un meurtre en Angola, fr.times israel.com; 5/1/2017.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!