في الأكشاك هذا الأسبوع

متابعات| الوجه السري للإرهاب.. خلفيات جديدة لتورط مغاربة في تفجيرات برشلونة

إعداد: عبد الحميد العوني  

إن أعلنت صحيفة “إلموندو” في مقالها يوم السادس من هذا الشهر، بقلم إنيكوغريسبو، “الحج” إلى مليلية ـ بالحرف ـ لمن سمتهم المجانين بالثقافة “الهيسبانية” واستعراض معركة “الكلاب” في مسجد توريو، من خلال مهرجان تتجاوز مصاريفه 1.65 مليون يورو، فإن “داعش”، في المقابل، أعلنت مخططها لتجنيد القاصرين من أصول مغربية في الأندلس وباقي أوروبا لضرب أهداف عسكرية وتحرير مليلية أولا، وهو السر الذي يحمله قائد خلية اعتقلته السلطات الإسبانية مؤخرا، فيما باقي الأعضاء الخمسة من التشكيلة، معتقلون في المغرب.

هذه “التقليعة” الإرهابية، دفعت الأمريكيين إلى الاستفادة من درسين: إدارة مغاربة لظاهرة “الذئاب المنفردة لداعش” في الهجمات الأخيرة، حيث يقول “معهد واشنطن” في ورقة تحت عنوان “الإرهاب في أوروبا: السياق المغربي”: “إنه لابد من استقاء الدروس من النجاح الكبير للمغرب في منع الإرهاب الجهادي في الداخل”، ووزير الداخلية الإسباني، زويدو، لا يريد سوى إلحاق سبتة ومليلية بهذه الأجواء، ولذلك فصل المدينتين يضعها تحت الإجراءات المغربية، فأجهض مشروع تجنيد القاصرين من أصول مغربية لضرب أهداف عسكرية ومدنية، أو وضع هاتين المدينتين في حالة فوضى، وسيؤثر هذا التطور، ولا شك، في الريف وفي قلبه، مدينة الحسيمة، التي تعرف تظاهرات سلمية انتهت باعتقال العشرات من النشطاء، ولا ترغب الرباط في إدارتها أي تمييز بين “التمرد” و”الإرهاب”، عندما حاكمت شابا بـ 20 سنة مؤخرا. وفي نقطة ثانية، لابد من تعزيز دور المخابرات المدنية أو الداخلية في مكافحة الإرهاب.

 التعاون بين الشرطة الإسبانية والمديرية العامة للأمن الوطني في المغرب بعيدا عن المخابرات الخارجية “لادجيد”، يقود إلى إجهاض الخلايا التي تجند القاصرين

طالب ممثل الحزب الاشتراكي بمليلية، بمزيد من التفسير للوصول إلى حالة قائد خلية إرهابية يبلغ من العمر 39 سنة يحمل الجنسية الإسبانية اشتغل في مركز للقاصرين، لجرد أعماله مع ضحايا محتملين يؤسسون لمستوى الخطورة التي أعلنتها الداخلية الإسبانية.

وكانت الصدمة هائلة لتدارس المخابرات الغربية ما يسمى “الجيل الجديد من الإرهاب المغربي”، لأن تجنيد القاصرين من أصول مغربية في أوروبا لضرب أهداف عسكرية أو للترويع، يعد كارثة قادمة.

تقول قصاصة “إيفي” من مليلية: “إن ما قام به قائد الخلية، هو الاستقطاب من خلال عمله شبه الحر في مركز القاصرين من أجل تجذير وتطرف هؤلاء القاصرين”.

وحسب مصادر التحقيق، فإن إعلان الجهاد حدث، ومن مراقبة عمارتين الأولى في شارع “غارسيا كابروليس” والأخرى في الضواحي (مونتي ماريا كريستيانا)، انتهت الشرطة في المدينة إلى أن “المقيم” – ولم تستخدم “المواطن” في حقه- حاول تجنيد قاصرين لأعمال إرهابية.

وعلى هذا الأساس، فقد رأت الداخلية الإسبانية أن العملية مهمة ومتفردة، لأنها غطت جانبا غير مكشوف من خطط “داعش”، وفي السابق، فكك المغرب خلايا لقاصرين وقاصرات وجهوا خططهم للداخل المغربي، وتحاول الرباط أن يشمل العمل الأمني القاصرين لحرص الأوروبيين على الحقوق الأساسية للأطفال.

 تحقيق الداخلية الإسبانية بخصوص رغبة نظيرتها المغربية في محاكمة قادة حراك الريف لتوجيههم القاصرين للمظاهرات والهجرة، لم تصل إلى خلاصة مركزية في 493 صفحة من تقرير إجمالي نفى عن قادة احتجاجات الحسيمة تهمة “استغلال القاصرين”

يسود تبرير واسع لتهييء إسبانيا ـ تحديدا ـ لأحكام قاسية في ملف حراك الحسيمة بسبب استغلال أطفال في التظاهرات السلمية، وهذه الظاهرة التي تستغلها كل الأطراف، “حاولت الشرطة المغربية تحييدها” كما تقول الفقرة 112 من التقرير.

والإسبان مدركون لأبعاد هذا التحييد في حراك الريف لإسكاته، ومحاصرته، ولا يمكن القول، مع ذلك، أن الأجهزة المغربية والإسبانية تحاربان بتنسيق واضح ومباشر، ظاهرة اللجوء إلى إسبانيا من طرف المشاركين في حراك الريف.

وتبقى ظاهرة استغلال القاصرين لأعمال إرهابية، تحت أعين القضاء الإسباني وفي تنسيق مع المحكمة العليا.

ومنذ 26 يونيو 2015، وصل التحذير إلى الدرجة الرابعة، حيث ألقت مدريد القبض على 199 جهاديا في إسبانيا، وفي الخارج 244 منذ بداية هذه السنة فقط.

وحاولت مدريد “التخلص من الجهاديين” في مليلية بمساعدة مغربية تزيد عن 90 في المائة، مع تبني أقصى التقديرات الوقائية لدى الشرطة الإسبانية.

وحاليا، فإن ما صرح به الوزير دانييل فينتورا، المكلف بالرعاية الاجتماعية بمليلية عن تفكيك الجهاديين الأطفال والذين يعانون من أمراض اجتماعية ونفسية، يدفع الجالية المغربية في إسبانيا إلى المزيد من العزلة.

ومن الصادم أن نعرف:

1ـ استعداد 35 في المائة من الأطفال في مواقع الإصلاح لعمليات “عنف”، تجلب لهم الأنظار، ردا على عزلتهم، والتوجه الديني لهذا العنف، تبرير مقبول لأن الأبناء المسلمين الأصليين في مليلية، مجرد “مقيمين”.

2ـ أن السلوكات النفسية لدور الإصلاح تساهم في “التجنيد الجهادي”.

3ـ أن العمل المدني، إلى الآن، ليس قادرا على منع انحراف بعض الجهاديين الصغار، لتورط اللجنة الإسلامية في استغلال أماكن العبادة لأهداف سياسية كما في حالة “9ـ إن” كما يوردها مقال، إيستيبان أوريزتييتا، تحت عنوان “المساجد مستنبتة في إسبانيا لوجودها تحت ضغط استبيانات الرأي العام”، ومن المهم القول أن محاولة الحلم بدولة جديدة في كاتالونيا وعند أنصار “داعش”، أثرت على محاولة الريفيين في المغرب بلورة وضع جديد أيضا، لكن هذه الخلفية الموضوعة في التعاون المغربي ـ الإسباني، ليست “نظيفة” من حسابات النظامين الملكيين في مدريد والرباط.

ومحاولة جر القائد المعتقل مؤخرا في مليلية إلى خانة عبد الباقي السطي، إمام وقائد خلية تفجيرات برشلونة، شيء مدروس، فيما ابتعاد السياسة عن الكنيسة والمسجد في مليلية، ضرورة أمنية، لأن استحضار الخلفيات قوي وحاسم في إدارة الأهداف.

يقول رئيس اللجنة الإسلامية في إسبانيا، رياي ترتاري لجريدة “لوموند”: “لابد أن تكون السياسة خارج المساجد”، وانتهت هذه الوضعية بإبعاد المسلمين الكاتالان عن الاستفتاء.

وتتفق مدريد والرباط في إجراءاتهما لمنع هذه الظاهرة ـ الاستفتاء ـ ومجرد القناعة بالإسلام المغربي المؤمن بالبيعة، يساهم في الرفض المطلق لآلية الاستفتاء لتقرير المصير، ولا تستبعد بعض دوائر القرار الغربي أن تكون تفجيرات برشلونة لإفشال الاستفتاء في كاتالونيا.

وإدارة المصير “المجهول” لعبد الباقي السطي، يكشف أن جهات استثمرت تفجيرات برشلونة لمنع الاستفتاء في هذا الإقليم، وسبق لرؤساء المراكز الإسلامية أن سلموا لقادة الاستقلال الكاتالوني، أماكن عبادتهم ومكاتبهم في الاستفتاء “غير القانوني” الذي حدث في 9 نونبر 2014.

وكان العنصر الذي أشعل الساحة، هي محاضرة تحت عنوان: “كاتالونيا أرض المهاجرين” التي نقلت علنيا وعبر كل الوسائط، شعارات مكتوبة بالعربية، وجاء “اجتهاد” السطي، وغيره بـ “تحريم” فصل كاتالونيا عن إسبانيا، كي يسهل تحرير الأندلس لأنها موحدة، ولا تسمح “داعش” لأحد بالمساس بهذا الذي تدعوه “الوقف الإسلامي”.

والواقع المؤكد، أن رفض استفتاء كاتالونيا، جزء من السياسات القومية والملكية لإسبانيا قبل أن تكون نظرة لـ “دولة الخلافة في العراق والشام”.

ولا يمكن تبرئة أي طرف من استثمار هذه الأحداث الإجرامية لأهداف سياسية واضحة، منها أن بناء دولة جديدة في كاتالونيا، يختلف مع الدولة الملكية الحالية لإسبانيا، ومن يريد بناء “دولة الخلافة” في الأندلس.

ومجرد النظر إلى الشعارات الكاتالونية بالحرف العربي: “نحن جميعا مؤسسون لدولة جديدة فيها نفس الحقوق والفرص والواجبات”، يثير الملكيين الإسبان ودعاة “دولة الخلافة” الذين ينظرون إلى وحدة إسبانيا أساسا للحفاظ عليها دولة قد تطلع شمس الإسلام من الغرب.

ويمكن تقصي الحقيقة من مختلف أوراق المهاجرين ودائرة الهجرة في التجمع الوطني الكاتالوني، لنكتشف أن “داعش” إلى جانب الملكيين الإسبان، وبالنظر إلى شعار هذا الحدث المنظم من التجمع الوطني و”الأمة” الفارقون لـ “فاليونوفا”، يكون إطلاق تسمية “الأمة” على “القومية الكاتالونية” في مقابل “الأمة” بمفهوم “داعش”، عاملا مثيرا للصدام الدموي، وهو ما يؤكد أن الخلاف كبير واستثمرته جهات لتوريط “جهاديين” في صراع لصالح الملكية الإسبانية، وهو شيء ظاهر، إن استقرأنا تفاصيل ما قبل تفجيرات برشلونة.

يقول المؤرخ الإسباني المستعرب صاحب كتابي: “الأندلس ضد إسبانيا” و”دخان الأندلس”، سيرفان فينخول: “لا توجد إرادة لإدماج المسلمين في إسبانيا”، فهل “الأندلس ضد كتالونيا؟”.

أنصار خلافة البغدادي “حلفاء” للملكيتين الإسبانية والمغربية ضد استقلال كاتالونيا والصحراء الغربية؟

رغم وجود رغبة عند أبو الوليد الصحراوي في إعلان “دولة إسلامية” تابعة للخلافة في الصحراء، فإن الإجماع واضح بين أنصار “داعش” في عدم تمزيق إسبانيا قبل تحريرها أندلسا كاملة الأطراف كما فعل أمير المسلمين يوسف بن تاشفين، الذي حافظ على التراب المسلم لأنه وقف المسلمين وعصبهم ووحدتهم.

ويكاد أنصار الخلافة أن يكونوا “حلفاء” موضوعيين للملكيتين في المغرب وإسبانيا لرفضهم أي تقسيم للدولتين.

وخدم عبد الباقي السطي، الذي لم يكن يسجل عليه أي اتصال مع أي محازب لـ “دولة الخلافة” في المنطقة أو في العراق، أهدافا سايرت البيئة السياسية، وكتب أحد أنصار التنظيم تعليقا في وسائل التواصل الاجتماعي، أسس لدى الجميع قناعة “تبني داعش للعملية”، فيما لم يكن بيان تبني “دولة الخلافة” لتفجيرات برشلونة من “ديوانها”، في الوقت الذي يمكن فيه التأكيد على أن الهامش الذي تركه التنظيم في تفجيرات برشلونة، مختلف عن باقي الأحداث المأساوية الأخيرة.

من جهة، لأن الهدف الكامن وراء هذه التفجيرات، جاء لمنع الاستفتاء في كاتالونيا، مستغلا رؤية إيديولوجية صافية لوحدة الأندلس لإعلان الجهاد لتحريرها.

ومن جهة ثانية، فإن التفجيرات صبت في طاحونة أعداء الاستفتاء، فخدمت بذلك الأجندة القائمة، وتمكن الشريكان المغربي والإسباني من توحيد جهودهما لمكافحة الإرهاب، لتنسيق سياستيهما تجاه المنطقة، لأن الحرب على الاستفتاء في كاتالونيا أو في الصحراء، مركزية للعرشين: الإيبيري والعلوي على حد سواء.

وهذا ليس سلبيا بأي حال، لأن عقيدة “الاستقرار” تدفع المملكتين إلى طي صفحة الخلاف والدفاع عن العرشين، و تفكيك إسبانيا ليس رهان أي طرف أو أي سياسة قائمة بما فيها تلك المعتمدة على العنف.

إرهاب “مسيس” قبل أن يكون “سياسيا” يخترق الأجهزة المختصة في لحظة التفجيرات

تبعا لما أوردته “إلموندو” في 31 غشت 2016، من أن بلجيكا نبهت السلطات الإسبانية المختصة بشكل حازم من الإمام السطي قائد تفجيرات برشلونة، إلا أن مدريد لم تعتقله، ليبقى السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا قررت مدريد عدم اعتقال السطي؟

منذ 2005، وضعت الأجهزة المعني تحت التنصت، وبين ما لدى السلطات البلجيكية التي أعلنت السطي “خطرا” وبين ما لدى قاعدة الطوارئ، يكون “عدم اعتقاله خطأ أمني”، حسب معايير الاتحاد الأوروبي.

يوضح إيستبان أوريزتييتا، أن الشرطة اعتمدت على رئيس المجموعة الإسلامية في ريبول وإن كان “علي ياسين” قد لاحظ أي “شيء يريبه”.

ولم تلتفت الأجهزة الإسبانية إلى تحذير نظيرتها البلجيكية، عكس ما عليه الحال مع المخابرات المغربية في اعتقال الرأس المدبر لخلية من ستة أفراد في مليلية.

وتجاوزت مدريد معاييرها السابقة لمحابة “تنظيم الدولة” وإن خدمت التفجيرات من جهة مباشرة، مصلحة قومية في عرقلة ومنع الاستفتاء في كاتالونيا.

وهذا الواجب الديني يجمع الكاثوليك الذين يعتقدون بوحدة إيبيريا وأنها خط الدفاع عن المسيحية والإسلاميين المتطرفين الراغبين في وحدة الأندلس لتحريرها.

الكاثوليك شركاء “داعش” في رفضهم “تمزيق” إسبانيا

يكاد لا يلتقي الكاثوليك و”داعش” في شيء سوى في رفض “تمزيق” إسبانيا، ورفضهم استفتاء كتالونيا، شيء يجمع المتدينين المتطرفين في الجزيرة الإيبيرية.

وساعدت هذه البيئة خلية السطي في الوصول إلى أهدافها بسهولة رغم تحذيرات الأجهزة البلجيكية، التي لا تستطيع إلى الآن، قبول قرار السلطات الإسبانية عدم اعتقال قائد خلية التفجيرات في برشلونة، و”الطريقة التي أدارت بها مدريد مجمل الوضع”.

وقد عدت بعض الأوساط تحذيرات بروكسيل، حماية للنزعة الاستقلالية للكاتالان، وبالتالي، ساهمت التقديرات في الوصول إلى الخلاصات التالية:

1ـ أن التعاون بين الأجهزة ورئيس اتحاد الجماعات المسلمة في كاتالونيا (محمد الغيدوني) كانت كاملة وشاملة، لكنها لم تستطع أن تقود إلى ما حذرت منه بلجيكا، وباقي الاستخبارات ومنها المغربية، واستجابت مدريد لكل ما قررته وقدرته باقي الاستخبارات الدولية بعد تفجيرات برشلونة.

2ـ تعاون مدريد مع المغرب سبق المخابرات البلجيكية للحفاظ على هيبة الإسبان، لأن المغرب أكد على عدم امتلاكه أي معلومات قبل تفجيرات برشلونة، وهو ما ساعد في تبرئة الأجهزة الإسبانية من التقصير.

3ـ أن وزير الداخلية الكاتالوني أكد عدم وجود أي تحقيق رسمي بخصوص “الإمام” السطي قائد خلية تفجيرات برشلونة، لأن بلجيكا طلبت معلومات عن الشخص بطريقة غير رسمية؟ وهذا التقدير يعني أن الوجه البيروقراطي في مكافحة الإرهاب في أوساط وزارة الداخلية الكاتالونية وفي العاصمة مدريد، ساعد تنظيم “داعش” في الوصول إلى تفجيراته الدموية.

واستثمر الجميع في العجز وإدارة أهداف الخصم وتوجيه العنف بما يخدم مصالح قومية إسبانية، في مقدمتها، عرقلة الاستفتاء في كاتالونيا، ومن المهم أن تفجيرات برشلونة، ستكون حدثا معزولا في تاريخ العلاقات الإسبانية ـ الكاتالونية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!