في الأكشاك هذا الأسبوع

ملف الأسبوع | اتفاق المغرب والبوليساريو على إلغاء “الاستفتاء” قبل انطلاق المفاوضات حول الصحراء برئاسة كوهلر

إعداد: عبد الحميد العوني

لماذا خاطب القصر هورست كوهلر مباشرة؟

قالت مصادر خاصة، أن التقرير الذي كتبه هورست كوهلر، المبعوث الخاص الأممي لقضية الصحراء، من 51 سطرا، ألغى فيه نقاش الاستفتاء، لاتفاق الجانبين المغربي والبوليساريو على هذا البند، قبل انطلاق المفاوضات حول الصحراء، وطالب محمد حداد، منسق الجبهة مع “المينورسو” في مقال نشرته “بروجيكت سنديكت”، بـ “اتخاذ الخطوات التالية:

  • العمل على إنشاء آلية لإجراء محادثات وجها لوجه.

  • ألا يكون التقرير المرحلي المقدم لمجلس الأمن، مجرد سجل للجهود الاستكشافية.

  • تحديد جدول زمني للمفاوضات.

وجاء خطاب الملك في 20 غشت، لإثارة مساهمة القارة السمراء في حل مشكل الصحراء دون تغيير وضع الإقليم، وإبعاد مسألة الأراضي “المحررة “على طاولة النقاش، ووضع إطار لمسار المفاوضات وتحديده في الحكم الذاتي عبر تدبير استباقي، وحازم، واصفا 2017، بـ “عام الوضوح”.

وردت البوليساريو ببيان يوم 21 غشت، ألغى “الاستفتاء” ضمن مطالب الجبهة وقبول التسوية الإفريقية على أساس انسحاب المغرب من أجزاء ترابية لدولة عضو مؤسس في الاتحاد، وخوض المفاوضات الأممية على أساس القرار الأممي رقم “1514

“، القاضي بمنح الاستقلال للشعوب والبلدان المستعمرة.

وبدأت هذه الرسائل القوية بين الجانبين في العاصمة الرواندية في حفل تنصيب رئيسها، بول كاغامي، لولاية رئاسية ثالثة، حين خاض مسؤول “دي. آي. إيه” استخبارات البنتاغون في هذا البلد، ووسط إفريقيا، في مستقبل المفاوضات، وفوجئ كوهلر بطي البوليساريو لمطلب “الاستفتاء” بإدارة إبراهيم غالي للجبهة، واستبق المغرب هذا المنحى بتصريح ناصر بوريطة في 5 فبراير الماضي، وأكده خطاب 20 غشت قبل انطلاق المفاوضات أياما بعد تعيين كوهلر رسميا، مبعوثا خاصا للأمين العام للأمم المتحدة، لقضية الصحراء، برفض المغرب الاعتراف بـ “دولة” البوليساريو.

وقد اعتبر الإعلام الجزائري هذه الخطوة، بأنها إعلان رسمي أن خليفة كريستوفر روس، لن يتلقى شيئا سهلا(1)، ودعا الاتحاد الأوروبي كل الأطراف إلى “حل منسجم مع توجهات مجلس الأمن وميثاق الأمم المتحدة ” في لحظة دعمه وتهنئته لتولي هورست كوهلر لمسؤوليته الجديدة، فقررت الأطراف تحديد هذه التوجهات استباقا للحوار.

ومن الواضح، أن الرد المغربي في خطاب 20 غشت، جاء بعد ساعات من بيان الاتحاد الأوروبي، مؤكدا على المرجعية الإفريقية للمملكة، مقابل ثمن جيوسياسي وموضوعي للاتحاد الأوروبي.

وسبق للاتحاد الإفريقي، في اجتماع أديس أبابا، أن أظهر مرونة عبر الوساطة النيجيرية في 2 يوليوز الماضي، وقد شكلت مكسبا “وإن كان صغيرا” في نظر “جون أفريك”(2) القريبة من مصادر القرار المغربي.

ويخوض الجانبان مفاوضات مباشرة دون دعم إفريقي كامل للبوليساريو، ومفاوضة المغرب، العضو الجديد في الاتحاد الإفريقي لدولة مؤسس لهذا الاتحاد، تطور له ما بعده.

 *  الجانبان المغربي وجبهة البوليساريو يتجاوزان الحل الواحد والوحيد: “الاستفتاء” لحل قضية الصحراء بما يحرج الأمم المتحدة ومبعوثها كوهلر، ويدفع ضم هذا الإجراء إلى إعلان المبادئ المنجز من صفحتين في مكتب أنطونيو غوتريس

لم يعد لهورست كوهلر هامش في انطلاق المفاوضات بين المغرب وجبهة البوليساريو، لأن إبراهيم غالي، يضع مطلب “الاستقلال” مقابل الحكم الذاتي، ولا يمكن لمجلس الأمن تمرير الخطوة بعد تأطير المفاوضات في 2007 على ضوء اقتراحات الطرفين، بما يدفع المجلس إلى التمسك بالاستفتاء، أو الدخول في تسوية حدودية وترابية مع الدولة المعلنة من جانب واحد في المخيمات.

وعوض أن تكون البوليساريو مدافعة عن خيار الاستفتاء، أصبح المجتمع الحقوقي الدولي يرفض حاليا توجهات الطرفين، ويدعو إلى إعمال القانون الدولي(3)، وفي خضم هذه المناورة، يكون التنسيق مع فرنسا ليس له نفس المفعول السابق.

وقبل انطلاق المفاوضات، جاء الاختيار السياسي لأحد الأطراف، مجرد “مجهول” بالنسبة للطرف الآخر، لأن تمسك البوليساريو بـ “الحل السياسي التفاوضي حول الاستقلال”، يشكل دعوى الأمم المتحدة لاقتراح إطار لا يكون بالضرورة تحت سقف الحكم الذاتي، ويقوم بتثمين “الأراضي المحررة” في معادلة الصراع، وإن أعيد تعريفها أمميا، لكنها رضخت للقول بأنه على الأمم المتحدة، إيجاد آلية من أجل “الاستغلال المشترك” لهذه الأراضي من طرفي النزاع.

ورفضت المملكة والبوليساريو هذا التقدير، وعلى الأمم المتحدة التمسك بخيار الاستفتاء إن أرادت الوصول إلى إنتاج “الآليات الثلاثة” لإيجاد اختراق يصل بالمفاوضات إلى نقاش “جوهر” النزاع، ويدفع هذا الوضع بمكتب الأمين العام للأمم المتحدة، إلى الإدلاء بورقة.

وانسحب المغرب والبوليساريو من موقع “الكركرات” قبل انطلاق هذه الجولة، ليكون خيار الحرب مستبعدا، ولو مرحليا، من الطرفين، وتبقى الجهود الدبلوماسية وحدها طريقا وحيدا لإيجاد حل.

وكان ضروريا قياس رغبة الطرفين في المواجهة العسكرية، إذ لا يمكن رسم حدود للمفاوضات، أو وضع شروط مسبقة، أو فرض إطار لهذه المفاوضات كما في تقرير هورست كوهلر، الذي اقترح تأمين “الاستغلال المشترك” للأراضي العازلة، أو عدم عرقلة المشاريع الاقتصادية للمغرب في الإقليم أو المشاريع المماثلة في الأراضي تحت إدارة جبهة البوليساريو.

والتركيز على خطوات “بناء الثقة” لن تضم ترسيم الحدود البحرية، ومن المفاجئ أن يؤكد موقع “سلات أفريك” على “وجود ترتيبات للمقاتلين الصحراويين في البحر”.

تقول مجلة “لوكوريي” أن المسار السياسي للصحراء لن يكون حول الإنسان كما يظهر (محاكمة إكديم إزيك)، أو الثروة (الثروة الطبيعية للإقليم)، بل في موضوع “الاستقلال”، وهو الذي يكشف أن قواعد اللعبة تغيرت، وإن دفع حل أزمة “الكركرات” إلى عدم تغيير الوضع في الصحراء، فإن باقي قواعد اللعب تغيرت إلى حد بعيد.

وسيحمل البوليساريو مطلب “الاستقلال” على ضوء القرار رقم “1514” إلى “القوة التي تدير الإقليم في المفاوضات التي تشرف عليها الأمم المتحدة”.

* محاكمة “إكديم إزيك” كررت نفسها وأثرت على موقف الدول الاسكندنافية

يأتي انطلاق المفاوضات في أجواء لا ترنو إلى إجراءات ظرفية تخص تحسين الأوضاع، أو حقوق الإنسان، أو اللجوء المريح وغيرها، وتذهب بعيدا في “الحل النهائي”.

واختارت قيادة إبراهيم غالي، استراتيجية “عسكرية- سياسية” عوض الاستراتيجية “الحقوقية- السياسية” التي سادت عهد محمد عبد العزيز، ولذلك، فالمفاوضات ستكون صعبة، مباشرة، ويمكن أن تؤول إلى فرض الحل وانتقال المشكل من الفصل السادس إلى السابع.

وسلم أنطونيو غوتريس فرصة أخيرة لإطار 2007 الخاص بالمفاوضات، لكن كوهلر لا ينظر إلى جولة مكررة لما حدث، كما حدث مع محاكمة “إكديم إزيك”، لأن الرغبة في وضع الاتحاد الأوروبي خلف جهود كوهلر، بدأت في 19 غشت، قبل ساعات فقط من خطاب 20 غشت، ولا يمكن تحالف الاتحادين الأوروبي والإفريقي، كما لا يمكن مصادمتهما.

وتجري مفاوضات سرية تقبل بوجود ممثلية عن المفوضية الأوروبية في الصحراء لمراقبة وصول موارد الاتفاق الأوروبي إلى الساكنة المحلية، وتقبل اقتراح حكومة ذاتية للإقليم، فيما تستجيب المفوضية للقرار القضائي الصادر عن محكمة العدل الأوروبية.

وتدفع البوليساريو بتعيين صفتها قبل الدخول في الجولة الجديدة، والإقرار بأنها ممثل شرعي للساكنة المحلية، يعرقل لا محالة، مفاوضات الاتحاد الأوروبي والمغرب.

ومن المهم، عدم تغيير الوضع القائم في الإقليم، فيما يمكن احتواء تغيير قواعد اللعب، لكن عدم ذكر بيان البوليساريو الصادر في 21 غشت، ولا مرة، للاستفتاء يعلن عن وجود هامش جديد في تقديرات التفاوض ومآلاته، وقاطعت حكومة أويحيى والرئاسة الجزائرية، الملتقى الثامن لأطر البوليساريو في مدينة بومرداس، وبحضور إبراهيم غالي قبل أن يضيف رئيس الجبهة كلمة “استفتاء” لتسوية المشكل المثار.

وترمي محاولة تركيز المفاوضات على “الاستقلال” في مقابل ما يقترحه المغرب لتحديد الشكل النهائي للحل (الحكم الذاتي)، إلى إخراج الأمم المتحدة من واقع تحميلها المسؤولية عما وقع في “إكديم إزيك”، لأنها لم تعمل وفق قانون البعثات، وأن إجراءاتها الأحادية تجاه مراقبة حقوق الإنسان تفرض على المغرب إنجاز التوصيات كما في حالة أبرز معتقلي “إكديم إزيك” (النعمة أسفاري) فيما يخص قرار لجنتها المناهضة للتعذيب طبقا للمادة 22 الخاصة بالطلب الموضوع لديها تحت رقم “606/2014″(5)، ورفضت البوليساريو نقاش أي حالة بعينها، أو مناقشة قرارات غير ذات صلة بالوضع النهائي لإقليم الصحراء.

وإن رأت الأمم المتحدة تقديرات وقرارات ذات صلة، فإنها قررت بدورها العمل بعيدا عن الأمور الاستكشافية إلى الموضوعاتية بخصوص هذه القضية.

ويحيط كوهلر، مكتب الأمين العام للأمم المتحدة علما بهذه الاعتبارات “الجوهرية” كما في المراسلة الرسمية الأولى بين الأمين العام والمبعوث الخاص لقضية الصحراء، ونبه فيها إلى أن مطلب “الاستفتاء” الذي تخلى عن إثارته الطرفان، يدفع مجلس الأمن إلى تحديد موقفه، والاعتماد على رأي قانوني يدعم إقراره، لأن إعادة تفسير القرار رقم “1514” وتنزيله على الحالة الصحراوية، يعقد انطلاق جولة المفاوضات المباشرة بين الجانبين، مذكرا بما جاء في ديباجة حكم محكمة العدل الأوروبية عن “مبدأ تقرير المصير” بخصوص القضية رقم “سي 104/16/بي”(6) التي طعنت بموجبها البوليساريو في الاتفاق الفلاحي بين المغرب والاتحاد الأوروبي، ودعمت مملكة بلجيكا وألمانيا والمملكة الإسبانية وفرنسا والبرتغال، جانب الاتحاد الأوروبي.

  وكوهلر وغوتريس يمثلان روح ألمانيا والبرتغال في موقفها ضد تمثيل البوليساريو لساكنة الصحراء.

وحاليا، تكون مطالبة البوليساريو باستقلال الصحراء عن طريق المفاوضات دون اهتمام بالاستفتاء، إعادة لتثمين هذا الإجراء، فإطار 2007، يقترح فيه مجلس الأمن “الحل النهائي” لما اتفق عليه الطرفان دون أن يعتمد الأوروبيون “تمثيل البوليساريو للساكنة المحلية” رغم قبول هذه القاعدة من طرف مجلس الأمن، والوصول إلى تسوية في هذا الجانب، مفتاح للجولة القادمة.

وفي ظل هذا الإحراج، تعمل البوليساريو على إيجاد “الآلية” لمفاوضات مباشرة، والغرض من التركيز على هذه الآلية، هو الحسم في تمثيل جبهة البوليساريو للساكنة المحلية.

*  بيان الدعم الأوروبي لهورست كوهلر ضمن توجيهات مجلس الأمن وميثاق الأمم المتحدة يحددها قرار محكمة العدل الأوروبية حصرا، ويشمل المادة الأولى للميثاق الموقع في سان فرانسيسكو (26 يونيو 1945)، والمادة 16، و”اتفاقية فيينا” خصوصا مادتها الثالثة

حسب ذات المصادر، فإن كوهلر قدم ورقته على ضوء صياغة الاتحاد الأوروبي المعتمد بدوره على قرار محكمة العدل التابعة لدول الاتحاد، وقراءة الحل على ضوء ميثاق الأمم المتحدة يشكل تقديرا يأتي ليعلل قرار رقم “1514” الذي يعتمده إبراهيم غالي، رئيس جبهة البوليساريو، لقيادة مفاوضاته مع المغرب.

ومن المهم التذكير، أن ورقة كوهلر، تأتي لإبعاد القرار “1514”، لكن الجبهة تحاول تغيير قواعد اللعب في المفاوضات إلى حد بعيد، من واقع أن الصياغة المعتمدة شملت ما أثاره الأوروبيون في محكمتهم لمواجهة القضية “تي- 522/12” والمستأنفة من خلال “تي- 953/2015″، وفي إطارها القانوني ما تورده المادة “1” و المادة “16” من ميثاق الأمم المتحدة.

ومساس الطرفين بـ “حسن النية” في اقتراح سقوف التفاوض، يزيد من الإيضاح المفترض فيه أن يكون جامعا لحقوق وواجبات جانبي التفاوض الرئيسي حول الصحراء، وابتعاد المغرب عن الإطار الأورومتوسطي في إنتاج الحل النهائي عن طريق المفاوضات، رغم توقيعه على “بروتوكول 26 فبراير 1996″، والتذكير بالميثاق الإفريقي في خطاب 20 غشت، أصاب كوهلر بنوع من الضبابية، فيما تجيء المادة رقم “94” من الشراكة لخنق المملكة لاعتمادها على “حدود المملكة” وليس على “الحدود” كما تورد الفقرة 16 من حكم محكمة العدل الأوروبية.

ومن باب أولي، اختار المغرب “الحدود الموروثة” عوض “الحدود القانونية” للمملكة، لإدارة هامش الجولة الجديدة من المفاوضات، وتكون جبهة البوليساريو في الفقرة 22 من حكم المحكمة والتي حملها كوهلر بالحرف، لتعريف هذه الحركة بأنها ممثلة لشعب الإقليم، وقد ربحت ما يفيدها، لكنها قررت اعتماد خيار التفاوض على “الاستقلال”، لأنها ممثلة لمقاومة مستمرة في كل أوضاع الإقليم منذ 10 ماي 1973.

ومن أخطر ما في هذا التفصيل، اعتماد البوليساريو في بيانها ضد خطاب 20 غشت، على القرار الأممي “1514”، لذكره واعتماده من طرف المحكمة الأوروبية في الفقرة 24، ولا يمكن في سياق اعتماد كوهلر على الحكم لتأطير الأمر قانونيا، إنكار هذا المتن القانوني.

ويلاحظ المراقبون، أن كوهلر زاد من التعقيدات القانونية بإضافة وجهة نظره إلى “العمل الأممي” بفعل تأثير محكمة العدل الأوروبية على الرئيس الألماني الأسبق، خصوصا في ما يتعلق بالتفسير الحرفي للقرار رقم “2229” ونقل الإدارة إلى المغرب على أساس التزام 20 غشت 1974، بل إن اعتماد هذه الفقرة من الحكم الأوروبي، يفسر قرار محكمة لاهاي في 16 أكتوبر 1975، وهذه التدقيقات صبغت التقرير العام الذي قارب به كوهلر قضية الصحراء.

* هورست كوهلر يتعاقد مع مكتب قانوني ألماني حول الصحراء للمساعدة

في المراسلات الأولى، اعتمد هورست كوهلر على مكتب قانوني للاستشارات القانونية، وهو ما أعطى انطباعا بأن القدرة على فك الارتباط مع النظرة القانونية لمحكمة العدل الأوروبية، شيء مستبعد، في الوقت الذي وعد فيه المغرب بالمزيد من الوضوح، ومن داخل مقاربة أممية اعتبرها إلى الآن، متوازنة مع نظرة غوتريس، مفضلا في نظر المكتب القانوني المساعد لكوهلر:

  • تغليب النظرة السياسية والجيوسياسية للصراع.

  • أن للإقليم حدود متنازع عليها، وأي تدقيق في الفقرة 47 من قرار محكمة العدل الأوروبية التي يعتمدها كوهلر، يخدم الجانب المغربي.

ولم تظهر إلى الآن، إعادة فحص الواقع القانوني الذي قدرته المحكمة الأوروبية.

ج- العمل على مواصلة المفاوضات في أي ظرف، لأن تثمين خلاصات الأطراف من الفقرة 49 إلى 56 التي استخدمها كوهلر، تفيد أن واقع تقديرات إسبانيا في المحكمة الأوروبية، غير ما تؤمن به مؤسساتها، وأن المفاوضات الشفوية بدون آلية، لا تعد جزءا موضوعيا من الحل، ويقر كوهلر في مراسلته الأولى لغوتريس، وفي التقرير الموقع في 21 غشت ،2017 أن محاولة إيجاد “المصالح المباشرة” لفرنسا وألمانيا في الجولة المتوقعة، أساس لانطلاق الحوار.

وما حرمه قرار القضاء الاستئنافي على الجبهة في قضية تمثيل البوليساريو يحسمها تواجد الجبهة في هذه المفاوضات، وعلى هذا الأساس، فمزاوجة التقدير القانوني والسياسي يفيد ممثلي مخيمات تندوف إلى حد بعيد، فيما يدل إقصاء “الاستفتاء” من أجندة البوليساريو إعادة طرحه من طرف الدائرة الأممية وتقرير كوهلر، لاعتماده على الفقرة 88 من قرار محكمة العدل الأوروبية المستند بدوره على المادة الأولى من ميثاق الأمم المتحدة، وقبلها في الفقرة 87 على المادة 29 من “اتفاقية فيينا”، مذكرا بقضية تيمور الشرقية (7) ومستأنسا بها، وجازما أن هوية إقليم الصحراء محسومة منذ سنة 1963 حسب المادة 73 من ميثاق الأمم المتحدة، و”تراب” الإقليم الذي طرح سؤال “الأراضي المحررة”، زاد من تعقيد المشكل الذي اختار له كوهلر تأويلا قانونيا جديدا يصطدم، ولا ريب، بطرفي النزاع، ويفيد تقدم الوصول إلى أرضية مشتركة لإطلاق الجولة الجديدة.

* تقرير كوهلر لـ 21 غشت 2017، يؤسس لتفاوض يمنح طرفي النزاع المادة القانونية لتوقيع اتفاقيات، بما يشمل إمكانية توقيع الاتحاد الأوروبي أو إحدى دوله على اتفاقيات استغلال للأراضي العازلة

في تطور غير مسبوق، يشير تقرير كوهلر لـ 21 غشت، الذي يضم فقرتين عن الاستغلال المشترك، الذي أقره الأمين العام للأمم المتحدة للطرفين، على قدم المساواة، لـ “الأراضي العازلة”، والاتفاق مع الجانبين كما جرى في حالة إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، وأشارت إليه محكمة العدل الأوروبية في فقرتها المائة واثنين(8)، ويمكن في هذه الحالة، تمكين البوليساريو من إقرار السيادة على ما خلف الجدار العازل، وهو ما دفع إبراهيم غالي إلى التحرر من مسألة “الاستفتاء” والتفاوض على “الاستقلال”.

وهذه الخطوة خطيرة، لأن إعدام العلاقة القانونية بين الصحراء والمغرب، جاء جوهرا وتفصيلا في قرار محكمة العدل الأوروبية، الذي لم يتجرأ على تجاوزه غوتريس وكوهلر، وهو التطور الاستثنائي والصامت في هذا الملف.

والتمييز الإفريقي للحدود الموروثة للمغرب عن حدوده الحالية، وتمييز محكمة العدل الأوروبية تراب إقليم الصحراء عن “الحدود الترابية للمملكة”، يسيران على وجه واحد، وعلى المفاوض المغربي، أن يكون دقيقا، لاعتبارات قانونية صرفة لمحاولة تدقيق الحدود (التراب) عن معيار “الوحدة الترابية والسيادة”، وكل هذه التحليلات، يمكن أن تؤسس للمجهول كما يعبر عنه الخطاب الرسمي المغربي.

ومن واقع الحال، فإن طلب الأوراق مكتوبة في الجولات التفاوضية أو التوقيع على محاضر الجولات، هو الشيء الملزم، كما تريده إدارة غوتريس للمفاوضات، لأن اعتماد مبعوثه كوهلر على “عمليات بعدية” على صعيد الاستخلاص، قضية يعرفها المراقبون الألمان، ومن هذه الرؤية، فإن العمل على أساس “اتفاقية فيينا”، جزء من الخطة الجديدة للأمم المتحدة، فيما يجد المغرب في إفريقيا، الملاذ والمرجع لقيادة المبادرة المغربية.

*  في الوقت الذي تصادر فيه جنوب إفريقيا باسم ميثاق الاتحاد الإفريقي صادرات قادمة من الصحراء، قرر خطاب 20 غشت الاعتماد على إفريقيا

بالعودة إلى القضية رقم “1487/17” بتاريخ 18 ماي 2017 والذي حضر فيها المكتب الشريف للفوسفاط طرفا رابعا وشركة “فوسفاط بوكراع” طرفا خامسا، نجد أن اعتماد القراءة الإفريقية، فيه مخاطر يحاول المغرب جزئيا تفكيكها، لكن استدعاءها في التفاوض يساعد على أطروحة الاستقلال كما يطرحها إبراهيم غالي، ويرفض الأخير اقتراح الاستفتاء الذي يقدر وجود رغبة لدى الساكنة في “الالتحاق بالمغرب”.

وهذه القضية شائكة على صعيد التفاوض، لأن المادة 92 من قرار محكمة العدل الدولية والاتحاد الإفريقي، يحملان مخاطر لابد من محاصرتها.

وما رفضه الأوروبيون قاله الأفارقة بشأن تمثيل البوليساريو عبر الأمم المتحدة لساكنة الإقليم من أجل تقرير مصيرهم (الفقرة 6).

ويستخدم كوهلر نفس الصيغة لإنجاح هذه الجولة من التفاوض، والفرضية المعتمدة تؤسس لاعتماد البوليساريو ممثلا شرعيا ووحيدا للساكنة، ورفضت الأمم المتحدة حضور أطراف أو هيآت أخرى، ومثل المغرب خليهنا ولد الرشيد، وفقد أي تمثيل مواز للجبهة.

واستحضار المرجعية الإفريقية فرض خلاصات قانونية منها:

  • أن الساكنة تتحدث العربية الحسانية القريبة من موريتانيا دون العربية الدارجة في المغرب (المادة 18 من حكم محكمة جنوب إفريقيا).

  • رفض اعتماد “اتفاق مدريد”، وأن إسبانيا في حالة إعادة انتشار منذ أكتوبر 1975.

  • اعتماد القرار رقم “2229” لعام 1966.

  • موافقة المغرب على “الاستفتاء” لا تزال قائمة في الاتحاد الإفريقي وباقي المنظمات الأممية لعدم وجود مساطر قانونية لإبطاله.

وعودة الرباط إلى الاتحاد الإفريقي تخدم هذا الجانب إن لم تتجاوز بالضرورة ما وافق عليه الملك الراحل الحسن الثاني، في خطب وقرارات وتوقيعات وتذييلات داخل منظمة الوحدة الإفريقية.

  • أن الحرب من 1979 إلى 1991 مختلفة في إطارها القانوني عن الحرب من 1976 إلى 1979 (المادة 22 من قرار محكمة جنوب إفريقيا).

  • طرح مدى شرعية الجدار الدفاعي في الصحراء.

  • أن “المينورسو” تدير المرحلة الانتقالية إلى وقت إجراء “الاستفتاء”، وهو ما ينفي عن البوليساريو الصفة القانونية لتمثيل الساكنة، لكن وجود مفاوضات والعمل على تقديرات جديدة، حال دون إثارة هذا التقدير، فالرباط تحتاج إلى البوليساريو ممثلا شرعيا ووحيدا للساكنة لقبول مبادرتها للحكم الذاتي، وتجاوز “الاستفتاء” يفترض تجاوز تمثيل الجبهة لساكنة الإقليم، ويزيد إبراهيم غالي من إعداد آلية لمفاوضات تكون مباشرة وبشكل مكتوب، لتمثيل الساكنة في مسطرة تقرير مصير إقليم الصحراء قبل البدء في أي جولة.

ولم تعتمد محكمة العدل الأوروبية “مسلسل مانهاست” مرجعية لتمثيل ساكنة الإقليم في مسطرة تقرير المصير، والمغرب لا يرغب في هذه الخطوة دون تنازل من طرف إبراهيم غالي، الذي أزال من جهته “التمسك بالاستفتاء”، والبدء في مفاوضات “الاستقلال”، لأن الأراضي شرق الجدار العازل تزيد مساحتها عن مساحة 90 دولة في العالم ويديرها جيش البوليساريو.

وتعهد ناصر بوريطة، وهو كاتبا الدولة في الخارجية، للمغاربة، بعدم الاعتراف تحت أي ظرف بـ “الدولة” الصحراوية.

ومن إطار التوقيع على ما وافق عليه الجانبان في “اجتماع أديس أبابا” مؤخرا، فإن الصياغة تذكر “الجمهورية” كما ترد في وثائق الاتحاد الإفريقي وجبهة البوليساريو في الأمم المتحدة.

وهي الصيغة النيجيرية، التي يؤكد عليها المغرب في دفاعه عن المقاربة الإفريقية لحل النزاع كما جاء في آخر خطاب ملكي، عشية تعيين كوهلر رسميا، من طرف الأمم المتحدة، مبعوثا خاصا لقضية الصحراء.

وعرقلة مهمة الأمم المتحدة بعد إتمام لوائح المستفتين منذ دجنبر 1999، يفرض الدخول في مفاوضات “الاستقلال” كما يقول الاتحاد الإفريقي.

ومن الممكن في نظر حلفاء الرباط، التفاوض على مسألة الحدود مع البوليساريو عوض بقاء المشكلة مشكلة “وجود”.

ومن المهم أن نؤكد:

أولا: أن الجزائر لا تعد المغرب محتلا لأراضي 1975، وسيطرته على الجزء الموريتاني حسب “اتفاق مدريد” هو المشكل الذي اقترح معه بوتفليقة، تقسيم الصحراء، وأكد الأفارقة دعمهم لمفاوضات حدود للدولة العضو المؤسس في الاتحاد الإفريقي.

ثانيا: أن الرباط نزعت أراضي 1975 من دائرة التفاوض، عندما قررت تغليب المرجعية الإفريقية على الأوروبية والأممية في خطاب ثورة الملك والشعب.

ثالثا: أن الرئيس الرواندي نقل عن المغاربة، وجود “منطقة ذاتية” حاليا في الصحراء ويمكن دعمها، ولم توضح حوارات إبراهيم غالي في رواندا، أهمية الاقتراح بشأن “الأطونوسيوس زون”(9) وحدودها، بما يؤكد أن المغرب وضع خطوطا حمراء في شكل ونسبة الانسحاب، إن توصل الطرفان إلى اتفاق.

تعديل حدود ما بعد “اتفاق وقف إطلاق النار”، عقبة جوهرية في أي مفاوضات على أساس المرجعية الإفريقية، فالمسألة تتعلق بـ “قانون دولي قابل للتطبيق”، وهو الاستخدام الذي أقرته أهم مرجعية قضائية في إفريقيا (10).

والوصول إلى قناة قارية للتفاوض، يضعف مساعي كوهلر، ومساعي الأمم المتحدة، وقد تشبث طرفا النزاع بمفاوضات تتجاوز “الاستفتاء”، لأنه لم يعد عمليا حسب المملكة المغربية، ولم يعد آلية تحميها الأمم المتحدة في منظور البوليساريو، لذلك، فإن مفاوضات “الاستقلال” كما تريده الجبهة، و”الحكم الذاتي” كما يقترحه المغرب، قد تكون مدعاة للعودة إلى “الاستفتاء”، كما يتمناها الغربيون، لكن الصدمة في رفض إبراهيم غالي التمسك بهذا الخيار في الجولة القادمة.

* المناورة الغربية بعد خطاب 20 غشت الذي غلب المرجعية الإفريقية على غيرها في إدارة خارطة الحل في الصحراء

عنونت “دوتشيه دوفليه” الألمانية، تعيين كوهلر مبعوثا خاصا للصحراء، بأنه “أصبح سيد الصحراء الغربية(11)، وهو ما يعني أن اجتراح الحل، ليس خيارا، بل قرارا للرئيس الألماني الأسبق، رغم تعقيدات الخارطة، وعدم تجاوب كريستوفر روس مطلقا مع المغرب”، بتعبير الصحيفة.

وصراحة كوهلر، تعهد أمامها العاهل المغربي بصراحة مثيلة، مما يجعل العودة إلى مجلس الأمن في أقرب الآجال، الاقتراح المطروح على الطاولة منذ الآن، وتعجل هذه النقطة بفرض حل خارج الطرفين، أو الانتقال إلى الفصل السابع، وهذه الرغبة جزائرية حاليا، لذلك، قرر بوتفليقة “دعم كوهلر إلى حد بعيد”، ربما لتوثيق الفشل وتحميل مجلس الأمن التبعات للتدخل، “لأنه لا حل في هذه الحالة، سوى استفتاء الساكنة على ضوء اللوائح النهائية لـ 1999”.

تقول “لومانيتي”: “لم تعد المسألة متعلقة بحقوق الإنسان بعد الأحكام غير المفاجئة الصادرة عن القصر في أكديم إزيك، لذلك اختارت جبهة البوليساريو المفاوضات حول الاستقلال”(12).

وبين السقفين الموضوعين (الحكم الذاتي- الاستقلال)، يعود المشكل إلى نقطة الصفر، واختارت الرباط الحل الأمريكي المتمثل في رفض “الكونفدرالية” في عهد المبعوث السابق كريستوفر روس، وبين الخيارين المطروحين من طرفي النزاع على الأمم المتحدة (حماية الاستفتاء)، وهو ما تعمل عليه إسبانيا وتريد أن يكون تحالفها مع ألمانيا وبلجيكا وفرنسا والبرتغال مؤطرا لعمل كوهلر، فهذا الحلف الذي طعن استئنافيا في قرار قضائي حكم لصالح البوليساريو في مسألة إبطال الاتفاق الفلاحي بين الاتحاد الأوروبي والمغرب، يرغب حاليا في إعادة ترتيب العلاقات الأورومغربية مجددا، لكن الرباط اختارت البوابة الإفريقية لإدارة الخلفية التي تساعد المملكة على الوضوح الذي تعهدت به في ملف الصحراء، وهو رهان معقد يريد منه الطرفان ربح الإطار قبل ربح النتائج، لأنها آيلة إلى مجلس الأمن، وإن استفاد المغرب من خلاف أعضاء المجلس في أزمة “الكركرات”، فإن البوليساريو تريد انعراجا يطرح “الاستقلال” بديلا عن “الاستفتاء” في أول جولة يشرف عليها كوهلر، وبين الرهانين يريد الجميع إعلان فشل المفاوضات والعودة إلى مجلس الأمن.

هوامش:

  • Sahara occidental et l’adhésion à l’union africaine, Mohamed toutia, l’express, 22/8/2017.

  • union africaine: le Maroc obtient l’amendement des passages sur le Sahara occidental, Anna sylvestre-treiner, jeune Afrique, 2/7/2017.

  • l’unique solution au Sahara occidental doit passer par le referendum d’auto détermination, huffpost, 30/6/2017.

  • procès politique  au Sahara occidental, le courrier, Christophe kosseler,11/8/2017.

  • décision du comité contre toture des nations unies dans l’affaire du prisonnier Naama Asfari condamnant le Maroc, 12/12/2016 (cat/c/59/d/606/2014).

  • arrêt de la cour (grande chambre (21 décembre , texte rectifié par ordonnance du 20 mars 2017, dans l’affaire C-104/16P.

  • (Timor oriental Portugal C. Australie) arrêt CIJ recueil 1995 p: 90 point 29.

  • C-386/08/ eu: c:2010 :91.

  • Autonomous zone.

  • the applicable international law paragraph 29, case n°1487/17, date heard 18/5/2017, date delivered 15/6/17 high court of south Africa, eastern cape Local division, port Elizabeth.

  • horst Köhler devient monsieur occidental/ Afrique/Dw/2/6/17.

  • durs peines pour les détenus politique de Godem izik, Rosa Moussaoui, l’humanité 22/7/2017.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!