في الأكشاك هذا الأسبوع

الحقيقة الضائعة | هل يحرك المستشارون الملفات بأنامل مسمومة؟

بقلم: مصطفى العلوي

لماذا لم يجب خطاب 20 غشت على تساؤلات خطاب 20 يوليوز

اهتز العالم بأسره من روسيا إلى الولايات المتحدة، مواكبة مع الاحتفالات المغربية بعيد المقاومة المتوافق مع عيد بلوغ الملك محمد السادس سن الرابع والخمسين، ليس بهذه الأحداث التي لا تهم إلا المغاربة، أو بعض المغاربة، ولكن بهذا الخبر المريع، المرفوق بالصور السينمائية، لهجوم مجرمين شباب على فتاة مغربية داخل الأوطوبيس العمومي، وأمام الركاب، تعروا بشكل مفضوح ومارسوا أبشع الهجمات على البنت المستغيثة، لتنطلق في شوارع مدن مختلفة من المغرب، مظاهرات احتجاج ضد هذه الظاهرة البشعة، والتي كان أبشع منها أنها حادثة أدرجت في عداد الفضائح الأخرى، ضدا على المنطق الذي يحتم على أمير المؤمنين(…) أن يصدر أمرا ملكيا في إطار استعجال القضاء المغربي بمحاكمة هؤلاء المجرمين، وإعدامهم أمام الملإ في الساحة العمومية للدار البيضاء ليكونوا عبرة لغيرهم، وحجة على أن الأخلاق في هذه البلاد، لها أمير للمؤمنين لحمايتها، وفرض العقوبة الصارمة على هؤلاء الذين تحدوا الدين الإسلامي، والشعب المغربي، والقانون المغربي، والبوليس المغربي، والأخلاق المغربية، والأصول المغربية. ولنتعلم على الأقل من النموذج اليمني، حيث تم شنق مهاجم لفتاة في الساحة العمومية.

حكاية الأوطوبيس هذه، وقد أصبحت أكبر سبة في حاضر المغرب وفي مستقبله(…)، كانت مسبوقة بحادثة أوطوبيس آخر، في الدار البيضاء، أيضا، حكاها الصحفي المنفتح، التيجيني، وكانت التلفزة المغربية قد استحضرته من بلجيكا لإدراج الصراحة في بعض البرامج المتلفزة، وإذا به بعد إقامة قصيرة في المغرب يكتشف حكاية أوطوبيس آخر، ويحكي أنه شاهد في مدينة الدار البيضاء، مجموعة من “الشبان المقرقبين” راكبين فوق سطح الأوطوبيس وقد سرقوا إحدى شارات السطوب من زنقة بيضاوية، حولوها وهم فوق الأوطوبيس إلى طبل يعزفون عليه، وهم يتراقصون فوق الأوطوبيس، صائحين، والسواح يتهافتون على تصويرهم.

التيجيني العائد من بلجيكا، اختصر ما اكتشف أن أعلى عمارة في العالم يبنيها المغرب في سلا، سيتعرض الخارجون منها إلى سيوف المجرمين المعترضين، واكتشف المغرب الذي أصبح يسمى مغرب: “احضي راسك، طلع الجاج، احضي صاكك، احضي ولدك، ضرب يدك، طحن مو، لا زرقة ولا مرقة”، وقد فاتت هذا الصحفي، فضيحة أوطوبيس ثالث، أخطر وأبشع حين دخلته مجموعة من الفوضويين، وأخذوا يضربون كل من يدفع ثمن التذكرة، وهم يصيحون: “عطيونا حقنا، الوزرا كلهم شفارا”.

ولا يخجل جهاز الأمن القوي(…) من أولئك الشباب الفوضويين الآخرين(…) الذين استولوا على فوركونيط للشرطة وصعدوا فوقها بشوارع الدار البيضاء يتراقصون.

أمة بلا قانون، أفلست فيها الأجهزة الأمنية، أو أخطر من الإفلاس، أنها أصبحت مغلوبا على أمرها، ليستنتج الصحفي التيجيني، بكل صراحة، أنه ((إذا كان الملك في خطاب العرش متفائلا، فإني كمواطن أنا متشائم على أوضاع البلاد، لأن الشعب فيه مشكل وإذا كانت فيه أقلية صالحة، فإنها في انقراض)).

وحيث أن حادثة “حمارة سيدي قاسم”، ولازال الشباب الذين عاشروها(…) في أرذل الحالات نتيجة إصابتهم بداء سعار الحمير، فإن وزير الفلاحة، رئيس حزب الأحرار سمع بلا شك قصة المستثمر الإيطالي الذي صرف الملايير على مشروع فلاحي في مكناس وقرر مؤخرا مغادرة المغرب بعد إقفال مشروعه، هربا من فساد اليد العاملة في الفلاحة المغربية، وقال لأصدقائه: إني أفضل دفع مليون شهريا للعمال الإيطاليين على ألفي درهم للعمال المغاربة، لأنهم لا يصلحون، وإنما يفسدون.. مثلهم ولا شك مثل مجموعة الشباب الذين أعطاهم الدستور حق الدخول إلى البرلمان، في إطار لائحة الشباب، وها هو النائب البرلماني المجرب، عبد اللطيف وهبي، ينصح بإلغاء هذا الامتياز.

وها هم أطر زاوية مؤسس الدولة المرابطية، سيدي وكاك، يضطرون إلى مهاجمة ومعاقبة مجموعة من الشبان الصعاليك، الذين يمارسون الفساد علنا في موقع بشاطئ أكادير، نيابة عن رجال السلطة الغائبين عن القيام بواجبهم في فرض القانون.

أي شباب مغربي هذا، وها هي أعمارهم ما بين 18 و20 سنة، تربطهم بالعهد الحالي(…) وتجعلهم محسوبين على الجيل الجديد(…) وقد غطوا مواقع الأخبار العالمية، في هذه الأيام بالأخبار الشنيعة عن الهجمات الإرهابية التي ارتكبوها في مختلف أنحاء أروبا، وقتل الأبرياء والأطفال والنساء في شوارع برشلونة الإسبانية، وشوارع هلسنكي بفنلندة، وما سبقها من هجمات إجرامية ومذابح همجية، مارسها الشبان المغاربة الذين أصبحوا يشكلون نواة الخطر الإرهابي العالمي، منفذين للعمليات الانتقامية لداعش، الذي تضربه الدول العالمية، ويتبنى في بلاغاته الأعمال الانتحارية التي يمارسها في أطراف أروبا، بعض الشبان المغاربة، بشكل يحتم فرض التساؤل عما إذا كان المغرب أنتج فقط جيلا من المجرمين.

مرة أخرى نقف إجلالا وتعظيما للملك الحسن الثاني الذي تنبأ بهذا الواقع المزري للشباب المغربي حينما اجتمع بالوزير الفرنسي “جاك دولور” سنة 1994، وناقشه حول مستقبل المغرب، وقال له: ((هناك خمسة ملايين مغربي يعملون على تصدير الطماطم المغربية إلى العالم، وإذا لم ينجحوا، فإن المغرب بعد عشر سنوات(…) سيصدر الإرهابيين المغاربة إلى الخارج)).

وها هي توقعات الحسن الثاني تتحقق بعد ثمان سنوات فقط.

وها هو واحد من جيل الحسن الثاني، والي بنك المغرب، عبد اللطيف الجواهري، يضرب بصراحة متناهية، وكأنه في عالم آخر، ناقوس الخطر، ويقول للملك محمد السادس وهو يقدم له تقرير بنك المغرب، أحوال الوضعية المزرية، لاقتصاد المغرب، وعن هؤلاء الشباب المغاربة، إذا كانوا أفسدوا سمعة المغرب بتبنيهم للإرهاب ((فذلك نتيجة لنفورهم الطوعي لأنهم لا يتعلمون ولا يتكونون، ولا يشتغلون، لأنهم متجاهَلون من طرف السياسة العامة، وها هي أثمان بيع البنزين للمغاربة في السوق تسهم بزيادتها الغير مبررة(…) في خلخلة موازين التنمية الوطنية)).

فلا تفسير ولا شرح، لدوافع محرر البلاغ المغربي عن العفو الملكي، بمناسبة عيد المقاومة وذكرى ميلاد العاهل المغربي، وهو البلاغ الذي أصر على صدم العالم(…) ووسائل الإعلام العالمي في أعقاب هجمات برشلونة ((بأن جلالة الملك أصدر عفوه على مجموعة من المحكوم عليهم في قضايا الإرهاب))، وكأن كاتب هذا البيان، يتحدى العالم ويعلن عن العفو على الإرهابيين كعملية مقصودة حرفيا(…) للإساءة إلى سمعة المغرب وتوريطه أمام العالم كله، الشيء الذي جعل صحفيي وكالة الأنباء الروسية “سبوتنيك نيوز” يكاتبون السفير الروسي في الرباط لمساءلته عن رأيه في حكاية العفو الملكي على الإرهابيين، ليرد عليهم السفير الروسي “فاليري فوروبييف” بأن هؤلاء الإرهابيين المعفى عليهم لم يخرجوا من السجن وإنما تم تخفيض مدة الحكم عليهم، في إطار الحل الوسط الذي يفرضه عليه تعاطفه مع النظام المغربي.

وإذا كانت الباحثة مونية بناني الشرايبي، الأستاذة بجامعة لوزان السويسرية، قد حللت في مقال مطول حكاية ((أن الملك طيب وأن الطبقة السياسية خبيثة، فهي أسطورة في طريق الانقراض))، لأن الملك أعرف من غيره أن محيطه يلعب دورا أساسيا في توجيه سياسته والتأثير عليها، لكن، ليس لدرجة أن يسمحوا لأنفسهم بتوجيه بلاغ في عز التذمر العالمي من الإرهاب، وفي قلب الأحداث المريعة في برشلونة، واستنكار العالم أجمع باستثناء المغرب، لهذه العملية الإرهابية، ليصدر بلاغ باسم الملك، أن الملك عفا عن محكوم عليهم في قضايا الإرهاب.

وكيف أن هؤلاء المستشارين الملكيين، وبعضهم من المقربين، يحركون الخريطة السياسية بأنامل مسمومة في أغلب الأحيان، من قبيل طعن مواقف الرأي العام، وانتظارات الصحافة المغربية، التي تهافتت على جزئيات الخطاب المنتظر للملك بمناسبة خطاب 20 غشت، وفيها صحف توقعت سقوط الحكومة، وأخرى تهافتت على إعطاء أسماء الوزراء الذين سيبعدون، وتحليلات مسبقة، لكي يكون خطاب 20 غشت مكملا للخطاب الشجاع في عيد العرش، وقد ظهر فيه الملك، مظهر المتذمر من الوضع السياسي الفاسد، ملمحا من خلال فقرات خطاب العرش، أنه أراد كسب الوقت فيما بين 20 يوليوز و20 غشت، لحل إشكالية معتقلي الحسيمة، الذين شاركوا في اللعبة وأحجموا متفائلين عن الاستمرار في توترهم، وسكت أقطاب الحراك الحسيمي في زنازن سجونهم، مؤملين هم أيضا كل الخير من الخطاب المقبل(…) وإذا بالمفاجأة تكون أكبر، حيث خصص الخطاب الجديد في 20 غشت، كله لإشكالية العلاقات المغربية الإفريقية، دون التلميح ولو من بعيد إلى الأحداث الإرهابية التي حصلت في عمق الدولة الصديقة إسبانيا، رغم أن الملك عزى صديقه الملك الإسباني في ضحايا الإرهاب الذي تعرضت له إسبانيا، فأين هو إذن دور المستشارين في إعطاء رأيهم، ولو في تقدير ضخامة الصدمة التي تلقاها المنتظرون، أحزابا، وصحافة، ورأيا عاما.

ذلك أنه إذا كانت أزمة الحسيمة، لازالت تنتظر الحل بعد تفكك العضلات السياسية الحزبية نتيجة خطاب العرش، فإن السؤال الأساسي الذي أصبح مطروحا بالصوت المرتفع على مسؤولية النظام المغربي تجاه استفحال الدور الخطير، للشبان المغاربة في إفساد السمعة المغربية، وتعريض التواجد المغربي في المساجد المغربية والأئمة المغاربة، في أروبا للإقفال بعد ظاهرة الإمام المغربي لمسجد برشلونة، والذي أشرف على تنظيم العملية الإرهابية الأخيرة، ليصبح المغاربة في أروبا عرضة للمفاجئات التي تنتظرهم في إطار المخططات الأمنية المقبلة، وهي انتظارات من الخطورة، لدرجة لا يمكن أن تبقى بعيدة عن التقديرات المغربية ولا حاصلة في غيبة عن الاهتمام المغربي.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!