في الأكشاك هذا الأسبوع

الحقيقة الضائعة |”الغنان” الفيلالي أكبر خطر على الملكية المغربية

من محمد الأول 1650 إلى محمد السادس 2017

بقلم: مصطفى العلوي

تناقلت الأخبار الواردة من مراكش، في الأسبوع الماضي، قصة “قشور الدلاح”، حينما رمت سيدة بعد أكل الدلاح، قشوره في باب بيت أحد الجيران، الذي رآها ونزل عندها ليواخذها، وتطور الأمر إلى أن قالت له كلمة حساسة(…)، جعلته يضربها ضربة قاتلة، ليكون ولدها يشاهد من بعيد، فيسارع وبيده سلاح أبيض، ليطعن قاتل أمه، ويقتله، والسبب طبعا، مجرد قشور الدلاح، ويقولون لنا: إن الروح عزيزة عند الله.

فحساسية الشعب المغربي هكذا، هي: أحببنا، أم كرهنا، لأن ردة الفعل عند المغاربة غير خاضعة لمقياس، كذلك، أحيت الكاتبة الصحفية، مارية موكريم في أحد مقالاتها على هامش أحداث الحسيمة، ذلك الشعور التقززي(…) الرهيف، الذي يحركه أي حادث قريب في تفاهته من قشور الدلاح التي سقطت فوقها جثة المقتولة والقاتل، والكاتبة تتوسع في الحقد والغل الذي يراود شقيق أحد المعتقلين، بعد أن فقدت والدته وأخته الوعي.. لتمسح له إحدى رفيقاته دموعه وهي تناشده: “أرجوك لا تفعل هذا(…) إن أمك وأختك في حاجة إليك”، لتخلص الكاتبة، تحت تأثير ما رأت، إلى استنتاج شمولي حول القضية المغربية كلها في حاضرها، وتكتب للتاريخ في سطور، خلاصة عشرين عاما من حياتها الصحفية بأن ((ما رأته، يتجاوز ما وقفت عليه خلال العقدين الأخيرين في المغرب)) (موقع فبراير كوم)، فهي تكاد تربط ما رأت، بفترة عقدين، هما تقريبا، الفترة التي ستعطيها وسائل الإعلام المغربية طابع الاحتفال، بثماني عشرة سنة على تحمل الملك محمد السادس لمسؤولية الحكم، علما وممارسة، بأن حفيد محمد الخامس، ولد الحسن الثاني، ليس جبارا، ولا ديكتاتورا، ولا جنرالا، ولا مارشالا، وإنما هو بجانب مهامه الكبرى، عبد من عباد الله.

وإنما السر، كامن في كلمة وجدت فيها الصحفية، موكريم، الصمام المغربي الأصيل، الذي يهدد، إن كان حقيقيا، بانفجار اجتماعي، يمهد انتقال الحكم في المغرب، إلى أيدي جنرال أو ديكتاتور أو جبار، وها نحن نسمع في ليبيا أصواتا تحن إلى زمن القذافي، وكأن الصحفية، تعزف على النغمة التي قد تؤدي إلى أخطر مما أدت إليه قشور الدلاح في مزبلة مراكش.

فقد تساءلت الصحفية، عما إذا كان الأمر في الحسيمة، يتعلق بما سمته “الغنان”، وإن كانت الحدود غير طويلة بين الغنان الموسيقي، والغنان الفيلالي(…) الذي أعرفه حق المعرفة، لأنني فيلالي من مدغرة، ومن سلالة المدغريين، علما بأن الملك محمد السادس، هو أيضا فيلالي، مثلما أبوه الحسن الثاني، وجده محمد الخامس، فيلالة: المنطلقة تسميتهم من تركيبة: “في.. لا.. لا”: الرفض، الذي جعل هذه المنطقة عبر التاريخ، رافضة رفضا، تركها لحد الآن، من أفقر مناطق الدنيا، فنحن في تافيلالت يا سكان الحسيمة، ليس لنا إلا التمر والفصة، النبات الذي يتقاسمه في تافيلالت، البشر والبقر.

وكان الحسن الثاني، قد نوه بهذا الوضع الفيلالي، الذي كان سببه دائما “الغنان”، الذي يعني الرفض، فقال يوما في خطاب تاريخي: ((لقد بقي العلويون يدافعون دائما عن بلادهم، دون أن يميزوا بين النواحي الفقيرة أو الخصبة، فضلوا أن يستوطنوا تافيلالت(…) خمسة قرون، وهم مواطنون كسائر المواطنين، لا يرغبون في الترف ولا في البذخ)) (خطاب 3 دجنبر 1974).

ورحم الله قطب عائلتنا، الفقيد مولاي هاشم العلوي، المنتسب هو أيضا إلى مدغرة الفيلالية، والذي كان كل مرة، يوصيني بتفادي “الغنان”(…) الذي كان سببا من أسباب المحنة الفيلالية، وأن أحفظ وأردد شعرا يقول فيه:

تنكرت البلاد علي حتى

كأن أناسها ليسوا بناسي

فإذا سمعت فكن كأنك ما سمعت

وإذا رأيت فكن كأنك لم تر

أولا، فكن في قعر بيتك لا ترى

إن كنت ترغب في النجاة وبالحرى

علما أن مولاي هاشم، خلف لنا بالأمازيغية، أشعارا أكثر حكمة مثلما خلف بالعربية، أشعارا أجود نغمة.

ونتذكر مع الملك محمد السادس، وهو يحتفل بثماني عشرة سنة من خلافته على رأس هذه الدولة، أن عظمة ملوك هذه الدولة الذين ضربوا الرقم القياسي في طول مدة التموليك، لم يبنوا أمجادهم على الثروة أو الطغيان، ولا على الكذب أو البهتان، وقد تكفلوا بحمل الرسالة الإسلامية إلى الربوع المغربية، التي وسعها ملوكهم وسلاطينهم بفضل إيمانهم ونزاهتهم إلى أطراف وأعماق القارة الإفريقية، منذ مبايعة فيلالة للسلطان محمد الأول بن الشريف سنة 1650، إلى 2017، دون أن ينازعهم أحد، ولا ينقلب عليهم أحد، لأن العرش عندهم لا يساوي إلا عظمة الدولة وسيادتها، من أيام محمد الأول هذا، إلى أيام محمد الخامس، الذي فضل سنة 1953، السجن في مدغشقر بعد النفي في كورسيكا، على أن يستسلم للإرادة الاستعمارية، في وفاء أزلي للنبل النبوي الشريف، حيث ارتبط وصف كل الملوك والسلاطين، بصفة الشريف، منذ ذلك التاريخ إلى اليوم، وهل هناك رصيد أسمى أو أغنى من لقب الشريف، ومنذ أيام قليلة فقط، تذكر المحامي الكبير، الأستاذ عبد الرحيم برادة، أن الزعيم الثوري المقتول على أيدي الراغبين في إبعاده من التعاون مع الملك، الفقيد عمر بن جلون، التقى به في باريس في الأيام الأولى للاستقلال، وهو يحضر المحامي برادة لموعد تنسيقي بين أقطاب الحركة الوطنية، وولي العهد، مولاي الحسن، على هامش التحضير للقاء بينهم كان مقررا أن يعقد في فندق “كريون” بباريس، أن ((بن جلون قال لبرادة عن ولي العهد، أن هذا الشريف(…) يدلي بتصريحات عنيفة في حق أجيال الحركة الوطنية، ونحن لا نريد أن نرد عليه)) (زمان. عدد يوليوز 2017).

بينما ميزة الشرف، مرتبطة بالنبل والإصلاح المفروض في من يتمتع بهذا اللقب، الذي يحتم على السلطان، أو الملك الشريف، أن يكون نموذجا للنبل في مظهره ومخبره، وهي الجزئية التي حيرت أفكار المتدخلين الأجانب في شؤون المغرب، وكل تعامل مع هذا الشريف، لم يكن مطبوعا في أي عهد من العهود، إلا بالرغبة في التعاون من أجل بناء الوطن منذ محمد الأول إلى محمد السادس، الذي غداة مبايعته خلفا لوالده الحسن الثاني، كتب عنه السفير الأمريكي “طوماس رايلي” في سفارته بالرباط ((إني وجدته في اجتماعاتي به، رجلا ذكيا يفكر قبل أن يتكلم، وهذا شيء أساسي، فهو لا يتوفر على أجوبة مكتوبة، ولا يتحدث لغة الخشب، إلا أنه قليل المرح، وحتى عندما التقيت بقيادة الحزب الجديد، العدالة والتنمية، شرحوا لي برنامجهم في محاربة الرشوة والفقر، واتضح لي بعد اجتماعاتي بالأحزاب الأخرى، أنهم لا يختلفون كثيرا، لأن الأحزاب المغربية متفقة على نفس الأولويات)) (الأحداث المغربية. شتنبر 2012).

فأين هو المشكل إذن؟ وما هي المبررات التي تدفع الكثيرين، إلى ربط أفكارهم بسياسة العصا في تعامل الملك مع الآخرين، حتى يلجأ مفكر كاتب، محمد احداد، ليكتب: ((يجب على الدولة أن تعترف بأن سياسة العصا الغليظة (The big strick)، لم تفض إلى نتيجة، سوى استفحال الحقد في صفوف السكان)) (المساء. عدد 20/07/2017).

بل هاهو كاتب آخر، المعطي منجب، يذهب بتشاؤمه، بعد إبعاد رئيس الحكومة، عبد الإله بن كيران، إلى توقعه المستقبلي، بأن يتم إبعاد كل عنصر يعبر بصراحة عن رأيه، ((ولا أستبعد حتى إبعاد رئيس حقوق الإنسان، إدريس اليزمي))، يقول منجب.

إن الملك محمد السادس، يعرف وهو يقلب أنظاره حواليه، أن كثيرا من الأخطاء ترتكب وتتضخم نتيجة الاستمرار الغير مشروط لتعاظم القوات المتنامية حوله، تنامي الطفيليات التي سماها القاموس أيضا، مشوشات، علما بأن المغاربة شعب مسالم ضعيف(…) أمام تخوفاته من الأخطار الفوضوية التي قد تكون نتيجة للطغيان الذي يفرزه انعدام المتابعة والمحاسبة، علما بأن الطغيان، يتنامى على أطراف النفوذ، وها نحن وعلى مرمى نظراتنا، نرى كيف أن الرئيس الأمريكي الجديد، أصبح بعد ستة شهور من تنصيبه، رئيسا لأكبر دولة، يتعرض للانقراض المبكر، نتيجة الخطإ الأول(…) الذي ارتكب في الديوان الداخلي للرئيس على هامش غلطة واحدة لمدير مخابراته(…)، الذي تلعثم أمام مجلس الشيوخ وهو يتحدث مبررا غلطته بما سماه “هيبة الرئيس”، بينما الهيبة التي كانت منبعا للاحترام المبني على الخوف، انقرضت بانقراض العروش والملكيات، وقد أصبح عددها في العالم، محسوبا على رؤوس الأصابع، حيث لا يكاد يبقى منهم إلا الذين تأقلموا مع شعوبهم، برئاسة الملكة إليزابيث، وهي تقضي الساعات الطوال في إصلاح منظرها حتى تبدو بعيدة عن كل انتقاد من طرف مشاهديها، مثلما شاهدنا الملك الهولندي فيليم ألكساندر، يطل من شباك طائرة المسافرين التي يسوقها في ساعات فراغه لكسب بعض التعويضات.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!