في الأكشاك هذا الأسبوع
الصحفي رمزي صوفيا في لقاء مع الراحلة وردة

وردة.. المطربة التي فقدت السعادة مع بليغ حمدي ووقفت مع فايزة أحمد عندما أصيبت بالسرطان

بقلم: رمزي صوفيا

كانت وردة الجزائرية في مطلع حياتها، في قمة الجمال والنجومية، لكن زواجها من ضابط جزائري، جعلها تتحول إلى ربة بيت بعد أن حرمها من كل ما كانت له علاقة بالأضواء، بالمقابل، كان هناك على الجهة الأخرى من القارة الإفريقية، وبالضبط في مصر، ملحن عشق صوتها وعشقها كامرأة، رغم أنه كان عاجزا عن الوصول إليها، إنه الملحن البوهيمي، بليغ حمدي، الذي سمع صوتها وهي تغني أغنية “تخونوه” عندما كانت في السادسة عشر من عمرها، وهي الأغنية الرائعة التي كان قد لحنها للعندليب الأسمر، عبد الحليم حافظ، وظلت وردة حبيسة جدران بيتها وبليغ يهيم بها من بعيد لمدة ليست بالقصيرة، حتى أن الوسط الفني كان يتداول في الخفاء، بأن بليغ حمدي عندما لحن “سيرة الحب” و”أنساك” و”الحب كله” لسيدة الطرب العربي، أم كلثوم، كان يقصد بذلك، حبيبته البعيدة عن أنظاره، المطربة وردة، فذات مرة، قال لي صديقي العندليب الراحل، بأن أم كلثوم التي كانت معروفة بمرحها وحبها للنكتة، قد قالت لبليغ حمدي أمامه: “أنت بتشغلني كوبري للبنت اللي بتحبها”، وكانت أم كلثوم تقصد وردة التي كانت مشهورة بلقب “الفتاة وردة”، لأنها كانت صغيرة السن آنذاك.

ومرت سنوات طويلة وبليغ حمدي ممتنع عن الارتباط بأية امرأة في انتظار حصوله على أمنيته التي كانت الزواج من وردة، وفعلا، التقاها في الجزائر بعد سنوات، وكانت قد طلبت الطلاق من زوجها الذي خيرها بين الفن وبين البقاء في عصمته فقالت له: “أنا مطربة وسأتبع موهبتي نحو أرض النجومية التي هي مصر”.

هكذا تجدد لقاء بليغ بوردة، فكان الزواج الذي باركه الوسط الفني برمته سنة 1972، ويومها كنت أقضي عطلتي في لبنان التي كانت مكان التقاء النجوم والمشاهير في مصيف “عالية”، فجاءت وردة مع زوجها الملحن بليغ حمدي لقضاء شهر العسل، وتعرفت عليها لأول مرة، فوجدتها سيدة راقية وطيبة المعشر ولبقة، لكنها كانت حادة الطباع.

ومرت السنوات على زواجهما وهما يقدمان أجمل الأغاني للجماهير العربية، حيث احتكرت وردة ألحان زوجها واحتكر بليغ صوتها حتى أنه كان يغار عليها من ألحان الموسيقار محمد عبد الوهاب أو سيد مكاوي، وجاء ربيع 1977، فحلت بالقاهرة مطربة مغربية حسناء، كانت هي سميرة سعيد، التي ذهبت لمصر محملة بالطموحات الفنية بعيدا عن أية أهداف أخرى، وقد كانت المطربة الجميلة التي بالكاد تصل سن العشرين من عمرها وقتذاك، تبحث عن فرصة للنجاح والانطلاق من أرض النجومية، لكن الشائعات سرعان ما تلقفتها، وللحقيقة والتاريخ، فقد كانت سميرة سعيد، مثالا للشابة الشريفة العفيفة التي عرفت رغم صغر سنها، كيف تصد أطماع الراغبين في جسدها، وكيف تفرض صوتها وسط العديد من الأصوات الجميلة، بالفن لا بطرق أخرى، كما عرفت كيف تعطي أرقى صورة عن بنات وطنها، المغربيات الشريفات العفيفات الطاهرات المطهرات.

وكان بليغ حمدي من الملحنين الذين بهرهم صوت سميرة سعيد، فالتقى الاثنان على طاولة المعاملات الفنية بطبيعة الحال، فكان التعامل مثمرا بين الملحن الكبير والمطربة الشابة التي بهرته بصوتها وسرعة حفظها للألحان، غير أن وردة لم تكن تنظر بعين الرضى لذلك التعاون الفني بين زوجها وبين الفنانة المغربية.

وبلغ السيل الزبى بوردة، عندما سافر بليغ حمدي مع فريق عمل مسلسل “ألف لعبة ولعبة” الذي أنتجه من ماله الخاص، وكانت تشارك فيه سميرة سعيد، حيث كان التصوير في أبوظبي، والشيء الذي كان بليغ حمدي يجهله، هو أن وردة كانت حاملا في شهورها الأولى، فكانت تتصل به، لكنه كان لا يرد على مكالماتها إلا نادرا، وذات يوم اتصلت به وطالبته بالعودة على جناح السرعة قائلة له بأنها حامل، وأنها في أمس الحاجة لحضوره ووجوده إلى جانبها في تلك المرحلة الحساسة من الحمل، لكن جوابه كان بمثابة صدمة لها حيث قال لها بالحرف وهو ثائر: “هل جننت؟ لقد سبق لك أن أنجبت وهذه ليست أول تجربة لك حتى تكوني في هذه الحالة من الهلع، لست صغيرة السن لتتدلعي وتطلبي مني ترك الإشراف على المسلسل الذي أنفقت كل ما كان لدي من أموال على إنتاجه؟”، وكانت تجلس معها صديقتي الراحلة، المطربة فايزة أحمد، التي كانت في ذلك اليوم قد جاءت لتعايدها في أحد الأعياد التي قضتها وردة وحيدة بدون زوجها، وقالت لي فايزة أحمد: “بمجرد إنهاء مكالمتها مع بليغ، أجهشت وردة ببكاء مرير، فحاولت بشتى الطرق تطييب خاطرها وكنت أقول لها: حرام عليك نفسك.. أنت حامل وهذا البكاء خطير على جنينك، وفجأة بدأت وردة تخبط بطنها بيديها بكل ما أوتيت من قوة وهي تقول لي بهستيريا: أنا مش عاوزاه يا فايزة.. خلاص، أنا هاسقط الولد ده لأني هأطلب طلاقي من بليغ.. مستحيل أكمل معه”، وهذا ما كان حيث أجهضت وردة جنينها من بليغ، وبمجرد عودته، وجدها تطالبه بالطلاق على جناح السرعة، وهنا انتهت حكاية وردة مع بليغ حمدي الذي توجه فعلا إلى المغرب للزواج من سميرة سعيد، لكنه وبسبب تعاطيه المتواصل للمخدرات، لم يشعر بنفسه إلا وهو يغادر المغرب تاركا سميرة في موقف لا تحسد عليه.

وبعد ذلك، حاول الملحن البوهيمي بشتى السبل أن يعود لوردة، لكنها رفضت كل محاولات الصلح، وبعدها قدم أغنية “الحب اللي كان” لميادة الحناوي، وعندما التقيته خلال مقامي بالقاهرة، وجدته في حالة يرثى لها بعد دخوله في عدة علاقات نسائية عابرة مع المطربة صباح والراقصة سامية جمال، وجالسته فوجدته رجلا منهارا تماما وقلت له: “رغم حزنك بعد انفصالك عن حبيبتك وردة، فإنك كتبت ولحنت الأغنية الرائعة: الحب اللي كان، للفنانة ميادة الحناوي”، فقال لي: “هل تعلم يا رمزي لماذا هذه الأغنية رائعة؟ لأنني كتبتها ولحنتها من وحي ما أشعر به تجاه وردة.. إنها حب حياتي”، وفعلا واصل بليغ حمدي حياته مدمنا على تناول الخمر والمخدرات وقد طغت عليه المصائب والفضائح والدعاوى القضائية، فظل تائها عن الوجود من فرط ضياعه بعد طلاقه من وردة حتى رحل عن هذا العالم بجرعة زائدة من المخدرات في فرنسا.

أما وردة، فقد واصلت حياتها بهدوء متمسكة بفنها ومؤدية أجمل الروائع، وإضافة لنجاحها الفني، فقد كانت تتمتع بأخلاق نادرة الوجود، وخير مثال على نبلها وشهامتها، أنه عندما أصيبت منافستها الأولى، المطربة فايزة أحمد، بسرطان الثدي وكانت في أمس الحاجة للسفر إلى بريطانيا لإجراء عملية استئصال ثديها(…)، وبعد أن أدار لها الجميع ظهورهم رغم أنهم كانوا يعلمون أن بقاءها سيؤدي بها إلى الموت، قامت وردة بموقف عظيم تجاه فايزة رغم أنها كانت على خلاف حاد معها، ومنحتها مبلغ 10 آلاف دولار (10 آلاف دولار كانت آنذاك مبلغا كبيرا جدا)، لتتمكن فايزة من تحقيق حلمها الصحي بالسفر إلى لندن وإجراء العملية التي أخرت رحيلها إلى عالم البقاء حتى حان أجلها المحتوم سنة 1984.

ورغم مرور خمس سنوات على رحيل وردة الغناء العربي، إثر مضاعفات صحية بعد معاناتها الطويلة مع مرض الكبد، لا زالت حياة المطربة الجزائرية مليئة بالأسرار الغامضة، أخطرها أنها ظلت طوال حياتها هاربة من حكم بالإعدام، وأكثرها غموضا، أسرار ترحيلها المفاجئ من مصر، وأشهرها، زواجها سرا من أهم ناقد فني في مصر.
قصة حكم الإعدام لم تظهر إلا بعد رحيل السيدة وردة بعام، وجاء ذلك على لسان ابنها الوحيد، رياض القصري، الذي كشف في مقابلة تلفزيونية عن صدور حكم قضائي من إحدى المحاكم الفرنسية بإعدام السيدة وردة بسبب دعمها للمقاومة الجزائرية بالغناء، وأن الحكم نفسه، صدر أيضا ضد والدها، محمد فتوكي، بعدما أكدت التحقيقات تستره على مخازن سلاح تابعة للمقاومة، وقد اضطرا للهرب معا إلى بيروت خوفا من تنفيذ الحكم، وظلا في حماية عائلة والدتها اللبنانية العريقة، يموت.
الاستقبال الأسطوري للسيدة وردة في مصر كان مبررا، فبالإضافة لموهبتها الفذة، كانت حكومة الثورة المصرية تدعم بقوة استقلال الجزائر، واحتاجت لصوت جزائري يشارك في الدعم المعنوي لقضية المجاهدين، ولهذا سمح لها بالمشاركة مع أساطير الغناء العربي في أوبريت “الوطن الأكبر” بقيادة الموسيقار محمد عبد الوهاب، لكن هذا الود انقطع فجأة وتحول لعداء بعد صدور قرار مفاجئ بترحيلها ومنعها من دخول مصر، ولم يعرف حتى اللحظة السبب الحقيقي وراء ذلك القرار، وإن أكد مقربون، أن استغلال وردة لحادث تعطل سيارتها بدمشق وتطوع المشير عبد الحكيم عامر لإنقاذها، ساهم في الترويج لوجود علاقة عاطفية بينهما، مما أجبر الرئيس عبد الناصر على إصدار قرار فوري بمنعها من العودة للقاهرة طوال فترة حكمه، حيث لم يسمح لها بالعودة إلا في عهد الرئيس أنور السادات.
وخلال حياتها، كانت وردة معروفة بغيرتها الفنية وحبها للبقاء على رأس الهرم في عالم الغناء، لذا كانت دائمة الخلاف مع فايزة أحمد، أما عبد الحليم حافظ، فقد كانت المنافسة محتدمة على الدوام بينهما على السهرات، وأذكر هنا الحدث الأبرز في العام الأخير من حياة العندليب الأسمر، حيث تعرض لأول مرة في حياته لكارثة وهو على منصة الغناء، وكانت صدمته كبيرة في جمهوره أثناء تقديمه لرائعته “قارئة الفنجان” بحفل أعياد الربيع، حيث انطلقت أصوات الصفير والتهريج لتخريب الحفل، يومها أكدت الشائعات أن القلة المندسة التي أثارت غضب حليم بالصفير المتتالي، كانت مكلفة بالمهمة من الراحلة وردة التي كانت قد أجبرت على تأجيل حفلها وقتها، وقيل أنها كانت تغار من استحواذ العندليب على أجمل ألحان زوجها حينذاك، بليغ حمدي، ولكن لا حليم أكد الخبر مكتفيا بالتلميح، ولا وردة نفته، واكتفت بالقول: “إن حليم لئيم ويدوس على غيره”!!

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!