في الأكشاك هذا الأسبوع
إدريس جطو

ملف الأسبوع| المجلس الأعلى للحسابات يعلن عن إفلاس اقتصادي لـ “الدولة”

 إعداد: عبد الحميد العوني

منذ الاستقلال، لم تجتمع مؤشرات صعبة للغاية توحي بوجود مخاطر على تدبير “الدولة” في المملكة، كما هي الآن، وتهدد هذه الوضعية بالدخول رسميا في حالة “الإفلاس”.

وبدأت هذه المعطيات بالمنحى التصاعدي للمديونية منذ عام 2014، بما يعادل نقطتين ونصف من الناتج الداخلي الخام رغم الموارد الاستثنائية الخارجية كمساعدات مجلس التعاون الخليجي (13.1 مليار درهم)، أو داخلية من عمليات التفويت التجارية بـ (3.2 مليار درهم)، علما أن المغرب لن تكون له هذه الموارد الخارجية بعد حصار قطر، وعلى الصعيد الداخلي، أفلست 6 آلاف شركة في نفس السنة، ووقع هبوط حاد فيما يمكن خوصصته، فطرأ نقص يتجاوز ما يعادل 3 نقط من الناتج الداخلي الخام.

وعرف الدين تفاقما شديدا، بلغ 83.9 في المائة من ناتج سنة 2016 ليكون الاحتياط في حدود 16 في المائة فقط.

وفي حدود 4 إلى 5 سنوات، أي 2020 أو 2021، ستكون الدولة مهددة في بـ “الإفلاس القانوني” لوصول الدين المغربي إلى مائة في المائة من الناتج الداخلي الخام للمملكة، ويعد الوضع الحالي في بعض المعايير، أي تجاوز الدين لعتبة 80 في المائة من الناتج الداخلي الخام، “إفلاسا رسميا”، فيما يكون الإفلاس القانوني بـ 100 في المائة كما هو منتظر في 2020.

وإن قررت الحكومة اعتماد معايير “الصدقية” التي وعدت بها في القانون التنظيمي الجديد للمالية، فإن ما يحدث حاليا، هو تطبيع مع حالة إفلاس الدولة لا أقل ولا أكثر، ودعا المجلس الأعلى للحسابات في الرابع من الشهر الجاري في مداخلة رئيسه بالبرلمان، إلى إنقاذ الدولة عبر استهلاكها لما في جوف حساباتها السرية البالغة 74 حسابا؟ وتشكل هذه الخطوة إعادة برمجة لتمويل في حدود 122.7 مليار درهم، لكنها تضيع على الدولة “احتياطها السيادي” البالغ ثلاثة أضعاف الاستثمارات الخارجية الموجهة للمملكة، والتي يمكن أن تدير، في ظروف مساندة، سنة مالية صعبة.

ودعوة المجلس الأعلى للحسابات لاستخدام الحسابات السرية للدولة لمواجهة ظروف إفلاسها، مؤشر صعب في مواجهة سيناريو تغطية الدين لكامل الناتج الداخلي الخام المغربي.

ويبدو أن الموارد الاستثنائية المتأتية من المساعدات الخارجية والمداخيل الضريبية الاستثنائية، وكذا نفقات المقاصة التي تراجعت إلى 32.6 مليار درهم وشملت ما يعتبره عبد الإله بن كيران رئيس الحكومة السابق إلى جانب حزبه العدالة والتنمية في رئاسة الحكومة، “إصلاحات” لم توفر جميعها سوى 0.2 في المائة لخفض عجز الميزانية بخُمُس نقطة.

وبهذه الصيغة، فإن إصلاحات المقاصة لم تشكل سوى ثلث من خمس النقطة الواحدة في عجز الميزانية الداخلي، أي أنها كانت بلا تأثير يذكر، لأن ما أمكن توفيره في حساب الخزينة وفي جميع الموارد لم يتجاوز 9 ملايير درهم.

ويعد هذا المؤشر عاملا إضافيا لوصف عجز الخزينة بـ “البنيوي” رغم ارتفاع المداخيل الجبائية في 2015 بـ 7.8 ملايير درهم، وموارد الحقوق الجمركية بـ 17.6 في المائة، وتكثيف عمليات المراقبة بما يزيد عن 150 في المائة، وهي إجراءات يدفع فيها المواطن قوت يومه لـ “إنقاذ” الدولة، لكن هذا المواطن أفلس لإغلاق 6 آلاف شركة سنويا، ولرفع الدعم عن المواد التي يستهلكها، وتكثيف المراقبة الضريبية بطريقة تمنع مبادرته، وتراجعت مساهمة الدولة وانسحبت مؤسساتها العمومية بما يناهز 771 مليون درهم، أي حوالي 8.6 في المائة، وهو ما يرفع انسحاب الفرد من المبادرة المجتمعية بـ 7 أضعاف عن المعدل العالمي.

وفي ظل هذه التراجعات “الكبيرة”، بقيت كتلة الأجور في حدود 11 في المائة من الناتج الداخلي الخام (104.3 مليار درهم) بما يعني أن جمود “القدرة الشرائية” للمواطن وتدهورها بفعل الشروط المرافقة، يزيد عن 20 في المائة.

واعتمادا لهذه الإحصاءات، فإن عجز الميزانية زاد بـ 0.6 في المائة دون احتساب الديون المستحقة على الدولة لفائدة المقاولات برسم دين الضريبة على القيمة المضافة والديون المترتبة عن فائض الأداءات برسم الضريبة على الشركات، وباقي الخدمات ذات الطبيعة التجارية التي تقوم الدولة بسدادها، وإن أضفنا هذه الديون غير المحسوبة إلى العجز، سيكون الرقم صادما للغاية، فالأرقام الرسمية لا تحتسب ديونها.

ويجب احتساب عجز إضافي بـ 24.5 مليار درهم، إجمالي الديون المستحقة لفائدة المؤسسات والمقاولات العمومية، و7 ملاييرعلى شكل متأخرات الديون، مضافة إلى 40.56 مليار درهم المعلنة، أي ما يعادل 4.1 في المائة من الناتج الداخلي الخام، وبإضافة 31.5 مليار درهم إلى 40.56 مليار درهم، سيكون عجز الميزانية الحقيقي في حدود 72.6 مليار درهم، ويصل إلى 7.2 في المائة من الناتج الداخلي الخام، لأن الحكومة أسقطت 3.17 في المائة من النسبة التي يعادلها العجز بالنسبة للناتج الداخلي الخام.

ودعا المجلس الأعلى للحسابات إلى الصيغة المعيارية في احتساب العجز الذي يشكل صدمة عميقة تنبئ أن حالة الإفلاس الاقتصادي للدولة المغربية “حالة مؤكدة”.

  •  المؤشرات السوداء لإفلاس الحالة الاقتصادية الحالية في المغرب

إن مجموع المؤشرات الاقتصادية التي أدلى بها المجلس الأعلى للحسابات، تنبئ أن المغرب يمر بمرحلة إفلاس لا يمكن معها الاستمرار في النموذج الحالي في التدبير من دفع الدولة مؤسساتها العمومية إلى العجز الكامل في ظل:

1ـ ارتفاع عجز الحساب الجاري لميزان الأداءات بنسبة مائة في المائة عام 2016، ومحاولة التطبيع الحكومي بارتفاع سنوي لهذا العجز بـ 100 في المائة، مؤشر سلبي للغاية، لأن ارتفاع عجز الميزان التجاري بلغ 19.3، وهي نسبة عالية، فيما تراجعت مداخيل الاستثمارات الخارجية بـ 17 في المائة، أي أننا أمام حسابات خارجية تصل إلى عجز مفترض في حدود 40 في المائة في دورة الاقتصاد الوطني، دون أي اعتناء بالسوق الداخلية أو القيمة المضافة للصادرات المغربية.

2 ـ الاختلالات في الحسابات السرية للدولة أو الحسابات الخصوصية للخزينة، وأيضا مرافق الدولة المسيرة بصورة مستقلة والبالغ عددها 204 مرافق بميزانية 3 ملايير درهم، بما يجعل 125.7 مليار درهم خارج الضوابط التي ينص عليها القانون التنظيمي للمالية.

3 ـ اكتتاب سنوي في الدين الداخلي بـ 26 مليار درهم من أصل 28، بما يؤكد على حالة استنزاف الدولة لمؤسساتها ومقاولاتها العمومية، وما يدور في فلكها من شركات خاصة، وقد وصف المجلس الأعلى للحسابات الوضعية في الحالتين بـ “الصعبة” وهو الوصف المهذب من الرسميين لما يعانيه الوضع من كارثية شديدة وعميقة، زاد منها، ارتفاع الدين المستفيد من ضمان الدولة وفي سنة واحدة بـ 39.6 مليار درهم، وسيصل في المجموع إلى 850.5 مليار درهم.

وارتفعت الديون في المغرب بوتيرة غير معقولة رغم تراجع أسعار النفط والموارد الأساسية، وشكل هذا التراجع 5.1 في المائة من الناتج الداخلي بين 2012 و2016، ولو تصورنا سعر برميل النفط كما في 2012، ستكون إضافة 5.1 في المائة إلى 83.9 في المائة مقدرة على صعيد الدين بـ 89 في المائة من الناتج الداخلي، لأن تغطية القروض للزيادة في سعر الطاقة ثابت من ثوابت الميزانية العامة، ومثل هذه المعدلات مخيفة إلى حد أصبح معه الإفلاس “القانوني” ممكنا في السنة القادمة.

واعتبارا لذلك، يرى المجلس الأعلى للحسابات “ضرورة” الحد من حجم الدين العمومي ونسب المديونية(1)، ويطالب بزيادة الضرائب لرفع الموارد، بما يجعل المواطن مضطرا لتمويل العجز بما يزيد من إغلاق المقاولات المتوسطة والصغرى وباقي الجبايات، ويزيد من تدمير القدرة الشرائية للمواطن المتراجعة مرتين في الفترة الأخيرة.

4 ـ نفقات خدمة الدين السنوي وصلت 14.6 في المائة من الناتج الداخلي المحلي، وهو رقم قياسي وصعب.

5 ـ ديون الدولة لفائدة المقاولات العمومية وصلت حدودا غير مقبولة تهدد بتدميرها، وتضحي الدولة بأذرعها حاليا، يتقدمها المكتب الشريف للفوسفاط والمكتب الوطني للسكك الحديدية، وقد عرفت نموا سنويا بـ 6 في المائة، لكن نمو الديون يفوق 10 في المائة، ولم تدفع الدولة ديونا لصالح هذه الشركات تصل في مجملها إلى 7.13 في المائة.

وفي الأزمة التي يعانيها المكتب الوطني للسكك الحديدية على سبيل المثال، لجأ مسؤولوه إلى الاقتراض لتغطية عجز السيولة، فهو يمول عجز الدولة في تمكينه من ديونه بديون أخرى، وهو التدبير العمومي الذي يدفع إلى القول، أن ما تعانيه المؤسسات العمومية، هو حالة الديون المكررة التي تؤكد حالة “الإفلاس”، لأن التمويل بالعجز تحول إلى تمويل مفتوح بالدين.

  • التراجع الحاد في الميزانيات الاجتماعية

بالإضافة إلى تراجع الإنفاق الحكومي في القطاعات الاجتماعية، نجد التعديلات الأخيرة في “الاحتياطات الاجتماعية” ـ تتقدمها صناديق التقاعد ونظام المعاشات المدنية، وما خلفه الإجراء الأخير في النظام من إضافة 6 سنوات ـ لا تعدو أن تكون تخفيفا لديون مؤكدة في الخمسين سنة القادمة بـ 57 في المائة، وفي هذه الحالة، سيكون الأغنياء قد أكلوا عظام الدولة، والفقراء يستدينون خمسين سنة قادمة من أجل أن يأكل شيوخهم كي لا يموتوا جوعا، وقد زاد عدد النشيطين لكل متقاعد إلى 6 عام 2016، في حين كان المؤشر 2.24 مقابل متقاعد واحد سنة 2000، وقد ارتفع عدد المتقاعدين من 155 ألف عام 2004 إلى 272.000 سنة 2013، و337.000 سنة 2016، واستقر الرقم في 655.782 ألف متقاعد.

وحاليا، 40 سنة من المساهمة من أجل 80 في المائة من التعويض، وارتفع السن القانوني للإحالة على التقاعد إلى 63 سنة.

وتبعا لهذه الأرقام، فإن العجز التقني بين حجم المعاشات ومجموع الاشتراكات بلغ 4.7 ملايير درهم، ولا يمكن للاحتياطات سد هذا العجز في ظل التزايد المضطرد للتقاعد النسبي وارتفاع متوسط المعاش بنسبة 38 في المائة من مجموع احتياطات تصل إلى 226 مليار درهم للصناديق الثلاثة (النظام الجماعي لمنح رواتب التقاعد، والصندوق المغربي للتقاعد، ولصندوق الوطني للضمان الاجتماعي)، وترغب الدولة في تمويل قسط كبير من الدين الداخلي من هذه الاحتياطات (الصفحة 16 من الكلمة الرسمية لرئيس المجلس الأعلى للحسابات أمام البرلمان في الرابع من الشهر الجاري).

ولا يمكن الوصول إلى هذه المرحلة دون مراقبة صندوق الإيداع والتدبير المكلف بهذه المحفظة المالية، وقد لاحظ المجلس هفوات في التدبير الاستراتيجي للصندوق في المجالات الحيوية الثلاثة (الادخار والاحتياط) و(البنك ـ الماليةـ التأمين) وأخيرا (التنمية الترابية).

وعدم إصلاح صندوق الإيداع والتدبير، عرقلة لإصلاح الاحتياط الاجتماعي في تمويل الدين الداخلي كما يقترحه المجلس الأعلى للحسابات.

ويكون عدم إصلاح السيولة ووسائل الادخار والتأمين واعتماد الدولة على دورة ديون مركبة ومفتوحة، خطر على الأمن الاجتماعي للدولة يؤسس لنمط تدبير ينبني على دورة كاملة من الديون الداخلية والخارجية وإن في الجانب المالي للمؤسسات الاجتماعية، فكيف بالقطاعات المهتمة بالرأسمال البشري غير المادي، والجواب يكون في قطاع الصحة والتعليم.

يقول المجلس الأعلى للحسابات: “إن المراكز الاستشفائية الإقليمية، لا تعالج الأذن والحلق والحنجرة وجراحة الفك والوجه والأمراض العقلية، وتغيب في المستشفيات المحلية الخدمات العلاجية في مجال الإنعاش وطب الأطفال”.

وجاءت إحصائية ممرض واحد لكل 60 سرير، فاجعة، ولا يكاد الاعتناء بالمريض إلا في حدود 10 دقائق في اليوم، وإن تمكن الممرض من قياس الحرارة وباقي اللائحة الطبية، فإنه لا يمكن بعدها تفقد المريض لـ 24 ساعة كاملة، وقد وصل موعد الجراحة إلى 7 شهور، أي نصف سنة، بما يؤهل لموت المرضى.

إنها حالة تنزل عن المعدل الإفريقي ولا تبشر سوى بـ “إفلاس” السياسة الاستشفائية.

6 ـ تدهور بنية القطاع الصحي والتعليمي، جعلت المؤشر الوطني ينزل عن المعدل الإفريقي في أكثر القطاعات حساسية لدى المواطن.

بعد وصول موعد الجراحة العامة في المستشفى العام إلى 7 شهور بما يرفع نسبة الموت إلى 70 في المائة بمعدل 10 في المائة كل شهر، فإن المعدل الأوروبي الذي يعتبر المهمة الصحية عاجلة، فإن موعد الجراحة داخل مستشفيات المغرب “موت محقق”، وهو ما يؤكد على إفلاس القطاع الصحي.

وفي الشأن التعليمي، الذي نشر بخصوصه المجلس الأعلى للحسابات مذكرة استعجالية للدخول المدرسي 2016ـ 2017، فإن الوزارة الوصية ليست لها الموارد البشرية الكافية، وفي هذه “المفارقات غير الطبيعية” كما سمتها المذكرة، يكون تدبير الحقل التعليمي “مجنونا”، فهناك أقسام مكتظة، وحجرات دراسية غير مستغلة رغم وضعيتها الجيدة؟ وهناك منظومة للدعم التربوي متعددة الآليات، لكنها محدودة الفعالية.

وفي ظل هذه المفارقات، فإن معطيات الخارطة المدرسية ليوليوز 2016، لها خصاص بـ 16.700 مدرسا، وفي الخارطة المعدلة، هناك فائض بـ 14.055 مدرسا لتلاميذ يتعرضون إلى الاكتظاظ في حدود 38 في المائة، وبلغت نسبة الأقسام المكتظة 49 في المائة رغم وجود 16.262 حجرة جيدة وغير مستخدمة، أي حوالي 10 من مجموعة الطاقة الاستيعابية، بما يؤكد أن وجود 49.696 قسما مكتظا، وبإضافة الحجرات الشاغرة، يكون المعدل في القسم، هو 30 تلميذا، من واقع أن حوالي مليونين من التلاميذ (1.987.840)، يعانون من الاكتظاظ (40 تلميذا في الحجرة).

ويزيد سوء التدبير في القطاعات الاجتماعية بفعل مهام العنصر البشري، فـ 40 في المائة من عينة السلك الأهلي و42 من المائة يدرسون أقل بـ 6 ساعات إلى 7 عن معدل الساعات النظامية.

ويعترف المجلس بهزالة الدعم في المطاعم المدرسية، إذ لا يتعدى 1.40 درهم لكل تلميذ في اليوم، ولا توجد أماكن مخصصة للمطاعم المدرسية بسبعة آلاف مؤسسة تعليمية، إذ أن الخصاص يصيب كل تلميذ، وأن نسبة 10 في المائة من دولار أمريكي واحد ليست مساعدة، لأنها لا تساوي سوى خبزة يوميا، فيما قطعت الوزارة عن 86.000 ألف تلميذ منحة “تيسير”، وعلى هذا الأساس، وصل عدد المنقطعين عن الدراسة إلى 300 ألف تلميذ.

والإشكالية بنيوية في المنظومة التربوية، بلغة المجلس(2).

  •  المغرب حاليا يعيش بالديون ومن مخزونات احتياطية

8 ـ هناك عجز كبير واستراتيجي لمخزون الأدوية في المغرب(3)، فمن جهة، لا يأخذ القانون رقم 09 لسنة 1971، طبيعة الأدوية في التخزين، ولذلك يعتبرها مثل الإسمنت وباقي الموارد.

ومنذ 2002، يكون توفر المؤسسات الصيدلية على مخزون دوائي مساو لربع إجمالي مبيعاتها، غير قائم، كما أن مراقبة الأدوية أقل فعالية، واحتكارها ظاهرة قائمة، وفي انتظار وكالة وطنية للدواء والمنتجات الصحية، فإن المغرب بدون مخزون “دوائي” بمعايير دولية.

9 ـ المخزون النفطي المغربي لا يتعدى 24 يوما، فيما القانون يحدد مخزون الدولة في 60 يوما خوفا من أي طارئ.

10 ـ غاز البوتان المنزلي لا يصل مخزونه إلى الشهر (27 يوما ونصف اليوم)، أي أقل من 50 في المائة من المعدل القانوني الواجب العمل به، فالدولة تسير بأقل من نصف المخزون الضروري لمواجهة الطوارئ.

11 ـ مخزون وقود الطائرات في المغرب لا يمثل سوى 19 يوما من الاستهلاك، بل إن النفط الخام، لا يتجاوز 15 يوما و10 أيام داخل بعض فصول السنة، ولا يرفع العاملون في القطاع النسبة الوطنية، إلا من خلال تمويل الدولة، وهذا التحفيز لم ينجح معه لا نظام الإرجاع ولا نظام الهامش الخاص لتمويل المخزونات، في تدارك العجز في طاقات التخزين وفي تكوين المخزونات الاحتياطية، وهو ما يؤكد أن الشركات تهيمن على سياسة القطاع، ويدير وزير الفلاحة والصيد البحري أكبر شركة نفطية (أفريقيا غاز).

ووصف التقرير الموضوعاتي للمجلس الأعلى للحسابات، الصادر في صفحته الثانية، الوضع بـ “الخطير”، وقال: “منذ صيف سنة 2015، أصبحت السوق الوطنية تتزود بشكل كامل من واردات المنتجات المكررة، مما يزيد من خطر تعرضها لتقلبات السوق الدولية، كما تقلصت قدرات التخزين”.

12 ـ أقل من شهرين في مخزون القمح الطري في وقت الحصاد، وعلى صعيد الواردات، فإن 53 بالمائة من واردات القمح تأتي عبر ميناء البيضاء، ويسود اعتقاد بأن المغرب ليس له احتياط معياري على صعيد الغذاء.

  •  الدولة تستدين من المؤسسات والمقاولات العمومية بما يجعل الطرفين في حالة صعوبة شديدة

تضرب استدانة الدولة من المؤسسات والمقاولات العمومية، المصداقية، لعدم أداء الحكومة الديون المستحقة عليها، وهو ما يمس العمق الاستراتيجي ومستوى الحكامة في القطاع العام وتكون الحكومة قد عطلت أدواتها وأذرعها ومؤسساتها لتحسين مؤشراتها من خلال عدم دفع ديون المقاولات العمومية، ولا يمكن إصلاح الإطار القانوني والمؤسساتي للمقاولات العمومية ذات البعد الاستراتيجي دون تمكنها من أموالها لإنجاح الشراكة بين القطاع العام والخاص، وقيادة وتنفيذ السياسات العمومية وتحديث الحكامة.

وبدون دفع الحكومة للأموال المستحقة للمقاولات العمومية، حققت هذه المؤسسات قيمة مضافة بحوالي 72.7 مليار درهم، ووصلت القدرة على التمويل الذاتي إلى 42.2 مليار درهم، فيما راكمت الأصول الإجمالية ما مجموعه 1.001 مليار درهم، فالمشكلة في المغرب في القرار الريعي، والإدارة الحكومية التي تنتهج “التدبير” بشكل جيد، لكن أطراف نافذة تستولي على الخيرات بشكل غير مؤسسي، وبقرار من داخل المؤسسات.

13 ـ تطور المقاولات العمومية لم يكن وفق منظور استراتيجي منسجم ومحدد على المدى المتوسط والبعيد، ولكن هذه الصيغة الملتبسة قال بخصوصها المجلس الأعلى للحسابات في يونيو 2016: “إن التحولات الأساسية التي عرفها القطاع، ارتبطت بظروف تاريخية خاصة، أو بنوعية ومؤهلات أصحاب القرار، أو بضرورة الاستجابة إلى متطلبات محددة”.

وهذه الفقرة السادسة الملتبسة من تقرير المجلس عن المقالات العمومية، تكشف أن المسألة لا تتعلق في المغرب بالتدبير، بل بـ “أصحاب القرار”(4)، وهو عيب رئيسي يعرفه المختصون، بل إن المغرب دفع ثمنه بشكل عميق.

14 ـ دور “الدولة” يظل غير محدد وغير واضح، ووزارة الاقتصاد والمالية، ليست لها بنية يقظة والقيادة من أجل مواكبة المقاولات العمومية.

15 ـ دور الدولة كمخطط، يبقى غير محدد أيضا، فالقيادة الاستراتيجية من طرف الوزارات ذات الاختصاص القطاعي، غير مؤطرة قانونا.

وقد استلهم المجلس الأعلى للحسابات خلاصات هذا التحليل من الميثاق المغربي للمسارات الجيدة لحكامة المنشآت والمؤسسات العمومية، ومن مبادئ التعاون والتنمية الاقتصادية، ومن المقارنة مع التجارب الدولية الرائدة (الفقرة 13 من التقرير لشهر يونيو 2016).

16 – الدولة لا تفي بالتعاقد مع المقاولات العمومية.

17 ـ تحويل بعض المؤسسات العمومية التي تعمل في القطاعات التجارية إلى شركات مجهولة الاسم دون مسطرة واضحة، بما يجعلها تحت نفوذ أصحاب القرار، وغير مستجيبة لاستراتيجية الحكومة.

18 ـ الديون المستحقة من الدولة للمكتب الشريف للفوسفاط، لا تمنعه من المساهمة بنسبة 17 المائة من مجموع الاستثمار، وبحصة 27 في المائة من رقم المعاملات، وبنسبة 32.3 في المائة من القيمة المضافة من مجموع المؤسسات والشركات العمومية وتكون أرباح المساهمات وحصص الأرباح في خزينة الدولة بـ 42 في المائة.

وبهذه الطريقة، تكاد الدولة تخضع مقاولاتها لصفر أرباح في خزينة الدولة، أو صفر ديون موجهة لهذه المؤسسات، فيما وصلت إمدادات الدولة إلى 12.3 مليار درهم، أي ما يمثل 48.7 في المائة من مجموع التمويل العمومي.

19 ـ انفجار في عدد المؤسسات العمومية، ففي الفترة ما بين 2004 و2015، أحدثت الوزارات 44 مؤسسة عمومية، فتحولت كل وزارة إلى “شبكة زبونية” تخدم أهدافها، وتنصب رجالاتها، بما يناسب ما يدعوه التقرير “أصحاب القرار”، ويكون العمل من خارج استراتيجية حكومية منسجمة، دليل على التفكيك الداخلي للسلطة التنفيذية، وعلى استجابة الدولة لضغوط اللوبيات والأحزاب والشركات كمراكز نفوذ في خارطة القرار السياسي للمملكة.

20 ـ العجز البنيوي لفروع صناديق الادخار وفي مقدمتها صندوق الإيداع والتدبير، لوجود انفلات استراتيجي داخل النموذج الاقتصادي والمالي، انطلاقا من إحداث مؤسسات عمومية تفتقد إلى موارد ذاتية، وبالتالي، يتعين التوفر على إطار يحدد شروط وطرق إحداث المؤسسة العمومية، وذلك من خلال إنجاز تقييم مسبق لمدى ملاءمة واستدامة النموذج الاقتصادي والمالي، ويكون بمثابة مرجعية لخلق هذا الصنف من المؤسسات (حسب توصيات المجلس).

وفي انتظار هذه الخطوة، يكون الاستنزاف المالي والإداري لوجود مؤسسات عمومية قد وصل إلى درجة سيئة تؤثر على معايير التدبير كما هي متعارف عليها عالميا، وقد ارتفعت مديونية المؤسسات والمقاولات العمومية إلى 321 في المائة عام 2014، وهو ما أضعف القطاع العام وحوله إلى قطاع كامل الهشاشة(5).

وزادت مديونية المؤسسات العمومية منذ حراك 20 فبراير 2011 بطريقة استثنائية، واليوم، لا تدفع الدولة ديون المقاولات العمومية، ولا تتمكن هذه المقاولات من جدولة مديونيتها لضخامة الأرقام.

21 ـ ارتفاع ديون المؤسسات والمقاولات العمومية من المؤسسات الدولية منذ 2008، وهي فرصة لشرائها وابتلاعها مستقبلا، وتهيئة لخوصصتها بما يناسب المصالح الخارجية، وغير الوطنية بالضرورة، وبعيدا عن الحكومة نجد الديون الخارجية المقترضة من طرف المؤسسات والمقاولات العمومية قد بلغت 160 مليار درهم.

22 ـ 65 في المائة من مجموع دين المؤسسات والمقاولات العمومية، يعود لأطراف ومؤسسات دولية بما يتجاوز سقف 50 في المائة المعمول به بـ 15 في المائة مع نهاية 2015، وهو ما يؤشر إلى وضع اليد الأجنبية على القطاع العمومي المغربي.

23 ـ الديون الداخلية لضمانة ديون خارجية لصالح المؤسسات العمومية، في أكبر إجراء مالي غير معياري عرفته المملكة، وفي هذا الصدد، قامت وزارة الاقتصاد والمالية بتوقيع اتفاق مع المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب والمكتب الوطني للسكك الحديدية، أقرت بمقتضاه الدولة (المديرية العامة للضرائب) بالديون المتراكمة المتعلقة بالضريبة على القيمة المضافة إلى متم سنة 2013، كدين لهاتين المؤسستين، حيث يمكن لهما الحصول على قروض من السوق المالية الدولية لتغطية دين الضريبة على القيمة المضافة التي أقرت به الدولة في حدود 1.94 مليار درهم بالنسبة للمكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب، و 1.78 مليار درهم بالنسبة للمكتب الوطني للسكك الحديدية.

وهذه لغة المجلس في الصفحة 20 (تقرير يونيو 2016)(6)، وهذه الخلاصة قاتلة، لأن الدولة تدفع قطاعها العام لأخذ ديون لدفع مرتبات عدم دفع الدولة لديونها نحو القطاع، وهو ما يسمح ببيع القطاع العام خارج وصاية الحكومة لرد الدين الخارجي، وتفقد الدولة في هذه الحالة، قيادتها الاستراتيجية، ويزيد الأمر سوءً ما أتى في هذه الفقرة من نفس التقرير، قائلة بـ “حالة عدم توفر الوزارات على استراتيجيات قطاعية، وعدم وجود حوار استراتيجي بين الوزارات والمؤسسات العمومية الخاضعة لها”.

24 ـ تعدي المقاولات العمومية في المغرب على اختصاصات الدولة (الفقرة 113)(7) وقامت هذه المقاولات بالتحكيم كأنها دولة في دولة.

25 ـ يمكن أن يؤدي عدم التحكم في سياسة إحداث الفروع التابعة للمؤسسات والمقاولات العمومية إلى تجزيء المحفظة العمومية وأصول الدولة (الفقرة 144)(8)، وهذا خطر شديد للغاية.

  • ملك الدولة ومالها غير قابلين للإحصاء القضائي، ولم يتمكن القضاء المالي من إحصاء القضايا المرفوعة ضد مديرية أملاك الدولة والخزينة العامة للمملكة(9)، ووصولها مع المديرية إلى 6400 ملف معلن، يكشف أن هناك وضعا غير قابل للسيطرة في ظل اختلالات واضحة للعيان

26 ـ الاعتداء المادي على العقارات المملوكة للغير بسبب غياب البرمجة والضبط الدقيقين لحاجيات الدولة للعقار، وبين 2006 و2013، وصلت المبالغ المحكوم بها ضد الدولة إلى  4.420.969.826.38 درهما في مائة ألف وسبع وستين ملفا دون احتساب الدعاوى التي ربحتها الدولة بـ “وضع اليد” لأسباب إجرائية.

ويكون المعدل السنوي لـ “اعتداء” الدولة على عقارات مواطنيها، حسب وصف المجلس الأعلى للحسابات، ما تصل قيمته 550 مليون درهم سنويا(10).

27 ـ التخبط وعدم التنسيق يدفع الدولة إلى التعويض مرتين عن “اعتدائها” الثاني على نفس العقارات المنسوبة للغير(11).

28 ـ احتلال الإدارات والمؤسسات العمومية لـ 11 ألف هكتار بدون سند قانوني، ومن الغريب أن تكون وزارة التربية الوطنية، هي أولى الوزارات التي تحتل أملاك الغير من المواطنين بدون سند، وكلفت وحدها الدولة 695.486.143.69 درهم(12).

وتنتهي الإدارات بامتناعها عن تنفيذ الأحكام؟

29 ـ امتناع الإدارات عن تنفيذ الأحكام القضائية وجه دقيق للإفلاس القانوني الذي تمارسه الدولة من خلال إدارتها.

30 ـ “مبدأ حماية المال العام ضمن حماية الدولة”، توصية للمجلس الأعلى للحسابات، ورغم أننا أمام مبدإ تجاوز كل المعضلات التي كادت أن تسبب في كل شروط “الإفلاس” الاقتصادي والمؤسساتي للدولة، فإن الجميع لا يرغب في تجاوز هذه الوضعية الدقيقة التي وضع المجلس الأعلى للحسابات أصبعه على نارها، وقد رفع المجلس مؤخرا 8 ملفات بشبهات جنائية إلى وزارة العدل، لكن التجميد يلاحق المتهمين لكونهم نافذين أو قريبين من دوائر القرار، والخوف كبير من وصول المغرب إلى مرحلة اللاعودة والدخول في مرحلة “اللادولة” بعد فترة من قيادة “الدولة في الدولة” لكل خيرات الشعب المغربي والتحكم في أوضاعه الحالية والمستقبلية بيد من حديد.

هوامش:

  • Exposé du président de la cours des comptes au parlement/ p: 11 .(4/7/2017).

  • Référé du premier président de la cour des comptes sur les conditions et de la rentrée scolaire 2016-2017 (19/6/2017).

  • Cour des comptes.ma-20/file-20-357pdf, p: 2.

  • Cour des comptes.ma/file298 pdf, p: 1.

  • Cour des comptes.ma/file298 pdf, p:15.

  • Cour des comptes.ma/file298 pdf, p: 20.

  • Cour des comptes.ma/file298 pdf, paragraphe 114/ p:28.

  • Cour des comptes.ma/file298 pdf, paragraphe 144/ p: 33.

  • Cour des comptes.ma/file232 pdf, p:29.

  • Cour des comptes.ma/file232 pdf, p:32.

  • Cour des comptes.ma/file232 pdf, p: 33.

  • Cour des comptes.ma/file232 pdf, p: 70.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!